استقلال كردستان والحرب الاقليمية المحتملة ! ... بقلم: أنمار نزار الدروبي





تاريخ النشر: 2017-10-10 10:11:07


لانريد التكهن بالنتائج فالسياسة علم معقد يستند إلى معادلات معقدة ومتغيرات وحسابات اختزال تاريخي وحتى فرضيات جبرية لايفهمها غوغاء الحملات الانتخابية ومطبلين الحروب.

السؤال: هو القدر , أم هي الحسابات الاستعمارية ونفاذ مدة صلاحية مؤامرة سايكس بيكو بعد مضي قرن من الزمان على إبرامها وتبدل موازين القوى منذ سقوط الإتحاد السوفيتي وتفرّد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم ؟ من البديهي أن تحدث تغيرات عندما تتفكك أي منظومة , وعلى صعيد السياسة تبرز ضرورة احتواء الحلقات كخيار أنسب من التلاعب في مفاصل نظامها الذي تشكلت بموجبه , وهذا ما يُسمّى بالواقع , لكن الذي حدث هو اندفاع سريع وغير مدروس من قبل أمريكا للعبث في مقدرات منطقة الشرق الأوسط بدأ في أفغانستان ثم احتلال العراق بدون أي مبررات أو مسوغات قانونية دولية تسمح بذلك . بسبب  هذا العبث فشلت أمريكا في فرض هيمنتها حيث لم تستطيع سد الفراغ الجيوسياسي الذي حدث بزوال الدولة و النظام السياسي في العراق , وقد تمت تعبئة ذلك الفراغ بحشوه من القوى المتناقضة الذي تسبب تراكمها وتقاطعها مع ارتباطاتها الأيديولوجية  بتداعيات جعلت من الساحة العراقية بؤرة استقطاب لكل أجندات التطرف بمختلف اتجاهاتها الفكرية والطائفية , وتحول العراق الى ساحة صراع دولية من خلال حروب الوكالة باستثمار تناقض القوى وتجنيدها وتمويلها من أجل تحقيق أهداف تخدم استراتيجيات الدول الكبرى والإقليمية . أن هذا العبث وما رافقه من تخبّط سياسي نتج عنه زلازل في عموم الشرق الأوسط , وأدت الى دمار هائل يعجز العالم عن معالجة اضراره أو خلق معادلة جديدة تضفي إلى استقرار بديل عنه كما شهدنا و نشهد اليوم في سوريا وليبيا ومصر واليمن وربما سيشمل دول أخرى إذا لم يتوقف هذا العبث وتبدأ الولايات المتحدة الأمريكية بمراجعة سياستها وأخطائها وتصحيح مسارها بإعادة التوازن وفق رؤيا تنطلق من تلبية مطالب الشعوب وإحترام إرادتها وحريتها إسوة بشعوب العالم , مع الكف عن دعم الأنظمة المستبدة بالسماح لها في ممارسة القمع ومصادرة الحريات وإحباط إرادة شعوبها . إن ما تمخض عن الاستفتاء الذي جرى في اقليم كردستان العراق ليس حالة منعزلة أو خاصة بظروف الإقليم وعلاقته بالكابينة السياسية في العراق , لكن الحقيقة ان موضوع استقلال الإقليم محسوم سلفا ومؤجل بدوافع خلق واقع يسمح له أن يعيش بعد خروجه من الحاضنة الأمريكية , أما الكلام عن شرعية هذا المولود بموجب تلمود العملية السياسية فهو قد يمثل أول رأس صاروخ يتفجر في ترسانة الغام الدستور . لقد اخطأ السيد مسعود البرزاني في توقيت الإطلاق حسب توقيتات واشنطن ليس أكثر ,  بغض النظر عن دقة حسابات هذا الإجراء وما سينتج عنه , فهو قد أقحم المنطقة كلها في أزمة خطيرة للغاية ستكون كلفة الخروج منها باهظة على السياسة الأمريكية أكبر من قضية فشلها في فيتنام. لقد  بادرت إدارة البيت الأبيض بإعلان رفض الاستفتاء وعدم شرعيته لأنه تم من طرف واحد ؟  بمعنى أنه كان بالإمكان طبخه في بغداد وتقديمه على رؤوس أعضاء الفساد البرلماني كوجبة همبرغر سياسي جاهزة على الطريقة الأمريكية في صنع القرار , قضية الاستفتاء كان  مخططا لها أن تتم كحلقة من حلقات تقسيم العراق والمنطقة بكاملها. لكن كما ذكرنا المعادلة السياسية متغيرة بشكل مستمر ولهذا  جرت الرياح بما لا تشتهي السفنُ  ,, وماذا بعد  ؟ 

بسبب عامل اختلاف الضغط يجري تصريف الرياح ولا يبدو هنالك متنفس في هذه الأزمة يسمح بتخفيف الغضب  التركي شمالا والإيراني شرقا , أما موضوع المناطق الخلافية فقد بدأ النزاع عليها فعلا بعد أن كان مجرد تسمية ( متنازع عليها ) هنا يجب أن نسجل ملاحظات مهمة للغاية , أن ميزان القوى السياسية بالعراق  يستند بالأساس على صراع قوى مسلحة وضمن أطار عقائدي.. هذه القوى المسلحة   لها اليد الطولى على الساحة ميدانيا وسياسيا وأن أعضاء برلمان المهزلة السياسية بكل اطيافهم تحت سلطة هذه القوى . أمام هذا المأزق  نتساءل , ما هي خيارات السياسة الأمريكية للخروج  من وحل مستنقع هذه  الأزمة ؟, لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تأبى ان تعترف بفشلها وجملة الأخطاء التي ارتكبتها منذ غزو العراق حتى اليوم , وكلما تحاول أن تصحح خطأ ترتكب الأبشع منه بحق العراق كوطن ودولة وشعب , قبل أيّام كان الرئيس الأمريكي يغرّد  بموضوع الاتفاق النووي ويضغط على إيران.

1.  فهل يغفل صنّاع السياسة في ايران عن استثمار أزمة مصير إقليم كردستان ؟

2.  هل تستطيع أمريكا أن تتخلى عن الأكراد أو تخذل أحلامهم في انشاء دولة كردستان ؟

3. أما تركيا التي أخذت تبتعد عن أمريكا منذ الانقلاب الفاشل وما تلاه من دعم أمريكي لحزب العمال الكردستاني باسم الدلع ( قوات سوريا الديمقراطية )  فهل يغفل السيد أردوغان ليمنح طوق نجاة بلا ثمن ينتشل أمريكا من غرق تورطها ؟

من الحكمة أن تعالج بعض القضايا بسريّة تامة خصوصا عندما تتعلق بمخاطر حقيقيّة لا تسمح بلعب الصغار , أو تتطلب تقديم أكباش فداء للتخلص من تبعاتهم السياسية , إعلان الدولة الكردية سيشعل حرب لا محالة في المنطقة كلها , ولا نحتاج توضيح الكيفية فهي معلومة لكل عاقل يفهم أبجديات السياسة , هذا الخيار سيكون أعظم أخطاء أمريكا منذ تأسيسها الى اليوم لأن الضحايا ستكون كارثية مفزعة , ولكن بالمقابل , ما هو ثمن تراجع الأكراد عن تحقيق الحلم الذي تحول الى عرس تاريخي في جميع الدول التي ينتشرون فيها بشهادة طبول الدبكة الكردية ؟

 حقا ستكون نكسة إنسانية بخذلان أمة كريمة لا تقل عن جميع الأمم على وجه الأرض شرفا وعزة وكرامة . وما بعد هذا الخذلان الذي يصعب تفاديه بوعود الكذب والتدليس السياسي ستخسر أمريكا جوكر أوراق ألاعيبها في الشرق الأوسط ليبدأ العد التنازلي في حسابات العمر الافتراضي لدولة إسرائيل ., بدون أن نخوض في طبيعة أخوتنا الأكراد وعشائرهم ولهجاتهم المختلفة أو طوائفهم الدينية , سيعود الانقسام الكردي الى سابق عهده في العراق , والذي لم يلتئم إلا على هدف وحدتهم في انجاز تحقيق دولة كردستان في العراق , ومن ثم الشروع في الانطلاق نحو تحقيق كردستان الكبرى , هذا الانقسام الكردي القادم ستعززه سياسة المنطقة , وسوف يتم احتوائهم من قبل إيران وتركيا حسب وضعهم الذي كان يتنازع عليه السيد البرزاني مع حزب الطالباني لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل صراعهم التاريخي , بخصوص قوات سوريا الديمقراطية وأكراد سوريا سيكونون ورقة مساومات وترضية بين تركيا وأمريكا مع ابقاء دورهم في محاربة التطرف الاسلامي سواء كان سنيّا في هذه المرحلة أو شيعيا في مرحلة أخرى وإسرائيل  لن تكون خارج اللعبة  , أما الصفحة الثانية التي تبدأ بعد انتهاء الأزمة فهي المراجعة الشاملة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط . قبيل أن نختتم مقالتنا سنوضّح بعض الحقائق لمن يتوخى دراسة الوزن  الجيو سياسي لدول المنطقة والنفوذ الأمريكي , إن هذه الأزمة كشفت عورة السياسة الأمريكية ووضعت تركيا وإيران، في اختبار القدرة والقوة على الصعيد السياسي والعسكري وقد حققا كلاهما نجاحا كبيرا على صعيد فرض الإرادة والاحتواء ومما لا شك به أن التنسيق بينهما مع العراق سينتج معادلة إقليمية جديدة . أما الدول العربية بلا استثناء فلم يكن لها دور فاعل على مسار الأزمة وقد شاع أن بعض الدول العربية مع اسرائيل كانت تدفع السيد مسعود البرزاني الى هذا الخطأ بدون حسابات لتداعيات ما ينتج عنه من كوارث . لأننا بدأنا المقالة بالتذكير في اتفاقية سايكس بيكو فلابد أن نشير الى وعد بلفور المشئوم والخطأ التاريخي للسياسة البريطانية الاستعمارية في الشرق الأوسط ,  هذا المخطط والمؤامرة لاستغلال الشعب اليهودي ووضعه في قلب العالم الإسلامي تماشيا مع أهداف الحركة الصهيونية , وكقاعدة عسكرية كبرى تزعزع الاستقرار بشكل دائم وتبقي شعوب الشرق الأوسط تحت وطأة الهيمنة الاستعمارية الغربية . وللعلم إن إسرائيل لم تجري أي تجربة نووية منذ تأسيس مفاعلها في ديمونة بمساعدة فرنسا وقصة امتلاكها قنابل نووية مشكوك فيها ,  ومع وجود ترسانة عسكرية متطورة لديها وجيش فشل اختباره في غزة ولبنان , إن العرب اللذين يتشبثون بحماية اسرائيل لهم من إيران إنما يخدعون أنفسهم .  لعلّ أهم إفرازات الأزمة الكردية هو الفشل الذريع للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط  وأن إسرائيل دولة محاصرة إقليميا وفقدت مقومات وجودها إلا بالحماية الدولية , وقطعا أنها  لن تحمي من يحتمي بها .

بقلم: أنمار نزار الدروبي.

 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق