باحثون: آليّات تفكيك العنف تحتاج لفهم بنيته النفسيّة





تاريخ النشر: 2018-11-24 09:10:43



العالم اليوم ليس أكثر عنفاً من الأمس البعيد؛ وإنَّما العنف اليوم صار مرئيّاً أكثر بفضل التطورات التكنولوجية الهائلة التي طالت مختلف وسائل الإعلام وحتى الأفراد من خلال الأجهزة المتطورة لوسائل الاتصالات والتي تنقل يوميّاً مشاهد القتل والحرب من كلّ مكان وخاصة أماكن النزاع. 
وهذا الكتاب "العنف قضايا وإشكالات" الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود يسعى الباحثون المشاركون فيه إلى الإجابة عن تساؤلات: لماذا يوجد العنف؟ وما دلالاته؟ وما جذوره وآليّات عمله؟ وما أسبابه؟ أَثمّة عنف مشروع وآخر غير مشروع؟ وهل يمكن الحديث عن عنف أخلاقي وآخر لا أخلاقي؟ أَيمكن تجاوزه، أم لا يوجد أيّ أمل في تجاوزه؟ وهل العنف مجرّد ظاهرة نفسيّة مرتبطة بالبنية النفسيّة للإنسان؟ هل هو قدر بشريّ وحتميّة تاريخيّة؟ أَهو نفسي أم اجتماعي أم اقتصادي أم رمزي؟ أَثمّة علاقة تلازميّة بين العنف والمقدَّس؟ وهل كلّ مقدَّس عنيف؟ أَيمكن تبرير العنف بدعوى الدفاع عن المقدَّسات وعن حقوق الإنسان؟
 وحسب الباحثان د. الطيب بو عزة ود. محفوظ أبي يعلا أن العالم اليوم يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة العنف، ليس فقط في مظهره المُقارب من منظور قانوني كجنوح، بل ثمّة عنف مبرّر ثقافياً، إمّا بتأويل سياسي، أو بتأويل ديني، أو عرقي... إلخ. ومع تزايد الظاهرة والإحساس بخطورتها نلقى أنَّ النقاش الإعلامي عادة ما ينشغل بالمقاربة السياسيّة الآنيّة، بينما ظاهرة العنف غير مشروطة بأحداث جزئيّة بل تفصح بنفسها عن أصول كامنة أو ظاهرة في التفكير والاجتماع. من هنا دعت الحاجة إلى اقتراح هذا الملف البحثي "العنف: قضايا وإشكالات" الذي نريد به تعميق الدراسة في الناتج النظري الذي قدّم في حقول الفلسفة والعلوم الإنسانيّة.

ولفت الباحثان أنهما لا يقصدان هنا أيّ اختزال في استحضار العلوم الإنسانيّة، فسواء في نزوعها الوضعي الذي يطمح إلى الوصف والتّفسير والتنبؤ، أو في توجّهاتها الفهميّة التي تقصر إمكانها المنهجي على إنجاز الفهم والتّأويل هي جميعها مقاربات نراها حقيقة بالإيراد والاهتمام. هذا فضلاً عن المقاربات التي تصدر من داخل الحقل الفلسفي.
ويستكتب الملف عدداً من الباحثين، ليتم تصنيف دراساتهم إلى محورين: أوّلهما الدراسات التي تناولت دلالة المفهوم وإشكالاته، والثاني المعنون بـ "العنف من منظور آخر" قراءات في كتابات غربيّة لظاهرة العنف، مع ترجمة أحد النصوص المهمّة للفيلسوف الفرنسي بول ريكور.
في المحور الأول "العنف: دلالة وقضايا وإشكلات" تبحث الباحثة التونسية د. سلمى بالحاج مبروك موضوع أصول العنف، منطلقة من تحديد فلسفي يعرف العنف بوصفه "كلّ فعل يصدر عنا لنتصرّف ونفعل كما لو كنّا وحدنا فقط". وكأنَّ بقية الكون موجود هنا ليتلقى منا الفعل فقط ويخضع لرغباتنا. لتخلص إلى بحث آليّات تفكيك العنف لفهم بنيته النفسيّة. ثمّ تنتهي إلى أنَّه إن كان من المستحيل إزالة العنف، فعلى الأقل ثمّة إمكانيات للخفض من منسوب حدّته.
ولدارسة العنف السياسي قدّم الباحث التونسي د. منوبي غباش بحثاً في علاقة الفلسفة والسياسة بالعنف. حيث أكّد في بداية دراسته أنَّ العنف يمثل تحدياً للفلسفة التي تعي محدوديّة فاعليتها إزاء الواقع العملي الموسوم باللاعقلانيّة. كما تعي أنَّ البشر لا يلتزمون في أفعالهم واختياراتهم بما يقضي به العقل، بل يتبعون أهواءهم وميولاتهم الغريزيّة، وهو ما يفضي إلى التنازع والصدام. 

والفلسفة برسم تعريفها كحوار وتفكير فإنَّ العنف هو بالضرورة نقيضها، ولهذا يطرح السؤال المتعلق بنوع الخطاب الذي يمكن أن تصوغه الفلسفة من أجل فهم آخَرِها المطلق. إنَّ هيمنة العنف على العالم الإنساني يعني نهاية الحوار وانعدام التواصل وإلغاء الحريّة. وإدانة الفلسفة للعنف ومعارضتها لكلّ أشكاله إنَّما هو التزام بما تقتضيه ماهيتها، بمعنى أنَّ معارضتها للعنف هو انتصار لذاتها ولحقيقتها.
لكن إذا كان الأمر كذلك، فكيف يُفسّر تقريظ بعض الفلاسفة للعنف والحرب؟ وإذا كان العنف ينتمي إلى مجال الممارسة، فإنَّ السياسة يمكن تصوّرها في آن واحد كمسألة عمليّة وكإطار أخلاقي تأخذ فيه الممارسات والأفعال معناها وأهميتها بالنظر إلى قيم وغايات محدّدة.
لقد عبّر الفلاسفة عن مثل هذا التصوّر للسياسة بعبارات مثل: 'السياسة الأخلاقيّة' أو 'الإيتيقا السياسيّة'.
وفي تحليل أطاريح أهمّ المشروعات النظريّة التي قاربت مفهوم العنف، يقدّم الباحث المصري د.عماد الدين إبراهيم عبدالرازق قراءة في مفهوم العنف عند الفيلسوفة الألمانيّة حنة آرنت التي ركّزت مقاربتها له من منظور سياسي.
وفي تحليلها لظاهرة العنف ركزت د. حلا السويدات في مداخلتها "في إخضاع العنف للنسق الفلسفي التحليليّ" على مقولة الكليانيّة كشرط مؤسّس للظاهرة، مستحضرة المقاربة الهيغليّة، مع انفتاح على مفهوم الهويّة كعامل اجتماعي رئيس.
وفي مساءلة دعوى "شرعية العنف" استحضر الباحث المغربي د. يحيى بن الوليد أطروحة الخطاب ما بعد الكولونيالي، بوصفها إحدى المقاربات المهمّة في مجالات الدرس الأكاديمي والبحث الاجتماعي، للظواهر السياسيّة المتعقلة بإشكاليّة المثاقفة.
ونظراً لأنَّ الواقع السياسي العربي الإسلامي يشهد جدلاً متصاعداً حول إشكاليّة العنف، قدَّم المصري د. غيضان السيد علي دراسة في 'البِنية الأيديولوجيّة للعُنف لدى الجمَاعات الإسلامويّة'، محاولاً الكشف عن دوافع العنف المختلفة وأسبابه الكامنة لدى الجماعات الإسلامويّة.
ثمَّ في المحور الثاني "العنف من منظور آخر" قدّم التونسي د. مصطفى بن تمسك قراءة في كتاب أماريتا سين 'الهويَّة والعنف: وهم المصير'، كما قدّم المصري د. محمّد ممدوح قراءة في كتاب: 'في ظلّ العنف، السياسة والاقتصاد ومشكلات التنمية' "تحرير: دوغلاس س. نورث، جون جوزيف واليس، ستيفن بى. ويب، بارى ر. وينغاست".
وفي ختام هذا ترجم كل من المغربيين د. عزالدين الخطابي، ود. عبدالحق منصف، نصٍّ بول ريكور بعنوان: "السلطة والعنف". كما قدم د. عبدالله بربزي حوارا مع د. علي رسول حسن الربيعي الباحث المتخصص في الفلسفة السياسية (جامعة أبيردين) حول "في قضايا العنف".

محمد الحمامصي/ وكالات







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق