المناطق المتنازع عليها.. خزّان الصراعات الأزلية





تاريخ النشر: 2018-01-17 13:09:20


تقع اغلب المناطق المتنازع عليها ضمن الحدود الإدارية لمحافظة نينوى، وهي مناطق يتداخل فيها العمق "الكرديّ السنيّ" مع "العربي السنيّ" في منطقة ربيعة – زمار، وينقسم "عرب السنّة" فيها، بين من يقف إلى جانب إقليم كردستان (عشائر الشمّر والجبور) ضدّ الحشد الشعبي "الشيعي" فيما يؤيد القسم الآخر، ما يعتقد أنها جهود الدولة العراقية للحفاظ على وحدة العراق ضدّ إقامة دولة كردية مستقلة، مدفوعا بالإرث البعثيّ. وقد ألحقت السياسات ذات الطابع العرقي أو الطائفي للقوى السياسية والعسكرية العراقية على مرّ العقود الماضية أضراراً كبيرة بالنسيج المجتمعي العراقي، الضرر الأكبر وقع على تلك المناطق المتنازع عليها ذات التنوع العرقي والديني، نتيجة عدم توصّل أربيل وبغداد إلى حلول مشتركة لإدارتها. وللأسف نتيجة المقاربة الحالية التي يوظفها الساسة العراقيون في هذه المناطق، باتت تلك المناطق عرضه لانفجار المزيد من الصراعات.
في الجنوب والجنوب الغربيّ لا تزال الصور الدموية لصراعات الأمس ماثلة في مخيّلة كلّ من "الكرديّ الإيزيدي" و"العربي السنيّ"؛ أي في المناطق المحيطة بجبل سنجار، وتلك الصراعات مزيج من القوميّ (الكردي - العربي) والدينيّ (المسلم - الإيزيدي)، كما لا تزال حوادث اغتصاب الآلاف من النساء الإيزيديات ماثلة في أذهان أبناء تلك المنطقة، والتي جرّت معها فيما بعد أحقادا مضمرة من قبل "الكردي الإيزيدي" نحو
"الكردي المسلم" وبوجه خاصّ قوات البيشمركة، حيث اتهمت بعض الأطراف قوات البيشمركة بالانسحاب من جبل سنجار وترك الإيزيديين لقمة سائغة بيد تنظيم "داعش" في آب 2014 وارتُكب بحقّهم مجازر وحشية .
فيما بعد، اتهمت بعض التقارير الإعلامية ما أسمته بعصابات إيزيدية بمهاجمة القرى العربية وارتكاب مجازر وعمليات سلب ونهب، وذلك على الرغم من أنّها لم تستند إلى أي دلائل مؤكدة. أما في مناطق سهل نينوى فالصراعات بين "الكردي السنيّ" و"الكردي الإيزيدي" والشبك" المختلط مع "العربي السنيّ" و "العربي الشيعي" و "المسيحي". ويلاحظ أنّ الصراع الدائر بين بغداد وأربيل قد قسّم الشبك الذين يسكنون مناطق (شيخان، بعشيقة الحمدانية وبرطلي ومناطق أخرى في سهل نينوى) إلى قسمين منهم مَن يناصِر البيشمركة انطلاقا من هويته القومية، ومنهم من يناصر الحشد الشبكيّ على أساس الانتماء الطائفي.
تختزل أغلب هذه الصراعات داخل مدينة كركوك التي يتواجد فيها جميع الأعراق متلوّنين بجميع المذاهب والقوميات. فبعد هجمات الحشد الشعبي على كركوك، نزح سكان 25 قرية تابعة لناحية زمار باتجاه مدينة زاخو خوفا من التعرّض لأعمال انتقامية بعد دخول الحشد إلى ناحية زمار وقيامه بحرق مكاتب الحزب الديمقراطي الكردستاني. وفى هذا الصدد، تقول قمري حسين إحدى أهالي قرية كلهي وهي امرأة في العقد السادس من عمرها: (هذه أرضنا، هُجّرنا منها إبّان فشل الثورة الكردية 1975 وعدنا إليها بعد سقوط صدام حسين 2003، وها نحن في مدينة دهوك، وقد نزحنا من أرضنا للمرة الرابعة).
ويشير خليل ميرزا وهو عضو في الحزب الديمقراطي الكردستاني، إلى أن العشيرة الكردية الأبرز في ناحية زمار هي عشيرة الكركرية وهذه العشيرة اتبعت النهج القبلي للحفاظ على وجودها، فامتزجت كرديتها بالعربية، حيث أنّها أوهمت الحكومات العراقية بأنّ لها أصولا عربية، ولا تؤيد الأحزاب الكردية، ولكن ذلك ولّد هوية غير واضحة للأجيال اللاحقة في العشيرة، مضيفا لولا الجبال التي تحيط بمدينتي زاخو ودهوك لكانت هي أيضا الآن مناطق متنازع عليها.
وقد أخذت التطورات في مدينة كركوك طابعا طائفيا حيث قامت سرايا السلام التابعة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بفتح باب التطوع بعد أقلّ من يوم من وصولها إلى كركوك، وهي التي وصلت إلى المدينة 20 أكتوبر على وقع نزوح أكثر من مئة وعشرين ألف كردي عن المدينة. كما جاء دخول سرايا القدس بعد إعلان انسحاب الحشد الشعبي من المدينة الأمر الذي اعتبره مراقبون مسعى إيرانيا لتشييع كركوك، في وقت كشفت فيه الاستخبارات الأمريكية عن تواجد قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني ومهندس الاتفاق الذي تم بين جناح عائلة طالباني وهادي العامري القيادي في الحشد الشعبي وقائد منظمة بدر واقتضى بموجبه تسليم مدينة كركوك ومنشآتها الحيوية للحشد الشعبي.
أما المنطقة الممتدة بين محافظتي أربيل وكركوك فيضاف إليها العنصر التركماني وهو أيضا ينقسم إلى قسمين؛ بين شيعي وسني وبين قومي صرف كما في طوزخورماتو، إذ أنّ النزاعات فيها تكتسب طابعا عرقيا، برزت بوضوح في الأيام الأولى لأزمة كركوك حيث قامت وحدات تركمانية مدعومة من الحشد الشعبي بحرق الممتلكات الكردية، وتحدّثت تقارير وصلت نسخ منها إلى الأمم المتحدة تحدثت عن حرق 150 منزلا ونزوح 1875 عائلة.
اللّافت في مناطق سهل الموصل وغربه غلبة الطابع الريفي إذ يتوزع السكان فيها على القرى والبلدات تفتقر إلى وجود بنية أساسية.  بالإضافة إلى الأضرار الاقتصادية الهائلة التي لحقت بثروتها الحيوانية وإنتاجها الزراعي، إذ إنهما المصدران الرئيسيان للتنمية في ظل عدم وجود مصادر تنمية أخرى كالمعامل والشركات، الأمر الذي جعل فرصة العمل الأكثر انتشاراً هي الانضمام إلى تنظيم عسكري مثل تنظيم "داعش" والحشد البابلي والحشد التركماني وقوات حماية ايزيدخان ولواء الجزيرة. وعزّز من هذا الواقع تحوّلات الحالة السياسية العراقية خلال العقود الماضية والتي أنتجت بُعداً سياسيّاً طائفيّاً، وهو ما قلّص من فرص حضور فاعل لأبناء تلك المناطق على مستوى الحياة السياسية والمدنية في العراق كون أبناء تلك المناطق يتوزعون على أقليّات دينيّة أو عرقية صغيرة معارضة.
تتحدث تقارير إعلامية عراقية إن تحرير محافظة نينوى من داعش كلّفها أكثر من 70 % من بينتها التحتية ناهيك عن الآثار النفسية التي خلفها الحرب والنزوح؛ وذكرت فضائية الشرقية في تقرير لها أن الفوضى والخراب الذي لحق بمحافظة نينوى سيؤثر بشكل كبير على نزاهة الانتخابات البرلمانية هناك. ليس هناك مؤشر لتخفيف حدة الانقسامات في المناطق المتنازع عليها سواء كان بسبب الصراع على التمثيل السياسي أو الصراع الحالي بين الحشد الشعبي وبين مؤسسة البيشمركة الكردية المترافق مع الصراع السياسي بين بغداد واربيل حول الحق بإدارة المناطق المتنازعة وهو صراع لن يثمر سوى عن المزيد من الانقسامات.  وحتى لو انتهى الصراع بالحل الأمثل وهو إدارة مشتركة لتلك المناطق فإنّ الإدارة المشتركة عبارة عن صراع من نوع آخر سيترافق بتجاذبات لن يستطيع أن يوّفر معها البيئة المناسبة للاستقرار والتنمية.
من المهم الإشارة هنا إلى أنّ الولايات المتحدة لا تستطيع أن تقوم لوحدها بجميع المهام في العراق ثمّةَ حاجة كبيرة لشركاء دوليين لمساعدتها في مسائل تحقيق الاستقرار وتوفير مناخات للتنمية وبالتالي إعادة الإعمار. وهذا يتطلب مشاركة المنظمات الدولية أيضا، والعمل على دعم المجتمع المدني والمساهمة في وتنمية القدرات وبوجه خاص للمرأة والطفل يمكن أن تحقّق البعد المشترك لتحقيق مصالحات مستقبلية. 

بغداد / وكالات  







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق