تسهيلات حكومية تغرق السوق العراقية بالبضائع الإيرانية





تاريخ النشر: 2018-06-11 09:52:30


 مع احتفاظها بسمعة سيئة من حيث معايير الجودة والمتانة؛ إلا أن السلع الإيرانية ما زالت تغرق الأسواق العراقية، مستفيدة من حجم التسهيلات والدعم المقدم لها من قبل المسؤولين في الحكومات العراقية المتعاقبة بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، فيما يرى محلل اقتصادي أن إيران غلفت غزوها الاقتصادي بعبارة “التبادل التجاري” الكاذبة، والذي جعل العراق يستورد منها حتى التمر الذي كان يتصدر العالم في إنتاجه سابقًا. 

“رخص الثمن الذي يميز البضاعة الإيرانية هو السبب الأول لانتشارها في السوق العراقية” 

وفي الوقت الذي أعلنت إيران عدم رضاها عن حجم صادراتها إلى العراق، والتي وصلت مؤخرًا إلى 8 مليار دولار سنويًا، فإن رئيس الغرفة الإيرانية العراقية المشتركة للتجارة “حميد حسيني”؛ أكد أن صادرات بلده إلى العراق تعادل صادراتهم إلى 3 قارات مجتمعة، في وقت أعلن مسؤول إيراني رفيع المستوى عن خطة لرفع حجم الصادرات إلى العراق، لتبلغ 20 مليار دولار سنويًا، وفي وقت قريب. 

ولم يتم تعريف إيران سابقًا بأنها دولة صناعية، حيث اقتصرت صادراتها الخارجية على سلع محدودة جدًا، ومنها: السجاد والأقمشة، وبعض أنواع الأسماك التي تشتهر بها، غير أن الوضع تغير بشكل تدريجي خلال التسعينات، وبلغ ذروته بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، والذي يعده المراقبون بأنه نقطة تحول كبيرة ساهمت في صعود إيران دولةً مصدرة لكل أنواع البضائع إلى العراق على وجه التحديد، ودول أخرى بشكل عام بحكم دورها السياسي والعسكري المتنامي في المنطقة. 

المنتج الإيراني أرخص من الجميع 

ويعتقد “حيدر عمران العقابي” صاحب وكالة استيراد في منطقة “جميلة” شرقي بغداد-، أن رخص الثمن الذي يميز البضاعة الإيرانية هو السبب الأول لانتشارها في السوق العراقية، وخصوصًا في المناطق الشعبية، وبين العوائل ذات الدخل المحدود، والتي يمكنها أن تختار بين شراء سلعة واحدة من منشأ ممتاز، وبسعر يمكنها أن تشتري به أضعاف هذه السلع، ولكن من منشأ إيراني. 

“خطوة عراقية لتعزيز الصادرات الإيرانية.. تخفيض التعرفة الجمركية بنسبة كبيرة جدًا” 

ويوضح “العقابي” هذه المعادلة بالأمثلة، ففي الوقت الذي يمكن شراء علبة واحدة من الألبان من منشأ سعودي أو أجنبي؛ فإن المواطن يمكنه شراء علبتين من المادة نفسها، ولكن من منشأ تركي، وهو في الوقت ذاته يمكن شراء 3 علب أو 4 من المادة نفسها، ولكن من صناعة إيرانية، والأمر يمكن تطبيقه أيضًا على باقي السلع، ومنها: المبردات الهوائية التي يمكنك شراء 2 إيرانية بسعر واحدة سعودية، والحال ينطبق أيضًا على سوق السيارات التي يمكنك شراء 3 سيارات إيرانية بسعر سيارة واحدة يابانية. 

الأسعار الزهيدة للبضائع الإيرانية جعلها تنتشر مثل النار في هشيم السوق العراقية -بحسب تعبير “العقابي”-، داعيًا إلى التجول في الأسواق، ومشاهدة هذه السلع التي تبدأ من الخضروات والفواكه والمعلبات والأجهزة الكهربائية والسيارات ووقودها وحتى الكهرباء التي يستوردها العراق، مستدركًا بأن مبدأ التصنيع والتجارة الإيراني يعتمد على توفير البضاعة في السوق العراقية، و بسعر أرخص بكثير من استيرادها من الدول الأخرى، أو تصنيعها محليًا. 

تسهيلات غير مسبوقة 

عضو اتحاد الغرف التجارية العراقية “صائب سلمان” يفسر هذا الرخص في أسعار البضائع الإيرانية إلى نقطتين أساسيتين، هما: المادة الأولية الرخيصة المستخدمة في التصنيع، وحجم التسهيلات التي تحصل عليها البضائع الإيرانية في دخول العراق، سواء في التعريفة الجمركية أو التساهل في موضوع مواصفات الجودة، التي تعتمدها الجهات العراقية في الموافقة على إدخال البضائع. 

“تدفق البضائع الإيرانية في المنافذ الحدودية يجري بشكل غير خاضع بشكل جدي للتدقيق والتفتيش” 

“سلمان” قال إن موضوع الجودة مفروغ منه، حيث لا يمكن مقارنة السيارة الإيرانية بأخرى من منشأ أوربي أو أمريكي، والحال ذاته ينطبق على باقي البضائع التي تصمد لفترة قليلة بحوزة المستهلك، قبل أن يضطر إلى رميها واستبدالها؛ مما يجعله في دورة مستمرة من شراء هذه البضائع التي يجد سعرها في المرة الثانية قد انخفض أكثر عن السعر الذي اشتراها به في المرة الأولى. 

ويبين عضو اتحاد الغُرَف، أن العراق قام بخطوة كبيرة لتعزيز الصادرات الإيرانية حين تم تخفيض تعرفتها الجمركية بنسبة كبيرة جدًا، وتلتها خطوة أكبر تمثلت في إلغاء الرقابة على هذه الصادرات في المنافذ الحدودية، تحت شعار تنشيط التبادل التجاري بين البلدين، وسبقتها خطوة أخرى مهمة أيضًا حين تم تشكيل لجنة تنمية التبادل التجاري بين البلدين، مؤكدًا أن مثل هذه الخطوات الحالية والتي يراد اتخاذها مستقبلًا من شأنها أن تجعل البضائع الإيرانية تنفرد بالأسواق العراقية. 

ويشير “سلمان” إلى حادثة معروفة في هذا الشأن، وهي قرار وزارة الزراعة العراقية بإيقاف استيراد خمس مواد زراعية بسبب زيادة المنتج المحلي منها واعتدال الطلب عليها في السوق، متابعًا بأن هذا القرار أوقف الشاحنات الإيرانية المحملة بهذه المواد في المنافذ الحدودية، ومنعها من الدخول قبل أن تجري تحركات مكثفة نتج عنها إلغاء القرار، والسماح للمحاصيل الزراعية الإيرانية بالدخول إلى السوق المحلي الذي كان يشهد فائضًا من المنتج المحلي. 

الجمارك غير مخولة بتفتيش البضاعة الإيرانية 

إلى ذلك أوضح مصدر عامل في مديرية التفتيش التابعة للهيئة العامة للجمارك العراقية، أن تدفق البضائع الإيرانية في المنافذ الحدودية يجري بشكل غير خاضع بشكل جدي للتدقيق والتفتيش أو المراقبة، وذلك بسبب الكميات الضخمة لهذه البضائع من جهة، والتوصيات العليا والمعروفة لدى كل العاملين في المنافذ الحدودية. 

“مصطلح “التبادل التجاري” الذي يطلق على العلاقات الاقتصادية بين العراق وإيران هو وصف مخادع و غير حقيقي لغزو السلع الإيرانية” 

ويكشف المصدر أن مئات الشاحنات الإيرانية المحملة بالسيارات ومواد البناء والفواكه والخضار والمعلبات تدخل يوميًا إلى منافذ الشلامجة والشيب ومهران وميناء أم قصر وغيرها من المنافذ، ولا يتسنى لكوادرهم تفتيشها بشكل حقيقي، مبينًا أنهم لا يفتشون عن معايير الجودة، وإنما فقط للتأكد من خلوها من المواد الممنوعة، مثل: المخدرات والأدوية غير المرخصة. 

ويقر المصدر -الذي رفض ذكر اسمه- بأن المتعارف عليه بين جميع العاملين في هيئة الجمارك، أن البضائع الإيرانية لا تخضع لتفتيش الصلاحية أو مطابقة المواصفات العراقية، وذلك بموجب اتفاقيات يقال إنها موقعة بين السلطات الحدودية للعراق وإيران، مضيفًا بأن التأخير وكثرة الاستفسارات عن نوع البضائع الداخلة إلى المنفذ، هي من الأشياء التي تجلب المشاكل للموظف أو العامل العراقي، لأن كل بضاعة قادمة تعود ملكيتها لشخص متنفذ، ويمكنه بسهولة أن يتسبب بالعقوبة أو النقل للموظف، على حد وصفة. 

وتتحدث التقارير الرسمية الإيرانية عن زيادة مستمرة في التبادل التجاري مع العراق، وهو ما دفع السفير الإيراني في بغداد “ايرج مسجدي” بضرورة إلغاء التأشيرات بين البلدين؛ من أجل تسهيل سفر رجال الأعمال والمستثمرين، كاشفًا عن العمل على إنشاء أكثر من منطقة تجارة حرة على الحدود بين العراق وإيران. 

أكذوبة التبادل التجاري 

من جهته يعتبر الخبير الاقتصادي “عبدالصمد المشهداني” أن مصطلح “التبادل التجاري” الذي يطلق على العلاقات الاقتصادية بين العراق وإيران هو وصف مخادع و غير حقيقي لغزو السلع الإيرانية، متحديًا أي مسؤول أن يذكر بضاعة واحدة يصدرها العراق إلى إيران. 

ويوضح المشهداني أن العراق يستورد فقط من إيران، ويدفع بالعملة الصعبة لها، وهذا لا يمكن تسميته أبدًا بالتبادل التجاري، الذي يفترض أن تكون هناك حركة استيراد وتصدير بين البلدين، وبِنِسَب متكافئة أو أقل من المتقاربة، وهو أمر غير موجود نهائيًا في شكل العلاقات التجارية بين العراق وإيران، متابعًا بأن الموجود حاليًا هو إغراق غير مبرر للأسواق العراقية ببضائع منخفضة الجودة، ويمكن تصنيع أغلبها محليًا بوجود دعم حكومي بسيط لأصحاب المشاريع الإنتاجية. 

“التأثير السياسي وعلاقته بالتجارة لم تقتصر على الوسط والجنوب، وامتدت إلى الشمال” 

وينتقد “المشهداني” التشجيع المفرط للنزعة الاستهلاكية الخاصة بالبضائع المستوردة، وعلى وجه الخصوص السلع والمنتجات البسيطة، والتي كانت حتى فترة قريبة متوفرة وفائضة عن الحاجة، وتصدر إلى الخارج، مذكرًا بالتمور العراقية التي كانت ذات شهرة عالمية واسعة، وتتسابق الدول لشرائها من العراق وبأسعار مرتفعة، وانحسرت اليوم حتى بات العراق يستوردها وبكميات ضخمة من إيران. 

ويشدد “الخبير المشهداني” على ضرورة أن تكون هناك وقفة جادة -ومن منطلق الوطنية- لوقف هذا الهدر غير المبرر في العملة الصعبة المدفوعة، لاستيراد البضائع الرخيصة، داعيًا إلى فتح المصانع المتوقفة، واستثمار الأراضي الزراعية المهملة، وإصدار تشريعات داعمة للمنتج المحلي، والذي يصب تطوره في مصلحة المواطن، من حيث توفير فرص العمل والبضائع الجيدة، وتوفير أموال الاستيراد، وإنفاقها في الجوانب التطويرية للبلد. 

سياسيون يتسابقون على إرضاء إيران 

لكن المحلل السياسي “نوزاد صباح” يستبعد حصول مثل هذا الأمر على المدى القريب، وفي ظل وجود قوى سياسية مرتبطة بشكل وثيق مع إيران، وتدين لها بالفضل في الوصول إلى المناصب القيادية في العراق، مؤكدًا أن هذه القوى هي التي فتحت أبواب العراق على مصراعيها أمام كل شيء إيراني، وحتى البضائع التي كانت كاسدة لديهم ولا يجدون لها تصريفًا في أسواقهم المحلية. 

“من يمول ويسلح الميليشيات المسلحة في العراق، ويتدخل في صياغة وإصدار العديد من القرارات المحلية” 

ويؤرخ “صباح” بداية الانفتاح على البضائع الإيرانية بشكل واسع، مع زيارة “نوري المالكي” إلى إيران في عام 2006، وتوقيعه على قرار تشكيل لجنة تنمية العلاقات التجارية مع إيران، والتي ساهمت بزيادة حجم الصادرات الإيرانية إلى أكثر من 3 أضعاف الموجود سابقًا، متابعًا بأن “المالكي” في ولايته الثانية ساهم في رفع صادرات إيران إلى 5 أضعاف من خلال استيراد كل شيء تنتجه المصانع أو الأراضي الإيرانية. 

ويوضح المحلل “صباح”، أن “المالكي” دخل في منافسة مع زعيم المجلس الأعلى “عمار الحكيم”، والذي سبق لوالده “عبدالعزيز الحكيم” أن استهل فترة رئاسته لمجلس الحكم بالمطالبة بدفع تعويضات إلى إيران جراء الحرب مع العراق، مشيرًا إلى أن هذا التنافس جعل يطالب بانفتاح اقتصادي أكبر على إيران، فيرد عليه “المالكي” بإلغاء قوانين فحص ومراقبة البضائع الإيرانية الداخلة إلى العراق. 

ويتابع “صباح” بأن التأثير السياسي وعلاقته بالتجارة لم تقتصر على الوسط والجنوب، وامتدت إلى الشمال، وتحديدًا في الإقليم الكردي حين استغلت إيران فترة ما بعد فشل استفتاء الاستقلال في الإقليم، وحالة الحصار السياسي والاقتصادي في الإقليم، ووقعت مع الجانب الكردي على اتفاقية تنص على زيادة كبيرة في التبادل التجاري، وبموجبة تم إغراق الأسواق الكردية بكميات مضاعفة من البضائع الإيرانية. 

ويخلص المحلل السياسي إلى القول، بأن من يمول ويسلح الميليشيات المسلحة في العراق، ويتدخل في صياغة وإصدار العديد من القرارات المحلية، ويؤثر بشكل واضح في الانتخابات واختيار رئيس الوزراء؛ لن يكون صعبًا عليه أن يفرض هيمنة تجارية على الأسواق العراقية، مؤكدًا أن الحاصل في الوقت الحاضر هو تبعية اقتصادية واضحة ممثلة بقيام العراق بتمويل الجزء الأكبر من مخزون إيران من العملة الصعبة، التي تناقصت لديها بصورة كبيرة جراء العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليها بسبب برنامجها النووي.

العراق / وكالات







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق