تقنيون طهرانيون .. بقلم : لطيفة الدليمي





تاريخ النشر: 2018-04-11 18:39:05


نمط بيل غيتس يمثّل نوعا من طهرانية غير مسبوقة: طهرانية لا تستند إلى خلفية أيديولوجية أو دينية، كما أنّها بعيدة عن التهويلات الرومانسية واليوتوبية.
غيتس أثبت أنه النموذج المستحق بجدارة ليكون مثالا للتقني الطهراني
أتابعُ منذ وقت ليس بالقصير منشورات الشخصية العالمية المؤثرة بيل غيتس، وتأتي في مقدمة تلك المنشورات قائمة بالكتب التي يرشّحها غيتس لجمهور القراء وخاصة خلال العطلات الطويلة، والحقّ أنّ من يتابعُ تلك الكتب سيكتشفُ أنها ذات قيمة حقيقية عظمى وتساهم في إشاعة حسّ إنساني جمعي وقيمة معرفية مهمة.
ويمكن على سبيل المثال الإشارة إلى كتاب صدر حديثا بعنوان “التنوير الآن” للباحث في علم النفس الإدراكي وبروفيسور هارفرد ستيفن بينكر الذي سرعان ما احتل قائمة أعلى المبيعات بعد تنويه غيتس به وإسباغه آيات الثناء على قيمته الكبرى.
أرى أنّ نمط غيتس يمثّل نوعا من طهرانية غير مسبوقة: طهرانية لا تستند إلى خلفية أيديولوجية أو دينية، كما أنّها بعيدة عن التهويلات الرومانسية واليوتوبية. إنّها- بكلّ بساطة- طهرانية مُعقلنة مدفوعة بقدرة التمكين المالي التي أوجدتها المبتكرات التقنية الخلّاقة، ومن الطبيعي أن كثرة من الناس امتلكوا بعض القدرة المالية التي بلغها غيتس؛ لكن الطهرانية ليست صنيعة التمكين المالي فحسب، بل تستلزم- أوّلا وقبل كل شيء- توفر المرء على ضمير يقظ غير ملوث وإحساس فائق بالمروءة ورؤية إنسانية  قادرة على تحسّس المعضلات العالمية ذات الطبيعة الكارثية التي تهدّد البشرية.
سيدرك من يتابع النشاطات الإنسانية لمؤسّسة غيتس الخيرية أن تلك النشاطات ليست عبثية أو إنسانية مجرّدة؛ بل هي نشاطات جاءت عبر تفكّر دؤوب ومحاكمة استقصائية لأوضاع التعليم المتردية في البلدان الفقيرة ودراسة مستفيضة للكوارث التي تهدد البشرية وتتطلب إسهام كل الجهود الإنسانية لاحتوائها والحدّ من تأثيراتها المدمرة على كوكبنا.
نعلم ومن واقع خبرتنا البشرية المتراكمة أنّ المزايا والفضائل، والطهرانية إحداها بالطبع، إنّما هي خصائص يتحصّلها المرء بفعل إيمانه بنسق قيميّ محدّد، ويكون هذا النسق في العادة ذا طبيعة مقترنة بمنظومة أيديولوجية أو دينية أو أخلاقياتية من نوع ما: فِعْلُ الشهادة- مثلا- الذي لطالما أعلت من شأنه الحركات الثورية التي سادت المشهد العالمي قبل عقود خلت هو مثال لطهرانية أيديولوجية  يرتضي صاحبها الموت بنفس رضية في سبيل أهداف ذات طبيعة رومانسية بل وحتى طوباوية، وقد أسهب المُنظّر الثقافي والناقد الأدبي البريطاني تيري إيغلتون في مناقشة موضوعة التضحية القصوى بالنفس في كتاب له صدر حديثا عن جامعة ييل عام 2018. ثمة خاصيتان إذن هما الرومانسية والطوباوية يمكن إقرانهما بكلّ نماذج الطهرانيات التي سادت في أوقات سابقة.
يمثل بيل غيتس نمطا مغايرا وغير مسبوق من موقف أخلاقياتي يمكن وصفه بأنّه طهرانية تقنية: فقد بدأ غيتس حياته شابا طموحا مندفعا نهما لاغتراف المال وبلوغ أقصى مديات النجاح المقترنة بمراكمة المال وترسيخ سطوة الاسم التجاري في عالم الأعمال، ومن المعروف أنّه كان مغلول اليد إزاء فكرة التبرّع للأعمال الخيرية،  فقد قرأتُ حوارا أجري معه عند بدايات انطلاقته في عالم التقنية سأله فيه المحاورُ إن كان في نيّته التبرّع للأعمال الخيرية؛ فكان جوابه أنّه لن يفكّر في هذا الموضوع قبل أن يحوز المليار الأوّل من ثروته الشخصية، لكنه أثبت الآن بمواقفه الإنسانية المشهودة أنه النموذج المستحق بجدارة ليكون مثالا للتقني الطهراني الذي يحتاجه عالمنا المندفع نحو آفاق مجهولة لا نعرف مدياتها.







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق