اسامة النجيفي لا تحزن.. والى الهدوء والراحة اركن ! ... بقلم : هارون محمد





تاريخ النشر: 2018-09-19 07:27:30


لم اكن اتمنى شخصيا على الاقل، ان يهزم اسامة النجيفي في انتخابات رئاسة البرلمان، يوم السبت الماضي، ويأتي ثالثا بعد محمد الحلبوسي وخالد العبيدي وبـ(19) صوتا فقط من أصل 298 صوتا، وانا الذي ناشدته حبا به واحتراما له، في مقال سابق، نشرته في الاسبوع الماضي، ان ينسحب من سباق الترشيح، بعد ظهور معطيات سياسية تؤكد ان فرص فوزه برئاسة مجلس النواب معدومة تماما، خصوصا بعد انفراط تحالف القرار، وتشكيل المحور الوطني برئاسة الشيخ خميس الخنجر الذي له دور كبير في تجميع النواب الســنّة وعددهم تجاوز الخمسين نائبا، واللاعب الرئيس من خلف الستار في تسريع عملية انعقاد جلسة حسم معركة رئاسة البرلمان التي فوزّت الحلبوسي الذي هو أقل كفاءة من النجيفي بالتأكيد، ولكنه أنشط منه لعبا ومناورة، وللتذكير ايضا فان ذهاب اسامة منفردا الى تحالف مقتدى الصدر وعمار الحكيم وحيدر العبادي واياد علاوي (الاصلاح) والانضمام اليه بمعزل عن زملائه في المحور الوطني كان خطأ سياسيا وخطوة غير موفقة، وكان عليه الانتظار لحين تبلور ما يسمى بالكتلة الشيعية الاكبر ويحدد موقفه.

ورغم ان النجيفي من اسرة جمعت بين السياسة والزراعة والتجارة، فجده الحاج محمد ووالده عبدالعزيز، كانا اعضاء في مجلس النواب لعدة دورات في سنوات العهد الملكي، ويملكان مزارع ومصانع واستثمارات، الا ان اسامة انصرف الى الوظيفة الحكومية بعد تخرجه من جامعة الموصل مهندسا كهربائيا في عام 1978 واكتسب خبرات مهنية وادارية خلال اشتغاله وتنقله في البصرة والموصل وتل عفر وسنجار حتى منتصف الثمانينيات، عندما استقال وأسس شركة زراعية.

وبسبب عمله الطويل في الوظيفة الحكومية التي كانت صارمة وتفرض الالتزام والنزاهة على من يشغلها في العهود السابقة، فقد تطبّع اسامة النجيفي بضوابطها ومواصفاتها في الجدية والحرص والاستقامة، ولكنه أخفق في الحفاظ على انضباطه وتوازنه اللذين عرفا به حتى عام 2005 عندما أصبح وزيرا للصناعة في الحكومة الانتقالية التي شكلها رئيس حزب الدعوة الطائفي ابراهيم الجعفري، وقيل في حينه ان غازي الياور وكان نائبا لرئيس الجمهورية جلال طالباني، هو من رشحه للوزارة، استنادا الى علاقات قديمة تربط عائلتي الاثنين، وقد فشل النجيفي في هذه الوزارة شأنه في ذلك شأن زملائه الوزراء في تلك الحكومة السيئة التي مهدت الطريق لتسلط الاحزاب الشيعية الموالية لايران بدعم من الاحتلال الامريكي، واشاعت الطائفية ونشرت الفتنة والفرقة في المجتمع العراقي، وحرضت على الاقتتال الاهلي، رغم عمرها القصير (9 اشهر).

ولان اسرة النجيفي لها تاريخها ومكانتها في الموصل، فقد انتخب اسامة نائبا عنها في انتخابات نهاية عام 2005 ضمن كتلة اياد علاوي التي كانت بلا لون ولا طعم ولا رائحة، لذلك لم يسجل لاسامة ظهور لافت او صوت مميز طيلة تلك الدورة، ولكنه عاد في عام 2010 ليصبح احد قادة القائمة العراقية التي انشأتها الكتل السنية بمعزل عن الحزب الاسلامي، ووضعت علاوي الشيعي الاصول والمنحدر واجهة لها مقابل الاحزاب والكتل الشيعية برئاسة نوري المالكي، وقد انتخب النجيفي رئيسا لمجلس النواب في صفقة جرت وقائعها في اربيل وكان ابطالها مسعود بارزاني واياد علاوي ونوري المالكي.

وكانت بداية عمل اسامة النجيفي كرئيس لمجلس النواب رتيبة، ولم تكن ادارته لجلسات المجلس حيوية، وكان يتوهم بانه رئيس حقيقي لبرلمان العراقيين جميعا، على حد قوله، ولا يعترف بان المحاصصة جاءت به الى هذا الموقع، واذكر شخصيا انني جادلته واشتبكت معه في نقاش حاد تحول الى مشادة كلامية مع الاسف حول هذا الامر في منزل الشيخ خميس الخنجر وامام اكثر من عشرين سياسيا ونائبا، وقلت له ان نظام المحاصصة هو الذي رسم ان تكون رئاسة الجمهورية للاكراد ورئاسة الحكومة للشيعة ورئاسة البرلمان للسنة العرب، وعلى هذا الاساس طالبته صراحة بان يخدم ويهتم بمن يمثلهم، كما يفعل طالباني الذي يتصرف ككردي في رئاسة الجمهورية وليس كعراقي، والامر نفسه ينطبق على المالكي الذي يقدم شيعيته دائما على وطنه وقوميته ويؤكد (انه مسلم شيعي عراقي عربي) ولكنه لم يقتنع وظل يردد انه رئيس البرلمان العراقي فعلا وواقعا، غير انه واجه الحقيقة المرّة بعد عامين وتحديدا في نهاية  عام 2012 عندما اكتشف ان المالكي ليس متمسكا بشيعيته ومتشبثا بطائفيته فحسب، وانما ينظر الى السنة العرب كاعداء تاريخيين ويعتبرهم بلا استثناء ضمن معسكر يزيد بن معاوية، وهنا حدث الصدام بين الاثنين، ولكن بلا فائدة، بعد ان تغول رئيس حزب الدعوة وبدأ يتآمر علنا على المحافظات السنية ويغري القيادات الكردية على ضم الموصل وكركوك الى اقليم كردستان، وينجح في تمرير قانون للارهاب تستهدف مادته الرابعة السنة العرب فقط، حتى سميت (4 سنة) مختتما تآمره بالتخادم مع تنظيم داعش ومساعدته على احتلال محافظتي الموصل وصلاح الدين والقصة معروفة.

ولانه وظيفي الطبع والنزعة والتصرف، فقد حرص اسامة على ان يبقى زعيما محليا في الموصل، ولم يوسع هذه الزعامة في الاطار الوطني، ولم يمدها الى المحافظات السنية الاخرى، غير مدرك ان الزعامة المحلية مؤقتة وسرعان ما تتلاشى عندما تواجه ظروفا مستجدة، كما حصل عند احتلال مسلحي داعش للموصل في حزيران 2014، وكانت اسرة النجيفي اكبر المتضررين من هذا الاحتلال، بعد ان استباح التنظيم اموالها ومزارعها وبيوتها وهدّ مكانتها واسقط شعبيتها، خصوصا وان شقيقه اثيل النجيفي كان محافظا صوريا للموصل، بعد ان جرده المالكي من صلاحياته وحولها الى جنرالاته السفهاء وخاصة مهدي الغراوي الذي كان الحاكم الفعلي للمحافظة وتعامل مع سكانها بالبطش والتنكيل والرشى والاضطهاد، تنفيسا لاحقاد ابن طويريج ضد الموصليين الذين كان يصفهم بالقومجية والبعثية.

ومرة اخرى ولانه وظيفي السلوك، فقد ارتضى ان يكون موظفا بعنوان نائب رئيس الجمهورية ولكن بلا سلطات او صلاحيات وانما لاغراض الوجاهة وفوج الحراسة والموكب الفخم، ولم يهضم قرار رئيس الحكومة حيدر العبادي بالغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية، فبادر وحده دون زميليه اياد علاوي ونوري المالكي الى تقديم شكوى ضد العبادي الى القضاء، الذي اعاده الى وظيفته مع علاوي والمالكي، وكأنه حقق انجازا وطنيا لا يعلى عليه.

ورغم ان اسامة النجيفي شخصية رصينة ومثقفة لا شك في ذلك، ولكنه سرعان ما يتحول الى النرجسية والمزاجية، اللتين تركتا عليه آثارا غير محمودة ابرزها: اخفاقه في الحفاظ على انصاره وفشله في ضبط مؤيديه ، فمن تحت عباءته ظهر عبدالرحمن اللويزي واحمد كيارة الجبوري وعزالدين الدولة وزهير الاعرجي وخالد العبيدي على المسرح السياسي، ولكنهم فارقوه وانقلبوا ضده وبعضهم تآمر وحرض عليه، دون ان يتمكن من وقف تجاوزاتهم، وهو الذي جاء بهم من آخر الصفوف، وساعدهم على بلوغ النيابة والوزارة.

واسامة النجيفي، رغم كل الملاحظات الشخصية والسلوكية والسياسية عليه، فانه ظل نزيها ونظيف اليد، ولم تدن نفسه على عقد او صفقة، واستنكف الخوض في مشاريع غير شرعية، ولم يسجل عليه انه استغل او انتفع من مناصبه ووظائفه، ولانه مصاب بمرض خطير هاجمه عقب زيارته لطهران وحضوره مجلس الفاتحة بوفاة أم قاسم سليماني هناك، والمختبرات الطبية في المانيا وامريكا شخصّت علته وابلغته بتاريخ اصابته بها وجميع تفاصيلها، لذلك فانني من باب الاخوة والمودة، اتمنى عليه ان يركن الى الاستقرار والعيش الهاديء بعيدا عن التوتر والتشنج وحرق الاعصاب في العمل السياسي، حفاظا على صحته وتعزيزا لمنزلته، ويترك سيرته ومسيرته في السياسة للتاريخ يحكم عليهما، ويبقى رجلا محترما حتى لو اختلف معه أحد او خالفه طرف







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق