لماذا أصبحت المنامة مدينة عتيقة تسكنها غالبية آسيوية فقيرة؟





تاريخ النشر: 2018-11-17 08:53:59


مدينة العالم وجوهرة جزر الخليج
لماذا أصبحت المنامة مدينة عتيقة تسكنها غالبية آسيوية فقيرة؟

جعفر الدرازي
حفر في تاريخ مدينة تجارة اللؤلؤ وجغرافيتها
في أمسية استثنائية، استضاف فيها مجلس أمير بن رجب الثقافي بمنطقة سند، الأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم الذي حلّق في سماء المنامة متتبعاً كيفية ظهور هذه المدينة المتميزة، وتغيّرها على مدى حقب زمنية طويلة. كانت الأمسية استثنائية بالمقاييس كلها، من حيث عدد الحضور الذي اكتظ به المكان، ومن حيث تمكن المحاضر وجاذبية تقديمه، ومن حيث جاذبية الموضوع الذي أخذ بلب الجميع.
افتتح كاظم محاضرته بإعادة تركيب المنامة كمكان وجغرافيا، وابتدأ بتحديد حدود امتداد المنامة من حيث واجهتها البحرية الشمالية وامتدادها باتجاه الداخل، معتمداً على الخرائط القديمة ووصف الرحالة وأصحاب المسوحات الذين مرّوا بالمنامة خلال القرن التاسع عشر بدءاً من العام 1820. وهو العام الذي نشرت فيه أول خريطة للبحرين يظهر فيها اسم المنامة والمحرق، وتعطي الخريطة تصوراً واضحاً عن امتداد المنامة، حيث تظهر المنامة بعمران بسيط (مجموعة مبانٍ متجاورة) وتمتد عرضياً بمحاذاة الساحل على طول الجانب الشمالي الشرقي من الجزيرة، كما تظهر محاطة ببساتين النخيل من الغرب والجنوب، وتبدو قلعة المنامة في الجنوب بعد أن ابتعدت قليلاً عن المباني الموجودة.
ينقل كاظم عن الرحالة الإنجليزي وليم بالجريف قوله إن المنامة كانت، في العام 1862/1863، تمتد على طول الساحل بمسافة تزيد قليلاً عن "ميل وربع الميل، في حين تمتد المنازل إلى نحو ثلث الميل نحو الداخل"، أي بمساحة لا تزيد على كيلو متر مربع واحد، إذ كانت المنامة مدينة ضيقة ومستطيلة الشكل، ومع الزمن أخذ العمران يتوسع من جهة الوسط (من جهة أحياء المخارقة والحمّام) حيث أخذت المدينة شكل المثلث.
والمثير في الموضوع أكثر أن هذه المدينة الضيقة والصغيرة جداً، كوّنت، كما يقول كاظم، أول وأجمل نموذج للتعايش والتنوع في تاريخ البحرين، إذ ضم المجتمع الذي عاش في وسط هذه المدينة الصغيرة جماعات وإثنيات وديانات ومذاهب عديدة، من مسلمين سنة وشيعة، ويهود وهندوس ومسيحيين وبهرة وبهائيين، وجماعات من أصول فارسية وأفريقية وعراقية ومن شبه الجزيرة العربية، بالإضافة إلى البحرينيين القادمين من القرى والبلدات. لقد كوّن هذا المزيج البشري أروع نموذج للتعايش وسط مساحة صغيرة جداً تتجاور فيها مساجد المسلمين (سنة وشيعة) مع معبد الهندوس ومآتم الشيعة وكنيس اليهود وكنائس المسيحيين، وتتجاور فيها مقابر المسلمين (سنة وشيعة) بمقابر اليهود والمسيحيين، مرجعاً هذه الحالة الفريدة إلى طبيعة المجتمع الأول الذي كوّن نسيج المنامة، وهو مجتمع التجار الذين طوّر فيما بينهم فن التعايش، وفن التعايش مع الأجانب الذين كانوا يأتون إلى المنامة إبان ازدهارها التجاري منذ القرن التاسع عشر.
ويرى كاظم أن فهم هذه الحالة يتطلب تتبع مسار ازدهار تجارة اللؤلؤ في الخليج والعالم، لأن البحرين كانت المركز الأعظم لهذه التجارة، رابطاً بين حقبة ازدهار تجارة اللؤلؤ، طوال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وبين تزايد الأماكن الدينية المتنوعة وسط المنامة من مآتم الشيعة إلى معبد الهندوس وكنيس اليهود وكنيسة المسيحيين (الكنيسة الإنجيلية الوطنية).
بعد هذا التطواف الواسع في تاريخ المكان، تساءل كاظم عن البدايات الأولى للمنامة، ومتى ظهرت المنامة إلى الوجود أول مرة؟ مشيراً إلى مدى الغموض والاختلاف بين الباحثين حول تاريخ تشكل المنامة، ومسار تطورها من مرفأ صغير للمراكب إلى ميناء رئيس للجزيرة، إلى قرية صغيرة، ثم إلى مدينة تجارية ساحلية، مبيناً أن ليس هناك اتفاقاً حول تاريخ ظهور المنامة كاسم علم لمكان أو ميناء، ولا تاريخ تحولها من ميناء أو منامة للجند أو لحاكمها إلى قرية صغيرة، فمدينة رئيسة، ثم إلى مدينة تجارية ساحلية مزدهرة. إلا أن كثيراً من الدارسين يتفقون على أن أقدم الإشارات التاريخية التي ورد فيها ذكر اسم المنامة، إنما تعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي. ويدور الاختلاف حول تحديد السنة بالضبط التي تأسست فيها المنامة كمدينة؛ فمونيك كيرفران، من بعثة الآثار الفرنسية في البحرين، تذهب إلى القول بأن مولد مدينة المنامة كان قبل العام 1374، إلا أن مهدي عبد الله التاجر يذهب إلى تاريخ أبعد من هذا، وتحديداً إلى العام 1330. ولا يختلف علي أكبر بوشهري مع هذا الرأي، إلا أنه يرى أن تاريخ ظهور مدينة المنامة يقع بين 1316 و1348، وآخرون يرجحون تواريخ أخرى.
بعد استعراض آراء الباحثين، استحضر كاظم أصل الخلاف، وهو تاريخ أقدم إشارة وردت عن المنامة في كتاب "شاهنامة او ملوك هرمز" لتوران شاه، ملك هرمز خلال 1346-1377. وأشار كاظم إلى أن الثابت، بين الباحثين الإيرانيين، أن تاريخ تأليف "شاهنامه توران شاه" غير معروف بدقة، وأغلب الباحثين يرجّحون أنه يقع بين 1346/1347 و1377/1378، أي طوال مدة حكم توران شاه نفسه. ومن المعروف أن أصل الكتاب مفقود، والمصدر الوحيد الموجود له هو تلك الأجزاء التي ترجمها الرحالة البرتغالي بيدرو تيخسيرا إلى الإسبانية، وألحقها بكتابه "أسفار بيدرو تيخسيرا" (1610). وبيدرو تيخسيرا كان، في الحقيقة، يترجم ويلخّص كتاب "شاهنامه توران شاه" أو "ملوك هرمز" بتصرف كبير. بعد ذلك عرض كاظم الفقرة الواردة في كتاب أسفار تيخسيرا المترجمة من كتاب "شاهنامة" توران شاه، حيث ترد الإشارة إلى المنامة في سياق إعادة ضمّ البحرين إلى حكم توران شاه بعد أن كانت قد خضعت لحكم ابن شقيقه مدة يسيرة من الزمن. وفي سياق معركة الاسترجاع هذه، برز اسم قائد عسكري هرمزي اسمه مير عجب الذي أسهم في القضاء على تمرّد شادي وشنبا نجلي نظام الدين كيقباد شقيق توران شاه. تمت العملية بنجاح، فتطلع مير عجب إلى المكافأة من توران شاه، وكان قد طلب من هذا الأخير أن يوليه على البحرين، إلا أن توران شاه رفض هذا الطلب، بل قرر معاقبة مير عجب بدل مكافأته. ولما سمع مير عجب هذا الخبر، قرر الهرب والنجاة بنفسه، فـ"ترك المنامة، الميناء الرئيس في الجزيرة، ولجأ إلى مكان آخر فيما وراءها يسمى تير {تاروت}". وهنا، فقط، يرد اسم المنامة كميناء رئيس في الجزيرة وليس كمدينة. ومع هذا، فإن كاظم يستنتج أن الإشارة إلى المنامة على أنها "الميناء الرئيس في الجزيرة" يفترض أن وجودها مرّت عليه مدة من الزمن سمح بتحوّلها إلى "ميناء رئيس". ومع هذا، فإن هذا كله لا يسمح لنا بالجزم أن ميلاد مدينة المنامة كان في هذه المدة؛ لأن إشارة توران شاه تتحدث عن "ميناء المنامة" لا عن مدينة جديدة اسمها المنامة، فضلاً عن أن تكون قد ظهرت إلى الوجود في القرن الرابع عشر لتنافس مدينة عتيقة اسمها بلاد القديم. وهو ما يذهب إليه بوشهري وكيرفران وحتى نليدا فوكارو، وهو رأي يفتقر إلى الدليل المقنع.
وعلى الرغم من هذا الغموض الذي يلف اسم المنامة في كتاب "شاهنامه توران شاه"، إلا أن معظم الباحثين، كما يقول كاظم، يعتمدون على هذه الإشارة لإثبات أن أقدم ذكر للمنامة كان في النصف الأول من القرن الرابع عشر. ومع هذا الاختلاف فإن الثابت أن ذكر المنامة، طوال حكم الجبور والحقبة البرتغالية/ الهرمزية، كان هامشياً جداً وضبابياً، فمعظم حوليات المعارك التي دارت بين البرتغاليين والأمير مقرن بن أجود، ولاحقاً مع الأمير الهرمزي بدر الدين والأمير جلال الدين مراد محمود شاه وابنه جمال الدين وأحفاده فيما بعد، إنما تتحدث عن قلعة البحرين وعن جزيرة البحرين أو عن مدينة غير مسماة. ويشير كاظم إلى أن المصادر المحلية التي تشير إلى المنامة في هذه الفترة تقتصر على الشعر، وشعر الشيخ جعفر الخطي الذي توفي في العام 1618، وتراجم العلماء، حيث ترد الإشارة إلى ثلاثة علماء دين انتسبوا إلى المنامة وهم عالمان شافعيان وآخر جعفري، الأول هو الشيخ راشد بن عبد القادر المنامي (أو المنعمي) الذي كان إمام الشافعية في زمانه، وتوفي في المدينة المنورة في العام 1596. أما الثاني فهو الشيخ محمد بن عبد الجابر المنامي (أو المنعمي) الذي توفي في العام 1603، فدفن في مسقط. أما الثالث فهو الشيخ صالح بن عبد الكريم المنامي المشهور بالكرزكاني والذي توفي بشيراز في العام 1687 كما ورد في "إجازة الشيخ محمد آل عبد الجبار القطيفي للشيخ الطبسي".
وعلى خلاف المصادر المحلية التي يكاد يختفي فيها ذكر المنامة حتى القرن الثامن عشر، فإن المراقبين الأوروبيين، البرتغاليين تحديداً في القرن السابع عشر، كانوا يشددون على مركزية المنامة كمدينة رئيسة. ففي وثيقة برتغالية تعود إلى العام 1610/ 1611 ترد الإشارة إلى مدينة المنامة، بنامار، على أنها "المدينة الرئيسة" التي تنقل إليها البضائع. وقبل ذلك بست سنوات، يذكر الرحالة البرتغالي بيدرو تيخسيرا في رحلته في العام 1604، أن "المنامة، المدينة الرئيسة في الجزيرة، تقع على شاطئ البحر". ويرى كاظم أنه سواء صحّت الإشارة إلى المنامة كقرية صغيرة أم مدينة رئيسة، فإنها في الحالتين لم تكن مدينة كبيرة وفخمة أو ذات مبانٍ لافتة للأنظار حتى مطلع القرن العشرين، حتى إن لوريمر لم يجد، في العام 1904، من مباني المنامة ما يستحق الذكر والوصف سوى قصر الشيخ علي، ودار الاعتماد البريطاني، وقلعة المنامة. إلا أن تألق المنامة كمدينة تجارية رئيسة كان في القرن التاسع عشر، وتزامن مع ازدهار تجارة اللؤلؤ، وتكوّن المنامة كمجتمع تجّار أساساً في الوقت الذي كانت فيه المحرق، المدينة المناظرة للمنامة آنذاك، تتكوّن كمدينة للحكّام وقاعدة الحكم.
اختتم كاظم محاضرته القيمة والشائقة بإطلالة سريعة على أبرز التحولات التي عرفتها المنامة منذ أن كانت قرية صغيرة حتى الآن، وهو يشدد على ثلاثة تحولات أساس: الأول تحول المنامة من قرية صغيرة إلى مدينة تجارية مزدهرة، والثانية تحول المنامة من مجتمع التجار إلى مدينة الترفيه (سينما ومحلات ومطاعم ومقاهي ومواكبة الموضة في كل شيء) وقلب الحراك السياسي بدءا من حراك هيئة الاتحاد الوطني في خمسينيات القرن العشرين حتى ثمانينيات الإسلام السياسي، أما التحول الثالث فهو تحول المنامة من مدينة الترفيه والحراك السياسي إلى مدينة عتيقة تتمدد على معظم أحيائها القديمة وضواحيها التي كانت جديدة حتى عهد قريب، غالبية آسيوية فقيرة تتزايد أعدادها في ظل النزوح الكبير لأهل المنامة للسكن خارجها. ولا يمكن فهم أي من هذه التحولات، بحسب كاظم، إلا بفهم العديد من العوامل والمعطيات التي تبدأ بازدهار تجارة اللؤلؤ حتى كسادها، وطفرة عدد المواليد بعد اكتشاف النفط، وتنامي تجارة الاستيراد وصناعة الترفيه، والمحيط الإقليمي والعالمي الذي كان قومياً في الخمسينات ومتحررا في الستينات والسبعينات، وإسلاميا فيما بعد، والطفرة النفطية وتزايد أعداد العمالة الأجنبية وعولمة المدينة الخليجية، المنامة مدينة العالم التي كانت، في يوم من الأيام، جوهرة جزر الخليج بحسب ما ورد في رسالة التجار الهندوس للورد كرزون، الحاكم العام للهند، في العام 1903. وعلى الرغم من التحولات التي عرفتها المنامة،  إلا انها تمتلك اليوم كل المؤهلات لتعود كما كانت مدينة العالم وجوهرة المدن.

المصدر / وكالة الحدث الاخبارية







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق