الكهرباء دليل فشل الحكومات العراقية ... بقلم : د. باهرة الشيخلي





تاريخ النشر: 2018-06-07 11:53:40



أثارت إطلالة الشيخ همام حمودي النائب الأول لرئيس مجلس النواب العراقي المنتهية ولايته، رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وهو يتحدث من برنامج تلفزيوني عن توفر الكهرباء، تندر العراقيين وسخريتهم، خاصة وأن محافظات الفرات الأوسط والجنوب تتظاهر يوميا مطالبة بتوفير الطاقة الكهربائية.

يقول حمودي إن نظام ما بعد 2003 حقق للعراق إنجازات لم يحققها النظام السابق على مدى 80 سنة، وإن “أوضح الواضحات” في ذلك، على حد تعبيره، هو توفير الكهرباء للعراقيين بواقع 15 ألف ميغاوات، ولم يصل النظام السابق بإنتاج الطاقة منذ تأسيسه عام 1921 من القرن الماضي إلى 2003 من القرن الحالي سوى إلى 5 آلاف ميغاوات.

حديث حمودي لم يكن هو مثار سخرية العراقيين الذين يتلظون بحرارة يونيو ويجأرون بالشكوى من غياب الكهرباء، فقد اعتادوا على هذه الأحاديث يطلقها مسؤولون كثيرون، ولم يكن مبعث السخرية أيضاً عبارة “أوضح الواضحات”، التي جاءت على لسان حمودي، وإنما ما أثار ذلك هو صورة المسؤول حين لا يسمع ولا يرى ويتحدث عن إنجاز غير موجود حتى من دون أن يعي ماذا يمكن أن يخلق هذا الحديث من رد فعل.

وعلى منوال حمودي هناك مسؤولون كثيرون يحسبون أن ما يرفلون به من عيش رخي إنما يرفل بأمثاله المواطنون جميعا، ويتبجحون من دون شعور بالخجل بمشاريع وإنجازات لا وجود لها إلا على الورق بعد أن طارت مبالغها وحطت في جيوب الفاسدين.

بعد أن سمعت حديث حمودي، اتصلتُ بمسؤول عراقي، شغل قبل العام 2003 منصب وزير الكهرباء وسألته عن حقيقة الطاقة المنتجة قبل الاحتلال، فأوضح أن السعة المؤسسة للكهرباء وصلت، قبل حرب الخليج الثانية، إلى قرابة 9000 ميغاوات، ونتيجة قصف طيران قوات التحالف الدولي على العراق عام 1991 على مواقع المحطات هبطت القدرات إلى 20 بالمئة وبفعل حملات الإعمار استطاع العراقيون، بحشد وطني اشتركت فيه قطاعات الدولة إعادة الطاقة في مدة قياسية.

لكن الكهرباء، قبل الاحتلال، ورغم القطع المبرمج، كانت أفضل مما هي عليه الآن، ولكي نكون منصفين نذكر أن أنواعاً متعددة من الأجهزة الكهربائية دخلت إلى العراق وصار بمقدور المواطن، في السنوات الأولى من الاحتلال شراؤها وتشغيلها مما تطلب استهلاكا كبيرا في الطاقة، غير أن الإنصاف يقتضي أيضاً أن نذكر أن إنتاج العراق من الطاقة الكهربائية كان قبل الاحتلال يغطي بغداد كتجهيز متواصل بحكم أنها العاصمة وفيها مصالح ومؤسسات ومنشآت وطنية ودولية لا يمكن قطع الكهرباء عنها، وتغطي محافظات كربلاء والنجف كليا في الأعياد ومناسبات الزيارة للمراقد المقدسة، ويتم كذلك تشغيل كامل للمئات من المصانع وشركات الإنتاج ومشاريع الزراعة وآبار النفط وتوابعها في طول العراق وعرضه وبواقع تجهيز كامل ليلا نهارا، فضلا عن تجهيز مقبول لجميع محافظات العراق ومدنه، والمواقع العسكرية بأنواعها ومواقعها كلها.

الذي حدث بعد الغزو الأميركي للعراق أن جميع شركات الإنتاج الصناعي المختلفة في أنحاء البلاد توقفت بفعل التدمير، وتوقف معها تجهيزها بالكهرباء الذي يكفي لتجهيز محافظات العراق جميعها وبواقع 20 ساعة يومياً، على الأقل، ولا ننسى أن تجهيز المعسكرات والمواقع العسكرية بالطاقة الكهربائية قد توقف أيضاً، ويفترض أن تكون هذه الحصة قد توجهت لصالح استهلاك المواطنين كذلك في مدن العراق المختلفة.

يرى أكاديمي عراقي أن حرمان العراقيين من الكهرباء تكمن وراءه أهداف سياسية، وإلا فإن أميركا كان بوسعها أن تبني عراقا يفيض بالازدهار بعد احتلالها له، كما كان بإمكان إيران أن تغرق المناطق، التي فيها أكثرية شيعية، وهي قريبة منها بالكثير من محطات توليد الطاقة الكهربائية بأنواعها، لكن الأهداف السياسية تفرض تفشي الجوع والفقر والتخلف الزراعي والصناعي والتعليمي والصحي في العراق، لأن شعبا عراقيا واعيا معافى ومنتجاً وثرياً لن يسهل خضوعه للاحتلال، مع غلق منافذ التطور المختلفة المعتمدة على الطاقة الكهربائية، ولكي تبقى موارد العراق محددة بالنفط الذي تنهبه دول الاحتلال والفاسدون الذين وظفتهم فقط لعدد من السنوات يكفي لتحويل العراق إلى بلد قاحل بور بشعب يتسول.

وتحقق هذه الأهداف، كما يؤكد الأكاديمي العراقي، سيرغم العراقيين على الهجرة لتشكيل مجتمع عراقي لاجئ خارج وطنهم، ويقطع الطريق أمام القوى الوطنية من التفكير والعمل على تحرير البلاد.

 “من أوضح الواضحات” أن الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال فشلت في توفير الخدمات إلا للطبقة السياسية، وبعد 15 سنة من الفشل يجب أن تفسح الطريق، طوعاً أو كرهاً، لعراقيين بإمكانهم توفير الخدمات لشعب كانت تحسده الشعوب على عيشه.

بدأ العراقيون يتظاهرون مطالبين بتوفير الطاقة الكهربائية، فهل ستكون الكهرباء بداية إعلان غضبهم على مجمل ما يعانونه من مصاعب وتحقيق التغيير؟







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق