ذكريات ، لاتنسى مهما مر الزمن ... بقلم : د. موسى الحسيني





تاريخ النشر: 2018-02-10 09:45:44


اللواء الركن المتقاعد نبيل خليل سعيد ، معلمي وامر فصيلي في مرحلتي المستجد والمتوسط الكلية العسكرية العراقية - الدورة 48 ، الفصيل الاول في سرية المثنى بن حارث الشيباني، اعتقد ان رقمي في الكلية كان 9355 ،( فقد مرت عشرات السنين على تخرجي في 30 /5 /1970 ) .
كان اللواء الركن نبيل في وقتها ملازم اول ، خريج كلية سانتيرز البريطانية ، أشرف على تعلم وتدريب المئات من الضباط العراقيين ، كان من الضباط المعروفين بشدتهم بدون غرور ولا عجرفة ، نبيل خلوق كاسمه ، لذلك اكن له كل الاحترام والتقدير . كما كان افضل كل ضباط الكلية العسكرية أناقة وقيافة ، ومن عادة الطلاب في الكلية العسكرية ان يطلقواعلى كل ضابط تسمية معينة ، لاناقته وهندامه اطلقوا عليه لقب نبيل توكالون لتميزه عن ملازم اول نبيل الاخر ( امر فصيل في سرية ابو عبيدة الجراح ) الذي سموه نبيل فرشة ( يعني فرشة حلاقة ) لانه كان يميل للقصر والبدانة .وملازم اول عماد ، امر الفصيل الثاني في سريتنا كنوه بعماد عقدة ، لانه كان دائما متجهم لم يراه احد يوما مبتسما او ضاحكاً ، وهكذا .
لمعلمي وامر فصيلي الملازم اول نبيل خليل سعيد افضال شخصية خاصة علي ، حيث كنت معروفا بادماني على التدخين وهو ممنوع في الكلية وعقوبته تصل في ايام امر الكلية العقيد الركن داود الجنابي الى 4 اسابيع حرمان اذن ( وهي اقسى عقوبة ،اي يمنع الطالب من النزول للمدينة في العطلة الاسبوعية )، مشكلتي الاخرى اني لم اكن احترم كثيرا بعض طلاب المراحل المتقدمة ممن يحاول ان يستهزء بنا ونحن في مرحلة المستجد .مرة في المستجد حصلت مشكلة بيني وبين عريف الفصيل الطالب ، فاراد العريف ان معاقبتي بدون حق بحلاقة صفر ، رفضت فامسك بساعدي يريد اجباري على الجلوس على كرسي الحلاق في الممر الاسمنتي المحيط ببناية السرية ، دفعته وسحبت يدي منه بقوة فسقط من على الممر الى ارض الحديقة ، ما اعتبره كفراً من مستجد ، اخذني شاكياً لضابط الخفر النقيب طالب السامرائي الذي ما ان سمع حجتي قال لي انصرف روح لفصيلك مع السلامة . لم يرتح العريف للامر فاشتكاني لامر فصيلي في اليوم التالي ، الذي ما ان سمع تفاصيل الموضوع ، اعطاني الايعاز بالانصراف . الامر الذي سمم العلاقة بيني وبين ضباط الصف الطلاب في السرية ، وامسى الكل يتحاشى الاحتكاك بي .
مرة كنت خارجاً من الحمامات ( بوفية المدخنين ) ،لاراه ( الملازم الاول نبيل ) بوجهي في دورة تفتيشية في الممر المحيط ببناية السرية ،خداي منتفخان بالنفس الاخير ، كالعادة اديت التحية ،ووقفت بالاستعداد ، قال لي : شلونك موسى ، او موسى ، والواجب ان ارد نعم سيدي ،فاندفع الدخان بكثافة من فمي ، تبسم وتظاهربانه لم يراني وتابع سيره ،وذهب ، كانت بالنسبة لي فرحة كبيرة وشعور بالامتنان اكبروخلاص من 4 اسابيع حرمان اذن . الحادثة الاخرى التي توقفت العقوبات نهائيا بعدها ، في الاسبوع الاول او الثاني في مرحلة المتوسط ،قدمني عريف الفصيل الطالب فواز فيزي الفزيع مذنبا ، لمكتب الملازم الاول نبيل ، فقال لي : موسى غرفتي ضاجت منك ، حبري خلص وانا اكتب لك عقوبات ، اوراقي خلصت ، انا مليت منك ، ثم التفت الى شريكه في المكتب الملازم اول محمد وهيب العزاوي بالله ما ضجت من موسى ، فاجاب الملازم اول محمد : اي والله ضجت من عندي ، فقال الملازم اول نبيل مخاطبا عريف فواز : عريف فواز ، انا بعد الان ما لي علاقة بموسى ، يخالف ما يخالف ، تريد تعاقبه انت عاقبه بعد ما اريد اشوفه هنا ، انصرف . فعلا لم اعاقب بعد هذا الموقف في مرحلتي المتوسط والمتقدم رغم ان مشاكلي استمرت ( التدخين والعلاقة مع الطلاب الاقدم ) /استثمرت موقف امر الفصيل لانظم علاقتي مع العريف فواز ، وهو شاب طيب لاتفارق الابتسامة وجهه ،بسيط ومتواضع ، لكنه كان يستخدم الفاظاً غير لائقة مع الطلاب ، اكيد ان الرجل لايقصد بها الاهانة بل يعتبرها شئ من المزح ، لكني كنت لااقبلها ، في طريق العودة لبناية السرية قلت له : شوف عريف فواز ملازم اول نبيل وضوجته ، اياك ان تتكلم معي بكلمة غلط ترى والله اضحك الفصيل عليك . قال : بس انت عليك ايضا ان تحترمني امام الفصيل ، قلت له : لك كل الاحترام وانفذ تعليماتك برحابة صدر وانضباط تام وان خالفت عاقبني بدون كلام غلط .وفعلا كانت علاقتنا طيبة طيلة فترة المتوسط والى ان تخرج العريف فواز ، لم يحصل بيننا اي خلاف كنا نتعامل باحترام متبادل ، لذلك ترك في نفسي ذكرى طيبة ، سمعت قبل اشهر انه توفي بالسجن وكتبت له تعزية مع شعور بالاسف والحزن .
احترامي سيدي ( ولم اخاطب ولا حتى مجاملة منذ تركي الجيش احداً بعبارة سيدي غيرك حتى ولا مجاملة ) ، وسلام تحية ،
 اطال الله بعمرك وحباك بحفظه وعنايته وصونه ايها النبيل ، لاشك ان ارهاص المرحوم اللواء الركن خليل سعيد بنبلك يوم اختار اسمك كان في موقعه ، ولاشك انه يعكس ثقة بقيمه مثله التربوية النبيلة ، تغمده الله برحمته وغفرانه .

 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق