بيت "شاعر النيل" شامخٌ ومنسيٌ على تلّة سودانية.. تعرّف عليه





تاريخ النشر: 2017-09-07 22:48:47


 

يُطلق سكان مدينة الروصيرص السودانية في ولاية النيل الأزرق، جنوباً، على البيت الذي سكنه الشاعر المصري الكبير حافظ إبراهيم "منفى حافظ إبراهيم"، غير أن حافظاً لم يُنف قط، كما يقول التاريخ، فقد سكن حافظ فعلاً هذا البيت المُعلّق على تلةٍ مطلّة على شاطئ الروصيرص، عندما دخل السودان غازياً لا منفياً.

شاعر مصر الكبير، المُلقّب بـ"شاعر النيل"، ذو أقدار غريبة؛ فإلى جانب لقبه المنسوب إلى النيل من شدةِ لوعته به وتغنّيه فيه، فقد كان ميلاده من أب مصري وأم تركية على متن سفينة كانت راسية على شاطئ نيل قرية (ديروط) بمحافظة أسيوط جنوبي مصر، ما يعني أن شاعر النيل قد وُلد في مياه النيل.

عندما رحل والداه، وهو لم يَقُمْ على قدميه بعد، أخذه خاله إلى العاصمة المصرية القاهرة، حيث تربى بين ظهرانيه يتيماً وفقيراً. وقد كان خاله ضيق الرزق رقيق الحال فاضُطرَ إلى الرحيل معه إلى مدينة طنطا، شمالاً؛ هرباً من عيش القاهرة الباهظ.

في طنطا دخل حافظ إبراهيم الكُتَّاب فازداد الأمر تعقيداً حيث للدراسة تكلفتها أيضاً، وعندما بدأت تظهر على خاله ملامح الضيقِ والتبرُّم، قرر حافظ الرحيل بليل، وترك لخاله تلك الرسالة ذائعة الصيت وبِطيِّها أبيات مثّلت بداية طريقه في تقفي الشعر:

ثقُلت عليك مؤونتي - إني أراها واهِية

فافرح فإني ذاهبٌ - متوجهٌ في داهِية

وقد انتهت به هذه الداهية ضابطاً بالجيش المصري، آنذاك.

يقول الناقد الأدبي السوداني عبد الله نورين في حديث لـ"الخليج أونلاين"، إن حافظ إبراهيم رُبما لم يكن ليقرر الالتحاق بالقوات التركية–المصرِّية، التي غزت السودان، لولا أن ثقُلت مؤونته على خاله، فبعد أن هام الصبيّ، وقتها، في طرقات مدينة (طنطا) المصرية لوقت ليس بالقصير، رمت به الأقدار إلى مكتبِ المحامي محمد أبو شادي، أحد زعماء ثورة 1919، موظفاً صغيراً.

في هذا المكتب اتيحت له الفرصة للاطلاع على كُتب الأدب، فأعجب بالشاعر محمود سامي البارودي (رب السيف والقلم)، الذي كان يعمل بالحرس الخديوي برتُبة (بكباشي)، فقرر أن يحذو حذوه، فالتحق بالمدرسة الحربيِّة في عام 1888، وتخرج فيها 1891.

لكن، والحديث ما يزال لـ(نورين)، لم تتركه الأقدار فترصدته مُجدداً فنُقِل في العام 1896 إلى السودان برفقة الحملة التركية–المصرية، التي كان هدفها البحث عن الذهب والرجال في إقليم بني شنقول (جنوب شرق) السودان، على تخوم الحدود الأثيوبية.

 

- الشعر أصدق من الذهب

على تلك التلةِ المُطِلّة على النيل الأزرق عند مدخله، عابراً إلى السودان من الحدود الأثيوبية أقام الضابط حافظ إبراهيم في منزلٍ على (رابية) مكونة من غرفتين وصالة ومطبخ. ومن على تلك الرابية وفي ذاك المنزل لم يحظ (شاعر النيل) بذهب ولا برجال كما كان يتمنى مبتعثوه، ولكنه حظي بقوافٍ جعلت من نثيث مطر الروصيرص نُطفاً كالدرر وخمرة لم تُعتصر.

ومن على هذه التلة كتب حافظ:

أيُّهَا الوَسميُّ زُرْ نبتَ الرُّبَا - واسق في الفَجْر رياضاً في النهر

حَيِّهِ وانثرْ على أكمامِه - منْ نطافِ الماءِ أشباهَ الدُّرَرْ

أَيُّها الزَّهْرُ أَفِقْ مِنْ سِنةٍ - واصطبح مِنْ خَمْرَة لَم تُعْتَصر

يقول المهندس المعماري محمد إدريس، إن المنزل الذي قطنه "شاعر النيل" بُنِي من الحجر والطوب الأحمر على تلة رائعة يجري أسفلها النيل، وإن هذا النمط المعماري لم يكن مألوفاً في بلاد كان سكانها يبنون منازلهم أكواخاً من القشّ أو الطوب اللَبِن على أفضل تقدير، حيث كانت الظروف المناخية السائدة بالإضافة إلى ضيق ذات اليد تجبرهم على ذلك.

ويمضي إدريس قائلاً لـ"الخليج أونلاين": "عندما جاء الأتراك والمصريون ابتدروا أنماطاً عمرانية جديدة، ضمنها كان منزل الشاعر (الضابط حافظ إبراهيم) الذي بنى قبل أكثر من (100) عام، ما يؤهله ليكون أثراً تاريخياً".

المنزل المكوّن من غرفتين وصالة ومطبخ ينهض على تلة دون سور، ويطل مباشرة على النيل الأزرق، يُعتبر أهم معالم مدينة الروصيروص السودانية وقِبلةً للزوار من كل حدبٍ وصوب؛ لأن شاعر النيل الكبير كان ضمن قاطنيه.

ويتابع إدريس: "أبواب غرف المنزل ونوافذها صُممت بحيث تتيح دخول أشعة الشمس والهواء طوال أيام السنة، ويضم المنزل أيضاً باحة وحديقة صغيرتين، ومزرعة ملحقة به من الناحية الجنوبية صالحة لإنتاج كل أنواع الخضراوات التي تحقق الاكتفاء الذاتي لعائلة صغيرة مكونة من 4 إلى 5 أفراد".

-ترميم المنزل

أقام حافظ في هذا البيت حقبة من الزمن مختلفاً عليها، لكنها بالتأكيد أكثر من سنةٍ، وقد عُرف بالتمرّد كما اشتُهر بالكسل واللا مبالاة والزهد وتبديد الأموال، وله في ذلك قصص تُقص وحكاياتٌ تُحكى، لعل أشهرها تلك التي رواها المفكر المصري عباس محمود العقاد، عندما قال إن حافظ استأجر قطاراً كاملاً ليوصله بمفرده إلى حلوان حيث يسكن، بعدما تأخر في مسامرات القاهرة وفجأة قرر أن يقضي ليلته هناك.

لكن كان قراره متأخراً إذ إن مواعيد سير القطار الرسمية كانت قد انتهت، فقرر استئجاره على حسابه الخاص، كما يقول العقاد.

وتلك الحكاية تشي عن تمرد بائن وحب للحياة، ومدينة الروصيرص السودانية بعيدة، وليست كـ(حلوان)، لذا لم تطب له الحياة فيها، فأعلن الثورة عليها وتبعه الغاوون من بعض الضباط. فأحالتهم السلطات (التركيِّة) إلى الاستيداع ومن ثم التقاعد براتب ضئيل.

عاد حافظ إلى بلده سجيناً، ثم ما لبث أن فارق الحياة بعد سنوات، لكن منزله بقي شامخاً أمام نوائب الدهر وعاديات الزمن لأكثر من قرن.

يقول المهندس محمد إدريس لـ"الخليج أونلاين": "الآن أعيد ترميم المبنى، ويمكن للسياح وطالبي المعرفة وعشاق الشعر، والمؤرخين والآثاريين أن يأتوا لزيارته، وأن يعقدوا ماشاؤوا من ندوات وأن يقدموا في باحته المحاضرات".

تقرير : عبد الجليل سليمان - الخرطوم / وكالات







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق