"الحشد الشعبي" يواجه حنق العراقيين بعملية غسيل سمعة





تاريخ النشر: 2019-05-12 22:16:38



أخذت المليشيات التي ظهرت في العراق عقب غزوه في 2003، شرعيتها من ظهور تنظيم الدولة في العراق عام 2014، حين انضمت إلى مليشيات جديدة أُسست تحت اسم "الحشد الشعبي".

ظهور "الحشد الشعبي" جاء بعد أن عجز الجيش العراقي عن صد مئات المسلحين غير النظاميين وسيطرتهم على ثلث مساحة العراق، ووصولهم إلى تخوم العاصمة بغداد خلال وقت قصير، وإعلانهم بأنهم دولة خلافة إسلامية، عرفت إعلامياً باسم "داعش".

وعلى إثره أصدر المرجع الشيعي علي السيستاني فتوى "الجهاد الكفائي"، التي استنفرت آلاف الرجال الشيعة الذين تطوعوا لقتال "داعش" على أساس عقائدي.

المليشيات العقائدية، التي انضمت جميعها تحت راية "الحشد الشعبي"، شاركت في العديد من المعارك إلى جانب القوات العراقية النظامية في مواجهة التنظيم على مدار ثلاثة أعوام، حيث أعلن رئيس الوزراء العراقي السابق، حيدر العبادي، انتهاء العمليات في ديسمبر 2017، وسيطرة قوات بلاده على جميع المناطق.

حينها طالب سياسيون بحلّ المليشيا؛ لانتفاء الحاجة التي أوجدت لأجلها، لكن القوى السياسية الشيعية التي تسيطر على المشهد العراقي عمدت إلى منح وجودها شرعية مكنتها من البقاء؛ حيث أقر مجلس النواب، في نوفمبر 2016، قانوناً يقضي باعتبار "الحشد الشعبي" كياناً قانونياً بوصفه قوات رديفة ومساندة للقوات الأمنية الرسمية.

وفي مارس 2018، منحت الحكومة "الحشد الشعبي" الذي تحول إلى "هيئة" عسكرية، امتيازات مادية غير مسبوقة، شملت أكثر من 120 ألف عنصر ينتمون لـ 69 مليشيا مختلفة منضوية تحت راية الحشد الشعبي، في حين بقي نحو 30 ألفاً منهم لم يدرج في خانة الامتيازات والمخصصات.

هيمنة أمنية وانفلات مليشيوي

وبعد أن حظيت مليشيا "الحشد الشعبي" بالصفة القانونية باتت جزءاً من منظومة الحكم بهامش استقلال واسع، وعلى الرغم من أن القانون يربطها إدارياً بالقائد العام للقوات المسلحة، فإنها بقيت على الأرض تمارس سلطتها وفق رؤيتها وأيديولوجيتها التي صاغت منها عقيدة قتالية خاصة.

وبدأت هذه المليشيا تفتح مقار سياسية وعسكرية، ومكاتب اقتصادية خاصة، تعتبر بوابة لصناعة أذرع دائمة في مختلف أنحاء العراق، خاصة في العاصمة بغداد، ومدن شمالي وغربي العراق التي طرد منها "داعش".


المليشيات التي ترتبط بإيران ارتباطاً وثيقاً داخل الحشد، وأهمها: بدر، وعصائب أهل الحق، والنجباء، وحزب الله العراقي، والخراساني، وكتائب الإمام علي، مارست سلطة الأمر الواقع، وتعاملت مع الملف الأمني وفق رؤيتها الخاصة التي لا تستند بالضرورة إلى رؤية الحكومة، لا سيما في محافظات الموصل والأنبار (غرب)، وصلاح الدين (شمال)، وديالى (شرق).

ومع اتساع دائرة الهيمنة بدأت الشكاوى تتواتر من عمليات ابتزاز وأخذ رشا، وهيمنة على مقدرات الدولة، من خلال مناقصات ومحاصصات داخل المؤسسات الحكومية، وباستخدام سطوة السلاح بيعت أراضٍ تابعة للدولة، وأُخذت الإتاوات من بعض المحال التجارية والمطاعم، وفُرضت رسوم وأموال على بعض المتاجر والشركات.

فضلاً عن هذا فإن مكاتب المليشيات الاقتصادية بدأت بدعم رجال أعمال محليين، سياسياً واقتصادياً، وتذليل العقبات لهم في المؤسسات الرسمية، وتوظيفهم في خدمة أجندتها في المناطق التي تسيطر عليها، وتقديم بعضهم ليكونوا واجهات اجتماعية لها.

حالة غضب وخوف تنتاب العراقيين

المواطنون بالمقابل زاد غضبهم وخوفهم أيضاً من سطوة المليشيات التي بات تأثيرها واضحاً بالسلب على الشارع العراقي، بحسب ما يتبين من خلال ما ينشرونه على مواقع التواصل الاجتماعي.

جملة هذه الممارسات وصلت على شكل شكاوى من جهات مختلفة، أمنية وعسكرية وسياسية وشعبية، إلى مكتب رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، مع تسنمه مهام منصبه العام الماضي؛ وهو ما دفعه إلى السعي للتحقيق في صحتها، بحسب مصدر مطلع في وزارة الدفاع العراقية.

المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، كشف لـ"الخليج أونلاين" أن "عبد المهدي طلب، نهاية العام الماضي، من دائرة الاستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع العراقية التحقيق في مجموعة شكاوى وصلت إليه عبر شخصيات سياسية وبرلمانية".

هذه الشكاوى- يقول المصدر- "تتعلق بعمليات استحواذ على المال العام، والهيمنة على مناقصات كبرى في الوزارات، وممارسات قامت بها مجاميع مسلحة تشمل اعتقال أشخاص وابتزاز ذويهم لدفع أموال كبيرة مقابل الإفراج عنهم، وأخذ إتاوات من تجار كبار مقابل توفير الحماية لهم".

وأضاف: "مثل هذا الملف كان يفترض أن تكلف به دوائر المخابرات التابعة لوزارة الداخلية، لكن رئيس الوزراء كلف دوائر وزارة الدفاع بالأمر؛ لعدم ثقته بالداخلية التي يسيطر على مفاصلها جهات شيعية متنفذة منذ عام 2003، حيث طلب إجراء التحريات في تكتم كامل، لكي لا تخضع التحقيقات لعمليات مساومة من أطراف نافذة".

المصدر أكد أن "التحقيقات توصلت إلى معلومات صادمة عن حجم المشاكل الأمنية الناتجة عن الانفلات المليشياوي، وكشفت عن وجود مافيات منظمة تمارس مختلف أنواع الأعمال الإجرامية تحت لافتة الحشد الشعبي".

وأشار إلى أن "التحقيق وثق المعلومات التي توصل إليها بأدلة مادية عديدة، ووقائع رواها شهود عيان، وسلمت بشكل شخصي لرئيس الوزراء حسب طلبه".

إجراءات تبييض سمعة

رئيس الوزراء العراقي عقد اجتماعاً مع قيادات الحشد الشعبي، الأحد 5 يناير الماضي، وأطلعهم على ما توصلت إليه التحقيقات من أدلة تثبت ضلوع مجاميع مسلحة تتبع الحشد في ممارسات إجرامية، بحسب المصدر.

وأوضح أن "قيادات الحشد أكدت لرئيس الوزراء أن فصائلها بريئة من الممارسات الخارجة عن القانون، وأنها ممارسات من مجاميع إما أن تكون خارجة عن السيطرة، أو تنتحل اسم الحشد".

وبحسب المصدر، فإن عبد المهدي أمهل قيادة الحشد الشعبي شهراً واحداً لمعالجة الأمر، وإلا فإنه سيتصرف ضمن إطار مؤسسات الدولة لمعالجة حالة الانفلات الأمني.

"الحشد الشعبي" أعلن، في بيان الأربعاء (8 مايو)، إغلاق أكثر من 320 مقراً وصفها بـ"الوهمية" في أنحاء العراق، مشيراً إلى أنها "كانت تدعي انتماءها للحشد".

ووفقاً للبيان فإن "بغداد سجلت أعلى الأرقام للمقرات الوهمية؛ لكونها تتمتع بكثافة سكانية تفوق باقي المحافظات".

وأضاف البيان: إن "الذين تم اعتقالهم بتهم انتحال صفة الحشد كثيرون، وتم عرضهم على القضاء، ليفرج لاحقاً عن البعض، فيما حكم على قسم آخر من المتهمين بارتكاب جرائم والمتاجرة بالمخدرات والتعرض لأملاك المواطنين".

وبحسب وسائل إعلام محلية، لاقت الخطوة ترحيباً كبيراً من قبل العراقيين، خاصة سكان العاصمة بغداد ومدينة الموصل شمالي العراق، الذين تعرضوا لعمليات ابتزاز وانتهاكات واسعة خلال المرحلة الماضية، قال عنها مسؤولون بوزارة الداخلية العراقية، في وقت سابق، إنها تعود لـ"جهات دخيلة" على "الحشد الشعبي"، في معرض دفاعهم عن تلك الفصائل.

فوضى الفصائل داخل الحشد

حين وضعت الحرب على "داعش" أوزارها، وجدت مليشيا الحشد الشعبي نفسها قوةً عسكريةً ضاربةً على الساحة العراقية، في المقابل لم تكن الحكومة العراقية تمتلك تصوراً عن كيفية التعامل مع هذه القوة، بحسب عمار الربيعي، الناشط الحقوقي في منظمة حمورابي العراقية لحقوق الإنسان.

الربيعي قال لـ"الخليج أونلاين": إن "عدم فرض ضوابط على هذه الجماعات حولها إلى شبكات مصالح تسعى للسيطرة على مقدرات اقتصادية للاستقلال بذاتها، ومن هنا أقامت ما يعرف بالمكاتب الاقتصادية، التي تمارس أعمالاً مالية بعيداً عن رقابة وسلطة الدولة".

وأضاف: إن "فصائل الحشد الشعبي ليست كياناً واحداً متناسقاً من حيث المبادئ والأفكار والممارسات، بل هي خليط هجين من مجاميع مسلحة، وبعض هذه المجاميع غير قابل للضبط، فمليشيا حركة حزب الله النجباء على سبيل المثال واجهت مشاكل في التعامل مع مؤسسات الدولة، حتى إن رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، لم يدافع عنها حين أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، في مارس 2019، إدراجها على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، في موافقة ضمنية على الخطوة".

وتابع الربيعي: "بعض هذه الفصائل لها تاريخ إجرامي معروف، ورغم ذلك أدرج الحشد هذه الفصائل تحت جناحه، ومن ثم فإن تبريء الحشد من الأفعال الإجرامية أمر غير منطقي، وهو إعادة إنتاج لسيناريو حل جيش المهدي من قبل مقتدى الصدر، بعد أن مارس جرائم بشعة بحق العراقيين السُّنة (سنوات العنف الطائفي 2006 - 2009)".

وختم حديثه بالقول: إن "حلّ معضلة الجماعات الخارجة على القانون في العراق لا يكمن في معالجات ترقيعية مثل إغلاق مقار هنا وهناك؛ الأمر بحاجة إلى معالجة جذرية ترسخ سيادة القانون وسلطة الدولة".

يشار إلى أن تهم ارتكاب جرائم قتل وتعذيب وسرقة ممتلكات عراقيين خلال المعارك مع تنظيم الدولة وبعدها، بدوافع طائفية، رافقت الحشد الشعبي منذ تشكيله، وتعهد رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، بمحاسبة المتورطين بتلك الجرائم، لكن أياً من المتهمين لم يقدم للمحاكمة حتى اليوم، رغم تقديم دلائل وقرائن على تلك الجرائم، من بينها مقاطع فيديو منتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

دراسات / وكالات







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق