الكابوس الروسي وحقيقة التدخل في الانتخابات الأميركية ... بقلم : د.أسامة نورالدين





تاريخ النشر: 2018-12-08 06:24:34


تصور وسائل الإعلام الأمريكية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية على أنه كابوس مرعب ومحاولة لإجهاض التجربة الديمقراطية، وكأن هناك مساعي لإعادة أجواء الحرب الباردة التي استمرت لسنوات ما بين الولايات المتحدة وروسيا، دون مراعاة لما قد تسفر عنه تلك الاتهامات من توترات على الصعيد العالمي، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن سبب تلك الحملة ودوافعها ودواعي استمرارها وتكرارها مرة بعد أخرى؟
 إن الولايات المتحدة ليست دولة من دول العالم الثالث التي يمكن لروسيا أو غيرها التدخل في شؤونها الداخلية بهذه السهولة، والعبث بانتخاباتها الديمقراطية، والتدخل فيها بهذا الشكل الذي يمكنه أن يغير من نتائج الانتخابات، فالشعب الأميركي لديه من الوعي ما يمكنه من اختيار المرشح الذي يتناسب مع خياراته وطموحاته السياسية، والمؤسسات الأمنية الأميركية لديها من الإمكانات المادية والتكنولوجية ما يمكنها من التصدي لتلك الاختراقات، يضاف إلى ذلك أنه وعلى افتراض أنه تم عمل ذلك في الانتخابات الرئاسية وكشف هذا الأمر بالشكل الذي تسبب في توتر العلاقات الأميركية الروسية، فهل من المعقول أن تعاود روسيا اللجوء لهذا الإجراء مرة ثانية في الانتخابات البرلمانية، وما الفائدة التي ستعود عليها من وراء ذلك.
وعلى افتراض حدوث هذا، ألا تملك الولايات المتحدة من الوسائل والإمكانات ما يمكنها من الرد على التدخل الروسي بشكل عملي، بدلا من سياسة التهويل التي يتبعها الإعلام في الوقت الراهن، إلا إذا كانت هناك أهداف أخرى من وراء الضجة المثارة، والتي أعتقد أن لها علاقة بالداخل الأميركي وبالتنافس الحزبي ما بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي من جهة، وما بين المؤسسات والإدارة الأميركية من جهة أخرى.
فالموضع يمثل أهمية كبيرة بالنسبة للحزب الديموقراطي الذي يحاول استغلال تلك الفرصة من أجل كسب رضا الرأي العام الأميركي، وتقليل فرص الحزب الجمهوري، سواء في الانتخابات البرلمانية التي حدثت بالفعل ونجح خلالها الحزب الديموقراطي في الحصول على الأغلبية في مجلس النواب، وكذلك في الانتخابات الرئاسية المقبلة والتي يسعى الحزب الديموقراطي للفوز بها من جديد.
وعلى صعيد متصل تعمل المؤسسات الأميركية منذ اليوم الأول لرئاسة ترامب على إحداث حالة من التوازن في الإدارة الأميركية، بحيث لا يستحوذ الرئيس وفريقه الرئاسي على القرار الأميركي، خصوصا وأن الفترة الماضية أظهرت تقليل ترامب من اعتماده على المؤسسات الأميركية، مما أسهم في الإضرار بالدور الأميركي في الشرق الأوسط والعالم.
وقد نجح هذا بشكل كبير في التأثير على الرأي العام الأميركي، فحسب آخر استطلاع أجرته صحيفة الواشنطن بوست تجاوزت نسبة الرفض لسياسات وقرارات الرئيس ترامب الـ60%، ما يعني أن الحملة في نهاية المطاف قد نجحت في أن تؤتي ثمارها، وأن تؤثر على شعبية الرئيس الذي كان يحاول بشكل جدي مواجهة الميديا الأميركية ومقاومة تسلط المؤسسات الأميركية لفرض رؤاه وخططه للقيادة الأميركية على الداخل والخارج الأميركي.
وفي الواقع أن الخطورة في كل ذلك لا تتمثل في تأثير أي طرف على الآخر، بقدر ما تتمثل في تأثير ذلك السلبي على صورة ومكانة الولايات المتحدة الخارجية، والتي باتت تتأثر بشكل كبير في الآونة الأخيرة، ويتراجع دورها لصالح أدوار أخرى منها الدورين الروسي والصيني.
وهذا بدوره قد يؤثر على السلام والاستقرار العالمي والذي بات مهددا في الآونة الأخيرة، خصوصا بعد مجيء ترامب وإعلانه شعار “أميركا أولا” ما سمح لدول أخرى بمحاولة الحيلولة محل الولايات المتحدة، وتهيئة الأجواء لصراع إقليمي ودولي لا يمكن السيطرة عليه.

د.أسامة نورالدين
 كاتب صحفي وباحث علاقات دولية







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق