ثقافة الاستسلام والهزيمة ، الشهادات المزورة والتخريب الاخلاقي ... بقلم : المفكر العربي : د. موسى الحسيني





تاريخ النشر: 2018-12-08 06:27:53


مدخل


ليس اليوم ولا هي ردات فعل  ضد هذا الشخص او ذاك موضوع اهتمامي بعمليات التطبيع والاستسلام ، بل تجدد اهتمامي منذ حوالي خمس سنوات مضت بموضوع ثقافة الاستسلام . ان اهتمامي بالموضوع يعود الى ابعد من ذلك  لمرحلة السبعينات من القرن الماضي ، وانا اتابع صعود الفنان عادل امام ،ولااخفي اعجابي به منذ رايته اول مرة بدور ثانوي في مسرحية (انا وهو وهي ) مع الفنان فؤاد المهندس لكني لم اتمكن تى التقاط اسمه  .وكنت اتابع المسرحية مع اخي وزوجتي ، فقلت لهم ان لهذا الفنان مستقبل كبير . الا انه بقي محدود الشهرة  يظهر بادوار ثانوية ، حتى  ظهر لاول مرة بدور بطولة مشترك مع عبد المنعم مدبولي بعنوان احنا بتوع الاوتوبيس . وهو فلم مخصص وموجه لتشوية الحقبة الناصرية ،  فكان ذلك بداية طريق  شهرته التي تضخمت  بمسرحية شاهد ما شافش حاجة ، وما رافقها من دعاية مضخمة  لاتتناسب كثيرا مع محتواها . تابعت افلامه التالية وهي في غالبيتها تتمحور حول شاب بسيط ( فلاح او حتى محامي او طالب جامعي ) ينقلب بتاثير صدمة صغيرة الى نصاب وموزع مخدرات ثم تاجر مخدرات . ليصبح بعد ذلك من علية القوم ، نائب وثري ، ووجه اجتماعي يشار له بالبنان .سواء اكان ذلك  بعلم او دراية من عادل امام او بعفوية فنان يريد الظهور باي دور ، كانت قصص افلامه بدايات للتخريب الاخلاقي الذي رافق اتفاقية كامب ديفيد وتوجهات السادات للتطبيع مع الكيان الصهيوني ، بشروط الكيان ، لابشروط العرب الذين خرجوا منتصرين بعد حرب تشرين 1973 .
كانت ظاهرة جري السادات نحو الاستسلام والتطبيع مع العدو ، اول ظاهرة غريبة في تاريخ الحروب والاستراتيجية ، ان يركض المنتصر وراء المغلوب ليتقبل شروط  المغلوب .  وما رافق ذلك من عمليات تشويه للحقبة الناصرية .

الشخصية التي قدمها عادل الامام للارتقاء والظهور الاجتماعي والتميز ، لاتحتاج الى جد ومثابرة وعمل شريف يتناسب مع ما هو سائد من قيم اجتماعية واخلاقية مقبولة . ما على الانسان الا ان يتعلم اساليب النصب والاحتيال ، والمتاجرة بالمخدرات ، والانتهازية والتملق لمن هم اعلى منه مرتبة اجتماعية او وظيفية ، ليرتقي ويحقق كل ما يحلم به .
سيكولوجياً لاشك ان هذه القيم الجديدة تندس في عقول كثير من الشباب الذين سيرون في العمل الجاد والمثابرة صعوبة تحتاج لاعمال العقل والتفكير والجد وما يتطلبه من جهد مميز فيختارو طريق  شخصيات عادل امام ، كاقصر واسهل طريق .
وقديما كنت الاحظ واتابع دور المثقفين والادباء العرب بعملية التخريب الاخلاقي ، وحتى عملية تغييب الوعي وتسطيحه  . تركزت مشاركتي في ملتقى الثقافة العربية في مدينة خريبكة المغربية عام 2013، حول ظاهرة  التخريب وثقافة الاستسلام والردة التي ساهم بها بعض من مثقفينا وادباؤنا بعد حرب 1967 ممن اكتسب شهرته من خلال نقد وشتم العرب  ، تطرقت كمثل  لقصيدة مظفر النواب وتريات ليلية  ( وكانت ملحمة خالدة  وبلاغة مميزة للربط بين ازمات حاضر الامة وماضيها )
 لكنها  للاسف لم تثير اهتمام الكثيرين و لم يستوعب من استمع لها تلك المعاني الكبيرة والصور البلاغية  الرائعة التي تضمنتها القصيدة .   توقفوا عند  المقطع الذي شتم به الحكام العرب : ( القدس عروس عروبتكم ، فلماذا ادخلتم كل زناة الليل لحجرتها ، ووقفتم تسترقون  السمع وراء الابواب ، وسحبتم كل خناجركم ، وتصارختم بها ان تسكت صونا للعرض ، ما اشرفكم ، اولاد القحبة ، هل تسكت مغتصبة ) ، نقلت هذا المقطع في مشاركتي ، لم ينتبه على ما يبدو اغلب الحضورلجوهر ما طرحت من افكار ، الا انهم استفاقوا من غيبوبتهم على  مصطلح ( اولاد القحبة ) ، باستثناء الاستاذ معن بشور ، الذي عقب مذكرا اياي  بالادباء الاخرين .
 في اليوم التالي عاتبني  صديق مقرب وعزيز  ولامني على تفاهة وسخف مشاركتي ( واولاد القحبة ) وقال ان الكثير من الحاضرين انتقدوني لاستخدام مثل هذه المصطلحات بهكذا  محافل ، فشلت في الدفاع عن رايي امام نقده هذا  . بعد 3 سنوات تعمدت بشكل غير مباشر ومقصود في مناسبة اخرى ، ان اقرأ المقطع نفسه  امام صديقي المعاتب هذا ، فاستحسن المقطع وطلب مني اعادة قرائته ليحفظه .
تلك هي المشكلة مع انصاف المثقفين ، الذين يظلوا يتسقطون منك هذه الجملة او تلك دون روية  ليتخذ منك موقفا معارض .
قبل ذلك ، في العام 2001 ، شاركت بدراسة  طويلة في ندوة اقامتها جمعية الثقافة العربية في لندن  تحت عنوان "سلطة الاخلاق في المجتمع العربي " .ناقشت فيها مظاهر الازدواج في الشخصية العربية ، والفصام النكد بين ما ندعيه من التزامات اخلاقية ، وما تمارسه من سلوك لايتناسب  مع هذه القيم .سبق ان نشرت الدراسة في العام الماضي على صفحتي هذه الا انها لم تنال اعجاب القراء ، ربما لطولها او لتعقيد ما ناقشته من نظريات سيكولوجية حول اسباب تشكل هذه الازدواجية ومظاهرها .

2
حديثا اي خلال السنوات الخمس الماضية ، وانا اتابع حالة الانحدار بل الانحطاط الاخلاقي وغلبة الشخصية النرجسية المبتلاة ب ( انا مريضة مضخمة ).وانقلاب مفاهيم الشرف والاخلاق . رحت ابحث عن ما يمكن ان يطمئنني في اني لم اكن شاذا في متابعة قضية التخريب الاخلاقي هذه وتعميم الفساد والافساد الاخلاقي ومسخ الشخصية والهوية العربية .
في اخر سفرة لي للمملكة المغربية عام 2015 ( واشهد بملاحظة الهامش الكبير من الحريات الفكرية والشخصية التي يندر وجودها في اي بلد عربي اخر باستثناء لبنان ) . عثرت على ثلاثة كتب ( المرفقة صورتها هنا ) كل يناقش توجهات التخريب الثقافي الذي بدأ بالتوجه اولا نحو ما يعرف بالنخب الثقافية يقدم الكاتب بلال الحسن خمسة منها ، متابعا لبدايات ظهورهم كعقلانيين ملتزمين بقضايا وهموم امتهم ووطنهم لينقلبوا الى دعاة للاستسلام والتنازل عن الكرامة والهوية و المفاهيم القومية والوطنية ، ومسخ الهوية العربية . هم :
كنعان مكية ( عراقي ) ، حازم صاغية ( لبناني ) ،صالح بشير ( تونسي ) ، العفيف الاخضر ( تونسي ) ،امين المهدي ( مصري ) .

تجربة شخصية لمحاولة ( سيناريو ) تسقيط تعرضت لها :

تعرضت شخصيا لمحاولة تسقيط او اغراء ، تطرقت لها في مقال نشرته في اواخر شهر مايس / مايو 2011 تحت عنوان ( اوراق من سيرة مناضل عصي على الانكسار ) عرضت فيه ماتعرضت له من حصار في اوربا بسبب تاريخ انتمائي للمقاومة الفلسطينية ، بعد ان فقدت اي امل في ان اجد بضعة امتار للعيش في اي قطر عربي .انتهى صبري ، وفاض بي الانتظار وعدم حسم قضية اقامتي ، وكنت قد استوفيت كافة الشروط القانونية للحصول على الاقامة بعد انتظار استمر الى 10 سنوات ، فقررت اللجوء للمحاكم . لاحظت تحرك بعض الاطراف التي تريد منعي من اللجوء للقانون والمحاكم لأخد حقوقي . انتهت تلك التحركات ، باتصال مفاجأ من فرنسا من صديق قديم ثم بزيارته لي ( كان معنا ايام العمل في حركة المقاومة الفلسطينية ).هو بالاصل كان مسؤول اتحاد طلبة فلسطين في يوغسلافيا ثم تم تعينه سفيرا لمنظمة التحرير عندما بدات بتاسيس سفارات لها في الخارج . انقلب على المنظمة والتحق بتنظيمنا المنشق من فتح عام 1984، يبدو انه جاء مندسا بتوجيهات او اتفاق مع القائد الفلسطيني صلاح خلف - ابو اياد ( تلك قصة اخرى تحتاج لوقفة خاصة ) .جاء هذا الرفيق والسفير السابق ، ليحل علي ضيفا في بيتي ل 9 او 10 ايام .كنت اعرف جيدا حجم سقوطه وانحداره الاخلاقي لكني كنت بحاجة لمعرفة ما يدور حولي .
جاء ليقول انه مبعوث من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ، الذي كما قال هذا السفير السابق ، أنه ، اي محمود عباس ، يسميني او يعرفني ب ( العراكي ، اي العراقي ) الذي لم يستلم حقه او مكافأته لتاريخه النضالي . قال انه تم تخصيص مبلغ 5 الاف دولار شهريا ( لي ) كراتب تقاعدي من سلطة عباس ومنحي جواز سفر دبلوماسي من جوازات السلطة .مقابل ان اكون شاهد زور ( ماشافش حاجة ) امام القضاء الفرنسي ، ضد رفيق سابق اخر متهم بتفجير مطعم في باريس عام 1983. رغم اني اخبرت سيادة السفير بان لاعلم لي او اي معلومات عن الموضوع اكثر مما عنده ، سمعت في حينها عن الموضوع من خلال وسائل الاعلام ونسيت الموضوع تماما . لااعرف بالضبط من هو المسؤول المنفذ او المخطط للتفجير .لاني كنت قد تركت فرنسا واقمت في بريطانيا منذ عام 1980. الا ان ضيفي السفير السابق ظل كل ليلة يحرضني او يشجعني على ان اكون شاهد زور ، قدم لي هو كافة التفاصيل التي يمكن ان احتاجها بشهادة الزور هذه .
كان هذا الضيف يخرج صباح كل يوم ولايعود الا في المساء ،منذ اليوم الاول ، يقول انه مرتبط بمواعيد او ارتباطات مع مخرج افلام وثائقية ، ايطالي الجنسية .في اليوم الثاني جاء رفيقي هذا ليبشرني بان صديقه المخرج الايطالي ينوى عمل فلم وثائقي عن الحركات الدينية في العالم العربي وخاصة لبنان !؟ . وان رفيقي الضيف اقنعه بقدرتي على كتابة دراسة حول الموضوع مقابل 30 الف دولار ، يدفع نصفها مقدماً. وانه يمكن حتى نشر الدراسة في كتاب او كراس يساعد هذا الايطالي بالطباعة والنشر ، ما يمكن ان يدر علي ارباح اخرى .
من بعض ما طرحه من مغريات ، ووضع اقامتي في بريطانيا كان مهدد ، قال ان له ابن عم ( اعرف ان المقصود بابن عمه ليس الا هو شخصيا ) تعهد بان يضمن لي اقامة ل 10 سنوات ، مع وثيقة سفر من تلك التي تخضع لقوانين معاهدة 1951 وتبيح لي حرية السفر في 24 دولة اوربية دون الحاجة لفيزة مسبقة .

بقيت امرر له لعباته ، ولم اقدم جواباً محدد واتظاهر بين المقتنع والمتردد . وهو يحاول كل ليلة اقناعي بانه يريد لي الخير في عروضه هذه لانه يتذكر بعض مواقفي الطيبة تجاه الجماعة التي ارادت مجازاتي بمحاولتها اغتيالي .
لم احتمل في الليلة التاسعة او العاشرة ، وقد كشف كل وجوهه وارتباطاته ، فقلت له : اخي العزيز ، ما تتكلم عنه مر عليه اكثر من ربع قرن ، وهذا الذي تريدني ان اشهد زورا ضده كان يوما ما مستعد لان يهدر دمه دفاعا عنك .اخطأ من اخطأ ومات من مات ، ونحن الان بقايا المرحلة باعمار العجائز الذين تجاوزت ال 55-65 سنة ، اترك الناس تعيش بقية عمرها براحة ، ما الذي تستفيده من استقدام الاخر ليقضي بقية عمره في سجون فرنسا .
الوقت الان متاخر ليلا ، ولا اريد ان اخرج على القواعد واصول الضيافة العربية . ارجوك عليك ان تلملم اغراضك وشنطتك وتخرج من بيتي مع ساعات الصباح الاولى غداً.لااحب ان اراك مرة ثانية ولاحتى ان تتصل بي تلفونيا .
للاسف انه تعرف خلال وجوده على شخصين ممن يتردد علي من الاصدقاء ، ويبدو انه كسبهما من وراء ظهري للتعاون معهما في خدمة مكافحة الارهاب وتحقيق السلام العالمي . ليخرج ويقيم في بيت احدهما . كم حاولت ان اقنع صديقي هذا الذي استضافه من الحذر في الوقوع بشبكة الاخطبوط العميل هذا .حتى اني طلبت منه ان يجمعنا به ، ليستمع لحوارنا ويتاكد من صحة ما اقوله عن هذا المشبوه . تم ذلك في عشاء في بيت تابع لصديقي المضياف هذا ، حاورت الرفيق السفير السابق امام صديقي وشخص اخر احضره معه وصارحته بلعباته وما يريد من تسقيط للاخرين بحجة رغبته في مكافحة الارهاب وخدمة السلام العالمي .
استغربت من ان صديقي هذا المضياف والمناضل الشرس ليقول لي عند توديعي على باب الدار : ( انا صاحب غضية - اي قضية ، مضطر لخدمة غضيتي ان اتعاون مع كل الاطراف ) .وهكذا ضاعت قضية الحق التي كان يدافع عنها بمفهوم الغضية .
ولا ادري كم قضية حق ضاعت بمفهوم الغضية .!؟

للموضوع بقية لمناقشة :
معنى الثقافة ، تعميم ثقافة الاستسلام بالنزول للشارع العربي .
التخريب الاخلاقي وثقافة التطبيع والاستسلام .
سيكولوجيا المتهافتين على تعميم ثقافة التطبيع والاستسلام من المحكومين بمشاعر الاحساس بالدونية والفشل .
من خلال الكتب الثلاثة المرفقة صورها هنا .







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق