السحر والشعوذة ينتشران بكثافة في العراق





تاريخ النشر: 2017-11-02 10:19:40


 أصبحت ممارسة السحر مهنة تدّر على القائمين عليها أموالاً طائلة، فيما تروّج لها فضائيّات ووسائل إعلام، الأمر الذي زاد من إقبال الناس عليها.

لم يكن نبأ المسكن المسكون بالجنّ في محافظة كربلاء، في جنوب بغداد، الذي تتداوله وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعيّ، إلّا نتاجاً لظاهرة الإيمان بالسحر والقوّة الغيبيّة الخارقة التي تنتشر في المجتمع العراقيّ، وتجسّدت في كتب تباع في الأسواق وبرامج على الفضائيّات، وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعيّ، فضلاً عن أماكن علنيّة يلجأ إليها الناس لصناعة السحر، وتنتشر في الكثير من مدن العراق.
وترى المهندسة والناشطة المدنيّة ريام صلاح من كربلاء في حديث إلى "المونيتور" أنّ "المسكن وإن كان في حقيقته ليس كذلك، فإنّه يعكس إيمان الناس بالخرافة والقوى الغيبيّة التي تتحكّم في حياتهم"، مشيرة إلى أنّ "الناس بدؤوا يزورون المسكن وينظرون إليه عن بعد".


وتشير صلاح إلى أنّ السبب الحقيقيّ وراء ذلك، بحسب مصادرها في المنطقة، هو "الاحتيال، ذلك أنّ المسكن العائد إلى عائلة مهجّرة، تدور حوله صفقات بيع وشراء، وأنّ نشر شائعة وجود الجنّ فيه، مصدره الجهة التي تنوي الاستحواذ عليه".
كما أن اختراع فكرة البيوت المسكونة يمكن أن يكون ناتج من الشعور بتأنيب الضمير الجماعي لعدم القيام بمساعدة العوائل المهجرة والاستيلاء على ممتلكاتهم.


وتتأكّد مفاعيل الإيمان بالقوى الغيبيّة، باعتراف مجلس محافظة بغداد في 7 أيلول/سبتمبر 2017 بانتشار المشعوذين الذين يمارسون السحر، حتّى أصبحوا من أصحاب الثروات الطائلة، فيما تنتشر مكاتبهم في كلّ مكان، مشيراً إلى غياب الإجراءات الحكوميّة التي تعالج الظاهرة التي تفاقمت إلى الحدّ الذي تسبّب فيه تناول الأدوية والأغذية التي يصفها السحرة لزبائنهم بحدوث حالات تسمّم.
وعبر واجهات مشاريع مختلفة، يمكن رصد الظاهرة، مثل مراكز العلاج الروحانيّ حيث يمارس السحر وراء كواليسها، وتخصّص فضائيّات عبر برامج معروفة، جزءاً من وقتها لحوارات واتّصالات بين صانعي السحر وزبائنهم.


واختلطت الشعوذة بمراكز طبّ الأعشاب، الأمر الذي دعا الجهات الصحّيّة والدينيّة إلى التهديد في 25 أيّار/مايو 2017 بمقاضاتها بسبب مخالفاتها قوانين الصحّة والشريعة الإسلاميّة.
وفي أغلب مدن العراق، يمكن رصد العشرات من فتّاحي الفتال، الذين يعملون في صورة علنيّة، فيما يبلغ الذين يعملون في السرّ أضعاف هذا العدد، حيث يتنبّأون بالمستقبل، ويشفون المرضى، ويقرّبون من فرص الزواج للعانسات، بحسب الاعتقادات السائدة التي تدفع البعض إلى تصديق القدرات الخارقة لهؤلاء، ومنهم أمّ حسين التي قالت لـ"المونيتور"، عند لقائها عند أحد ممارسي السحر، إنّ "وصايا الساحر، كانت سبباً في إنجاب ابنتها التي كانت تعاني من صعوبات في الحمل".


ويرجع الباحث السياسيّ الاجتماعيّ أسامة الياسري في حديثه إلى "المونيتور" "إقبال الناس على قراءة الكفّ والفنجان، ومنهم شخصيّات اجتماعيّة وسياسيّة معروفة، ورجال أعمال وتجّار، إلى أزمة اجتماعيّة وصحّيّة، تعصف بالمجتمع بسبب الحروب التي لم تتوقّف في البلاد منذ ثمانينات القرن الماضي وحتّى الآن، فضلاً عن انتشار الفقر وحالات الطلاق، واليأس من تحسّن الأحوال".
وفي مدينة بغداد في منطقة الميدان، يلمح الزائر للمكان، طابوراً طويلاً من الزبائن الذي ينتظرون الدخول الى أحد مشايخ قراءة الحظّ والكفّ والنبوءة المكنّى "أبو علي"، حيث يعتقد الناس أنّه يمتلك معجزات خارقة.


ويقول حسين الأعظمي كاسب (60 سنة) الذي لجأ إلى أبو علي، بسبب مشاكل نفسيّة يعاني منها، لـ"المونيتور": "يقصده الناس من مختلف الأنحاء، والبعض منهم يضطرّ إلى المبيت في بغداد لضمان حصوله على موعد"، فيما يحصد الشيخ مداخيل ماليّة جيّدة من المهمّات التي يقوم بها منها معالجة الأمراض، والعقم، والعنوسة، وإخراج الجنّ من الأجساد.


كما أنّ إقليم كردستان ليس استثناء، حيث اشتهر الملّا علي في علاج الكثير من المواطنين الذين يتوافدون إليه. ويستخدم أبو علي اللمس، أو الضرب على رأس الزبون، لإخراج الشياطين والأرواح الشريرة وطردها.
وفي البصرة في جنوب العراق، يقبل الناس على أحجار وأنواع من الخرز بعد نسبتها الى حوادث تاريخيّة واعتقادات دينيّة، تمنح القدرات الخارقة لمن يمتلكها. وفي بداية عام 2017، نشرت فضائيّات عراقيّة قصة "معجزة" بحسب وصفها، لساحر عراقيّ يحوّل عصاه إلى أفعى خطيرة.


وعلى الرغم من استعانة المشعوذين بالرموز الدينيّة لتمرير عمليّاتهم، إلّا أنّ رجل الدين الشيخ أسامة التميمي يقول في حديثه إلى "المونيتور" إنّ "إقحام القرآن الكريم في أعمال السحر والشعوذة ليس من الدين"، مشيراً إلى أنّ "الإسلام ينهي عن أعمال السحر، ويشجّع على التداوي والعلاج الصحيح والصحّيّ".
واعتبر الشيخ التميمي أنّ هناك "سوء فهم وقلّة وعي يؤدّيان إلى التسرّع في نسبة نتائج الأعمال والأفعال إلى فعل السحرة، وأنّ الدين يدعو إلى التفكير في أسباب المشاكل وعلاجها بالوسائل العلميّة والعمليّة المبنيّة على العقل والعلوم".


ولا ينكر النائب في البرلمان العراقيّ وعضو لجنة الشؤون الاجتماعيّة عبد العزيز الظالمي في حديثه إلى "المونيتور" "استفحال الظاهرة"، معتبراً انتشار الشعوذة "مؤشّراً خطيراً يهدّد صحّة المجتمع، وعلى الجهات الأمنيّة التصدّي للظاهرة، وإغلاق مكاتب فتّاحي الفال، والواجهات الأخرى التي يعمل من وراءها السحرة والمشعوذون".
ويعتبر الظالمي أنّ "الإجراء الأمنيّ لن يكون كافياً، ما لم تتمّ معالجة ذلك عبر نشر ثقافة العلم، عبر وسائل الإعلام، وفي المدارس والمساجد، وتعزيز دور مراكز الخدمات الاجتماعيّة والنفسيّة، والإيقاف الفوريّ لبرامج السحر وقراءة الكفّ والفنجان والطالع في الفضائيّات".


إلى ذلك، فإنّ المتحدّث باسم مفوّضيّة حقوق الإنسان في العراق الدكتور علي البياتي ينظر في حديثه إلى "المونيتور" إلى الظاهرة باعتبارها "استغلالاً غير مقبول لظروف المواطن وحاجاته المادّيّة والروحيّة، وتعدّياً على حقوقه، التي تنتهك في بيوت السحر والسحرة"، داعياً إلى "تشريع قوانين تعاقب أيّ شخص يقوم باستغلال المواطن وخداعه".
ويضيف البياتي: "ليس للسحر تأثير فعليّ في تغيير الأمور والوقائع وتلبية حاجات الإنسان النفسيّة والجسديّة، لكنّ الافتقار إلى بدائل مؤسّساتيّة تقدّمها الدولة إلى المواطن، كالخدمات بأشكالها كافّة، يدفعه الى الاستعانة بالوسائل الغيبيّة".


 لقد أصبح اللجوء إلى التفسيرات الغيبيّة للحوادث والظواهر الصحّيّة والطبيعيّة، بمثابة الحلّ المتيسّر للكثير من أفراد المجتمع، الذين يديرون ظهورهم للعلاجات الحديثة، والمؤسّسات الصحّيّة، بسبب فقدانهم االخدمات الصحّيّة، وعدم العناية بالمريض، والترويج عبر الإعلام لممارسات السحر، ممّا جعلهم يهربون إلى أوهام العلاج الخاطئ لدى المشعوذين.

المونيتور- عدنان ابو زيد  
 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق