دلال عنبتاوي تدرس تجليات المدينة في شعر السياب





تاريخ النشر: 2017-09-25 18:46:33


 

بقلم: محمد الحمامصي


شكلت المدينة دورا مهما في التجربة الشعرية العربية الحديثة خاصة، فمتابعة حجم تأثيرها الانساني والاجتماعي والسياسي والثقافي يؤكد أنها ألقت بظلال كثيفة وانعكاسات واضحة على الرؤى والأفكار التي نسجها الشعراء في قصائدهم، وقد تجلى ذلك لدى الشعراء العرب من مختلف الأجيال.

وهذه الدراسة "بدر شاكر السياب.. قراءة أخرى" للناقدة الأردنية دلال حسين عنبتاوي تتناول عالم المدينة عند بدر شاكر السيّاب، سواء على مستوى الموقف الاجتماعي أو السياسي ومدى حضور المدينة الأجنبيّة في شعر السيّاب، وكذا تأثيره على لغته وصوره الفنية، وتوقفت في فصل كامل عند حضور "جيكور" القرية التي نشأ بها السياب، وقد اعتمدت في كل ذلك على النصِّ الشعريّ في الكشف عن تأثير هذا العالم المكاني والإنساني.

بداية تلفت عنبتاوي إلى أن الجدار ربما كان أبرز ملمح للمدينة يفرض نفسه على عيون القادمين إليها من الريف، وهو يمثِّل عائقاً جوهرياً يصدم العَين أينما توجهَت في المدينة، وحين يتلاقى الجدار مع الضوء تصبح الأنوار مُبهِرة للعين ومزعجة لها، فيكرهها الشاعر الريفيّ القادم إلى المدينة، فتبرز الأضواء حزينة، شاحبة، مؤلمة، وهي صفات نابعة من داخل الشاعر نفسه، وقد عاين السيّاب هذه الأضواء حين قدم لبغداد من قريته جكيور ومرَّ بالسوق القديم:

الليل والسوق القديم

خفتت به الأصوات إلا غمغمات العابرين

وخطى الغريب وما تبث الريح من نغمٍ حزين

في ذلك الليل البهيم

الليل والسوق القديم، وغمغمات العابرين.

رغم أنها تعجُّ بالآخرين في أسواقها، هي مدينة الضياع بالنسبة للغريب القادم إليها، ولا يعرف منها شيء سوى وجوده فيها رغم العابرين مِن حوله، وغمغماتهم التي تدلّ على وجودهم، إلا أنه يشعر بضياعه في ليلها".

وترى في كتابها الصادر عن الآن ناشرون وموزعون أن السياب عانى في المدينة مِن هذا شعور الوحدة بسبب حنينه الذي لم ينقطع لجيكور، وجيكور قرية صغيرة تقع إلى الجنوب الشـرقي من أبي الخصيب، التي تقع إلى الجنوب الشـرقي من البصرة، فلم تستطع الحياة الجديدة التي انتقل إليها أن تنسيه أيام طفولته ومراهقته التي عاشها في قريته، وهذا كان سبباً رئيساً في إحساسه الدائم بالغربة.

كم طاف قبلي من غريب

في ذلك السوق الكئيب

فرأى، وأغمض مقلتيه، وغاب في الليل البهيم

وارتجّ في حلق الدخان خيال نافذة تضاء

والريح تعبث بالدخان..

والريح تعبث، في فتور واكتئاب، بالدخان

وصدى غناء..

ناء يذكِّر بالليالي المقمرات وبالنخيل،

وأنا الغريب.. أظلّ أسمعه وأحلم بالرحيل.

إنّ هذه القصيدة تكشف عن الغربة الروحيّة والنفسيّة، التي أحسّ بها وعاشها السيّاب حين قدم لبغداد، ومن المعروف أنّ الأسواق في المدن غالباً ما تكون بؤرة تجمُّع الغرباء، ونقطة انطلاقهم إلى أماكن أخرى يسعون في الغالب لاكتشافها، للابتعاد عن جوّ المدينة ووسطها وسوقها الخانق الذي يعجّ هو الآخر بالغرباء، لكنّ الغريب في تلك اللحظات يظلّ يستذكر ويحنّ لمكانه الأوّل الذي قدم منه، والذي في الغالب ما يكون قريته التي عاش وترعرع بها، كما هي حال السيّاب في هذه القصيدة.

وتقول د.عنبتاوي أن بغداد برزت في شعر السيّاب تضمّ المقاهي والبارات والملاهي ودور البغاء، ووظَّف الأسطورة فيها من خلال حديثه عن تموز، فصوَّرها تستغلّ شـرايين تموز في تغذية كل هذه الأماكن، بدلاً من أن تُسخِّرها في بعث الحياة. ورأى أنّ رموز البعث والخير والحياة، قد انحرفت عن غايتها، فهي رحى من نار وسجن، تجتمع فيها كل المتناقضات. يتحدَّث في قصيدة "جيكور والمدينة" قائلا:

شـرايين في كلّ دار وسجن ومقهى

وسجن وبار وفي كل ملهى

وفي كل مستشفيات المجانين وفي كل مبغى لعشتار

يطلعن أزهارهنّ الهجينه:

مصابيح لم يسرج الزيت فيها وتمسسه نار

وفي كل مقهى وسجن ومبغى ودار:

"دمي ذلك الماء، هل تشـربونه؟

ولحمي هو الخبز، لو تأكلونه!"

وتموز تبكيه لاة الحزينة.

إنّ هذه الأماكن ليست دليلاً على ترف الإنسان وتنعُّمه، بقدر ما هي شهادة على مأساة الإنسان المعاصر، وخوائه مِن القيم وتحديداً عندما لا يملك إلا جسده المهين، كمثل آلاف البغايا. كان السيّاب يرى أنّ الخمّارات والمقاهي والمواخير، شكل مِن أشكال الضياع في المدينة، وأنها صورة الفساد والموت فيها، وسبب مِن أسباب دمارها. يقول في قصيدة "المومس العمياء":

من أي غاب جاء هذا الليل؟ من أي الكهوف

من أي وجر للذئاب؟

من أي عشّ في المقابر دف أسفع كالغراب؟

"قابيل" أخف دم الجريمة بالأزاهر والشفوف

وبما تشاء من العطور أو ابتسامات النساء

ومن المتاجر والمقاهي وهي تنبض بالضياء

عمياء كالخفاش في وضح النهار، هي المدينة.

إنّ صورة المدينة التي تشكِّل الخمارات والملاهي عالمها، وهي مدينة "الخطاة" ومدينة "الحبال والدماء والخمور"، وعالمها متشكّل من الرصاص والصخر من شدّة القسوة فيها.

وتشير عنبتاوي إلى إن الجوع والفقر والحرمان الذي عانى منه السياب في المدينة إلى جانب الشعور بعدم الأهمية، ساهم في تحول نظرته من الحديث عن الواقع الاجتماعي الذي كان مستغرقاً به، إلى الحديث عن الواقع السياسي الذي أصبح يواجهه ويعاني منه.. وتؤكد أن السيّاب من أكثر الشعراء الذين عاصروا الوضع السياسي الدامي في العراق، فقد انتسب للحزب الشـيوعي وانخرط في صفوفه، ظناً منه أنه يدافع عن الفقراء والمحتاجين، وقد عانى الاضطهاد والتنكيل، فسُرِّح من عمله عدّة مرات، وعُذِّب ونُفي، وهذا بحدّ ذاته ساهم إلى حدٍّ كبيرٍ، بأن تكون المدينة المسرح الجاهز الذي يفصح فيه السيّاب، عن توتره وقلقه وأزمته:

وتلتف حولي دروب المدينة

حبالاً من الطين يمضغن قلبي

ويعطين، عن جمرة فيه، طينه

حبالاً من النار يجلدن عري الحقول الحزينه

ويحرقن جيكور في قاع روحي

ويزرعن فيها رماد الضغينة.

نلاحظ في هذه المقطوعة الألفاظ، التي تعكس موقف الشاعر من المدينة معبأة بالحقد والضغينة، وهذا ما عكسته البيئة السياسية عليه؛ فالمدينة عنده.. دروب ملتفّة، حبال، تمضغ القلب، حبال من نار وضغينة، وهي تعبير صريح عن الحقد الذي زرعته فيه المدينة، ممثلة بأنظمتها السياسية، وهو بهذه الألفاظ يعبِّر عن أيامه العصيبة فيها، أيام كان هو أحد شهودها وضحاياها؛ إلا أننا نجده حتى في غمرة تصويره لمدى الدمار والخراب، الذي تعاني منه المدينة سياسياً، إلا أنه يشعرنا بأنّ المستقبل المشـرق قادم، وربما ينجلي رغم الدماء والجراح؛ لأنّ المدينة وكما تتراءى له تمرُّ بمخاض.. ولا بدّ أن يأتي بعده الخلاص:

بعد أن سمَّروني وألقيتُ عيني نحو المدينة

كدتُ لا أعرف السهل والسور والمقبرة:

كان شـيء، مدى ما ترى العين،

كالغابة المزهرة،

كان في كل مرمى، صليب وأم حزينة.

قدس الرب؟

هذا مخاض المدينة.

وتوضح د.عنبتاوي أن السيّاب اتخذ من أسماء بعض المدن القديمة الدارسة، رموزاً لمدن معاصرة تشابهت في ظروفها وأحداثها مع مدينته، إلى حدٍّ ما؛ من هذه المدن بابل، آشور، عاموره. وقد لقيت هذه المدن مصيراً واحداً هو الفناء رغم أنّ بعضها شاد حضارة عريقة. إنّ مجمل الاستخدام لهذه المدن، كان يعتمد على الإشارة إلى أنها ذات مراكز تاريخية قديمة، وقد ورد استخدامها في الغالب ليساعد في الاتكاء على دلالة تاريخية قديمة، أو لتعميق الموقف في النص.. يقول عنها في قصيدة "المعول الحجري":

رنين المعول الحجري في المرتج من نبضي

يدمر في خيالي صورة الأرض

ويهدم برج بابل، يقلع الأبواب، يخلع كل آجره

ويحرق من جنائنها المعلقة الذي فيها

فلا ماء ولا ظل ولا زهرة.

لقد قرن السيّاب بابل ببغداد "السلطة" في أحيان كثيرة، ولعلّ حديث السيّاب عن بغداد، من خلال حكّامها جاء دليل على إحساسه بالقهر السياسي والاجتماعي فيها، وحين تحدَّث عنها لم يشـر إلى الجوانب المضيئة في حضارتها، لأنه أراد أن يسلِّط الضوء على الجوانب القاتمة فيها، والتي تنطبق على بغداد، فقد بعثها بظلمها وطغيانها لا بحضارتها. يقول عنها:

وكأنّ بابل القديمه المسورة

تعود من جديد،

قبائها الطوال، من حديد

يدق فيها جرس كأن مقبره

تئن فيه، والسماء ساح مجزرة

جنائنها المعلقات زرعها الرؤس

تجزها الفؤوس،

وتنقر الغربان من عيونها.

وفي قراءتها للصورة الفنية وانعكاساتها على رؤية السياب للمدينة تخلص د.عنبتاوي إلى إن طريقة التعبير بالصورة هي السمة الظاهرة والطاغية على شعر السيّاب، وهي الشكل الذي استطاع من خلاله أن يبدع بالقصيدة ويرتفع بها إلى رؤية جديدة، لتعبر عما يجيش في نفسه من مشاعر وعقد وإشكالات حياتية بالغة الدقة، وهو لا يكتفي بصورة واحدة في القصيدة، إنما يعمد إلى إيجاد ذلك الترابط بين الصور المتتالية المتدفقة ترابطاً ينشىء في الذهن إطاراً لما يريد أن يقوله الشاعر.

وبقدر ما كان السيّاب جاداً في أن تكون القصيدة لديه مجموعة من الصور المترابطة؛ فإنه كان يلجأ وبطريقة بسيطة إلى التشكيل (الحسّي)، عبر صور مرئية تحمل ألوانها الحقيقة التي تناولها السيّاب بمباشـرة واضحة ليدلل على أنّ قيمتها اللونيّة الحقيقيّة يمكن أن تكون داخل (تشكيل الصورة) ويمكن أن تكون ذات أبعاد حسيّة لها مساس مباشر وحقيقي مع نفسيّة الشاعر ومتاعبه.
 

 

بقلم: محمد الحمامصي

 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق