تراجع الدور الأميركي وبروز التفوق الروسي ومخاطرهما على العراق والمنطقة ... بقلم: حامد شهاب





تاريخ النشر: 2017-11-15 16:58:22



كان اعتماد أغلب الدول العربية ذات التوجهات ما يسمى بالتقدمية والثورية، منذ الخمسينات والستينات، وتلك التي تصاعدت في فترات السبعينات يعتمد على علاقات استراتيجية محورية مع الروس منذ أيام الاتحاد السوفيتي السابق، يوم كان قوة عظمى، لم يكن بمقدور الولايات المتحدة أن تتحرش بمصالح الدب الروسي، عدا دول الخليج والاردن وايران كانت قد سلمت مقاديرها للولايات المتحدة.

بقي الدور الروسي متفوقا في أغلب الأزمنة المعاصرة في الحضور الفاعل والايجابي في المنطقة العربية، وبخاصة في سوريا والعراق واليمن ومصر وحتى دول شمال أفريقيا، برغم ضخامة الدور الاميركي، ومحاولاته للهيمنة على مقدرات دول المنطقة، التي كانت دول الخليج ساحته الاولى.

كانت الأفكار الاشتراكية للاتحاد السوفيتي السابق محط أنظار دول المنطقة وشعوبها وتلقى رواجا وتأييدا واسعين، برغم وقوف القوى الدينية وما يسمى باليمينية أنذاك، بوجه تلك المحاولات، الا انها محاولاتها باءت بالفشل لاضمحلال دورها، وتنامي التوجهات والتيارات الاشتراكية التي غزت أوروبا الشرقية ودول المنطقة على صعيد واسع.

وبقي للروس تأثير كبير على كل من العراق حتى نهاية السبعينات وسوريا حتى وقتنا الحاضر، لكن الدور الروسي تراجع في تلك الفترة في مصر واليمن، وبدأ يضمحل، بعد ان راح توجه مصر باتجاه الولايات المتحدة ودول اوربا في ظل آخر أيام زعامة عبدالناصر وما بعدها.

يعتمد الروس في سياستهم على مبدأ الهيمنة غير المنظورة، على عكس الأميركان الذين يعتمدون الهيمنة المباشرة ويريدون من الدول التي تتحالف معهم ان يسلموا مقدرات دولهم ويتركوا للحليف تقدير دورهم ومكانتهم، وهو من يضع لهم الخطط ويوجه السياسات.

وبرغم تراجع الدور الروسي بعد التسعينات، وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، الا ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو الذي كان رئيس جهاز المخابرات الروسي القديم والقوي السمعة والنشأة الكي جي بي، حاول التقاط انفاسه والمحافظة على بقايا الدور الروسي واعادة ترتيب أوراقه من جديد، وسعى لعلاقات متوازنة مع الولايات المتحدة، حتى وان كانت هي المهيمنة ومن لها الغلبة على مستقبل شعوب المنطقة ودولها.

لكن الدور الاميركي عاد وتراجع بعد احتلال العراق وما تكبده الاميركيون من خسائر فادحة، ظهر فيها ان حسابات الحقل لم تنطبق على حسابات البيدر، ووجد الروس في تلك الخسارة ما يشفع لهم بأن ينفذوا الى المنطقة من جديد، وكان تحالفهم مع كل من سوريا وايران وكوريا الشمالية هو الأقوى، يوم كانت الولايات المتحدة تطلق على الدول الثلاث الأخيرة محور الشر.

وها هو الدور الروسي تحت زعامة رجل المخابرات المتمرس بوتين وقد استعاد هيبة بلاده وارتقى بها الى آفاق، أعادت لروسيا بعض أمجادها وهيبتها التي خسرتها في التسعينات، بعد خروجها من حرب خاسرة مع أفغانستان، وبقي لها نفوذ كبير في سوريا، التي دافعت عنها حتى الرمق الأخير، ولولاها لما بقي بشار الأسد على قيد الحياة، وبمساعدة من إيران، التي راحت هي الأخرى تعزز علاقاتها بروسيا وحصلت منها على أسلحة وصواريخ متقدمة أعادت لإيران قوتها بعد ان تقهقرت في حربها مع العراق وخرجت خالية الوفاض.

وها هي روسيا تعيد بسط سيطرتها على مقدرات المنطقة، ويتراجع الدور الأميركي، حتى في العراق الذي يعد حليفا استراتيجيا في المنطقة، وراحت دول الخليج نفسها، التي تدين بالولاء والتبعية للأميركان، تلهث وراء دور روسي، تحاول الاستفادة منه، لكي تقف بوجه محاولات التدهور في علاقاتها مع الولايات المتحدة، التي كان احتلال العراق وتكاليف حربها الباهظة، هي من تسبب بكل هذا التراجع الخطير، وراحت الولايات المتحدة تدافع من موقع بعيد عن دورها ومكانتها المسلوبة، ولم تعد تعتمد سياسات التدخل والمشاركة في الحروب المباشرة الا في أشكال بسيطة تقتصر على الطيران والقوة الصاروخية، لفرض بقايا هيمنتها، في مواجهة تحديات المنطقة، التي كانت داعش احد بقايا صناعتها، بالتعاون مع دول اقليمية، وكان لروسيا دور أيضا في استغلال داعش لفرض هيمنتها في العراق وسوريا، ليكون لها مبرر العودة والهيمنة على مقدرات المنطقة، مستفيدين من تأجيج التيارات الاسلامية الراديكالية، لاسقاط انظمة المنطقة وتخويفها على الأقل، لكي تبقى روسيا والاميركان من يهيمنون على مقدرات تلك الدول وبخاصة في العراق وسوريا، الدولتان الأقوى اللتان انهارتا، وتعرضتا الى دمار لم يبق لهما من معالم القوة، ولولا الاميركان ودفاعهم على النظام السياسي العراقي المتهرئ لسقطوا منذ سنوات، وكذا الحال مع النظام السوري، الذي لولا روسيا وايران لانهار منذ سنوات.

وترك هذا الفراغ لإيران فرصة ان تتحرك بمساحة أكبر واستغلت غياب الدور الأميركي في العراق، وحتى في دول الخليج لتنفذ الى المنطقة، ليكون بمقدورها ان تتحرك على هواها، ويكون كذلك بمقدورها فرض هيمنتها، على العراق ومن ثم الى سوريا وتشكيل خط مسار اقليمي يربط بين طهران وبغداد ودمشق باتجاه بيروت، حيث معقل حزب الله، يطلق عليه الان، محور إيران، وتكمل السبحة ويكون الجو متاحا لإيران لبسط نفوذها على دول المنطقة باتجاه اليمن ولبنان، ويكون بمقدور ايران عندها ان تبرم اتفاقات سلام مع اسرائيل تشترك فيها بالهيمنة على مقدرات المنطقة، وتذوب كل من العراق وسوريا في بوتقة واحدة تحت الجناح الايراني، وهناك من مؤيدي الهيمنة الايرانية داخل العراق من ينفذون المشروع الايراني على أكمل وجه.

تدهور الدور الأميركي يحتاج توثيقه وتحليله الى مجلدات بتأثيراته الخطيرة على أمن العراق وسوريا ودول الخليج واليمن، وكيف استطاع الروس التقاط أنفاسهم للعودة مجددا الى المنطقة. وبقي الدور الأميركي يتراجع، وينكفئ، وكانت ذروته في عهد أوباما، وجاء ترامب ليقضي على آخر محاولة لالتقاط الأنفاس للدور الاميركي، لكن محاولاته بقيت متعثرة على أكثر من صعيد، وها هم الروس يتقدمون في العراق على حساب الدور الاميركي، الذين تركوا تلك الانظمة وشعوبها تعاني الأمرين من سياسات بلادهم وحروبهم القذرة، وقد سلط الله عليهم من يضع حدا للطغيان الأميركي على مقدرات المنطقة والعالم. وستبقى شعوب المنطقة تعيش حالة الفوضى والارتباك، ولن تنعم بالأمن ولا بالاستقرار لفترات طويلة، وربما تعد السنوات القادمة من السنوات العجاف التي لن يجد فيها العرب لهم مستقبلا بين الأمم.


 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق