كارثة تصيب الاقتصاد العراقي في الصميم ... بقلم : د. باهرة الشيخلي





تاريخ النشر: 2019-06-20 09:20:52


استيقظ أهالي محافظة نينوى العراقية، السبت الماضي، على مخلفات حرائق واسعة نشبت في عدد كبير من الأحياء دفعت الجيش العراقي إلى إعلان نفير عام للعجلات العسكرية كافة للمساهمة في إخماد الحرائق، إذ نشبت النيران في أحياء عدن والسلام والبنوك والصديق وكوكجلي، إضافة إلى حريق قرب معمل كبريت المشراق، واحتراق المحاصيل الزراعية في برية ناحية الشورة، وفي قرية القاهرة حمام العليل، فضلًا عن حريق قرب قرية طيبة حمام العليل معمل الغاز.

لم تتوقف الحرائق منذ شهر مايو إلى الآن، وشملت مناطق جنوبية ووسطى وشمالية من العراق، لكن الموصل دفعت أثمان أكثر الحرائق في العراق. وتضاربت التصريحات الحكومية بشأن تفسير هذه الحرائق، التي امتدت إلى الأراضي السورية، بنحو لم يشهده العراق من قبل. الموضوعية تقتضي أن نبين أن مثل هذه الحرائق كانت تحدث في الماضي لكن لم يكن يعرف عنها الناس شيئا بسبب مركزية النظام السابق وتكتم الإعلام على مثل هذه الحوادث، لكن حرائق الماضي كانت محدودة وتتم السيطرة عليها بسرعة.

هناك تفسيرات رسمية عزت أسباب الحوادث إلى أمور عديدة أجملها الشاعر العراقي الكبير سامي مهدي، بقوله “ماذا يحدث في الموصل ومحيطها؟ استيقظت الناس اليوم على حرائق عديدة في الموصل وريفها وآبارها النفطية.. هل هذه الحرائق فعل من أفعال الطبيعة؟ أم هي حدثت بفعل إلقاء أعقاب السجائر؟ أم بانطلاق شرارات كهربائية غامضة؟ أم أن الفاعل مجهول، وأن المطلوب تشريد سكان نينوى وتهجيرهم؟”، فيما أرجعت وزارة الزراعة العراقية السبب إلى أن النيران ناتجة عن حرق مخلفات حقول القمح وليس لها أي ارتباط بأعمال تخريبية.

لكن هناك من اتهم داعش والحشد الشعبي بذلك، إلا أن البيانات الحكومية عن حرائق الحقول الزراعية كانت شبيهة بالكوميديا السوداء، فقد توزعت على جملة من الأساطير نحو التماس الكهربائي وأعقاب السجائر وثالثة الأثافي أنها ناتجة عن ارتفاع في درجات الحرارة، إلا أن ما أسقط الأضاليل الرسمية صوت أصحاب الأرض أنفسهم، الذين وجهوا اتهامات مباشرة إلى ميليشيات الأحزاب وإلى أجنحتها المسلحة، إذ رصد الفلاحون ووثقوا أكثر من حالة لإضرام النار في المحاصيل الزراعية في محافظه نينوى على وجه الخصوص التي كان لها النصيب الأعلى في عدد الحرائق.


المتهمون كثر والبيانات الرسمية الحكومية بتضاربها، كانت بمرتبة قنابل دخان للتعمية على الحقيقة، لكن تجارًا ومزارعين عراقيين رأوا أن السوق الإيرانية هي المستفيد الأول من ضرب الاقتصاد العراقي

يعتقد أن حرائق الزراعة هي صفحة أخرى من صفحات الإجهاز على العراق وإلى جوارها صفحات أخرى، الصناعة مثالًا فقد توقف قطاعها بنسبة 90 بالمئة، وتصاعدت أصوات تقول لنبحث معا عن صاحب المصلحة في هذا النمط من التدمير المتعمد.

في مثل هذه القضية لا يمكن اتهام جهة واحدة بالقطع. فالتماس الكهربائي استبعده المواطنون العراقيون، فما الذي يأتي بالكهرباء في مزارع الحنطة الشاسعة، ولكن قد يكون صحيحا نشوء الحريق من شرارة تنطلق من حاصدة أثناء عملها، كما أشار بيان مديرية الدفاع المدني في العراق، الذي قال إن عدد الحرائق في البلاد بلغ 272 حريقا، أسبابها؛ 74 حادث عطب أسلاك كهربائية، و35 حادثا متعمدا، و25 حادث شرارة نار من الحاصدة، و22 حادثا بسبب رمي أعقاب السجائر المشتعلة، و32 حادثا مصدره نار خارجية، و84 حادثا لم تحدد بشأنه من قبل الأدلة الجنائية، لكن الرقم الذي أوردته المديرية يمثل 50 بالمئة من الحرائق التي شهدتها محافظة نينوى فقط، والتي يتصاعد عددها.

وحتى ما أوردته المديرية نفسها عن “عدد المساحات المحترقة خلال الفترة الماضية المحددة من الثامن من مايو حتى إصدار البيان بلغت أكثر من 40 ألف دونم”، و”عدد المساحات التي أنقذت من النيران بلغت أكثر من 992 ألف دونم زراعي”، كانت أرقامًا شكك بها العراقيون لتحول الحرائق إلى ظاهرة كبيرة لم تعرف لها البلاد مثيلا.

إن المتضررين والمراقبين الموضوعيين قللوا من مصداقية المعلومات التي وردت في بيان الدفاع المدني وحين كرر رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي تلك المعلومات، من دون تدقيق، استقبل تصريحه بكثير من الاستغراب والاستنكار والسخرية.

يعلل بعض الناس بأن تجارا عراقيين لهم صلة بالحكومة تعاقدوا على استيراد كميات كبيرة من الحنطة، ولما كان موسم زراعة الحنطة جيدا لهطول أمطار غزيرة ومبكرة على العراق، فإن أولئك التجار نظموا هذه الحرائق لإنقاذ تجارتهم من الكساد كما فعلوا عندما سمموا أسماك البصرة فاستورد العراق السمك من إيران. طبعا هذا سبب ربما يكون صحيحا أو غير صحيح، لكنه من الأسباب التي يمكن وضعها تحت النظر.

هذه الحرائق شملت مدنا خرجت حديثا من سيطرة تنظيم داعش، وأهمها مدينة الموصل التي تشهد منذ شهر، بشكل يومي، حرائق لمزارع الحنطة والشعير، وهو أمر عدّه نائب رئيس مجلس محافظة نينوى نورالدين قبلان عملا تخريبيا يستهدف الأمن الغذائي للمواطنين، وقال “منذ مدة تقارب الشهر وبعد أن انطلق موسم الحصاد لمحصول الشعير بداية في محافظة نينوى بدأت الحرائق بشكل شبه يومي في الفترة الماضية، خاصة في العشرة أيام الأخيرة كانت بشكل يومي وفي عدة مناطق”، موضحا ضعف إمكانيات مديريات الدفاع المدني في المحافظة لمواجهة هذه الحرائق المفتعلة والسيطرة عليها.

من تصريح السيد قبلان يلمس المواطن مدى إهمال وتقصير حكومة المستوطنة الخضراء في التفاعل مع هذه الظواهر، فهي لم تتخذ أي إجراء لتقوية إمكانيات الدفاع المدني، بعد حادث غرق العبارة في نهر دجلة في الموصل قبل شهور، والذي ذهب ضحيته مواطنون كثيرون، كما لم تقدم وزارة الداخلية العراقية أيا من الجناة الحقيقيين ممن يقفون وراء إشعال الحرائق إلى العدالة، رغم تقديمها جملة من الأسباب التي أدت إلى إحراق مساحات بلغت أكثر من 37 ألف دونم زراعي، حسب إحصاءات رسمية. من صاحب المصلحة في هذا النمط من التدمير المتعمد؟

النظام الإيراني بدأ بإشعال الحرائق في العراق لتشتيت الأزمة بين طرفي الصراعالنظام الإيراني بدأ بإشعال الحرائق في العراق لتشتيت الأزمة بين طرفي الصراع

المتهمون كثر والبيانات الرسمية الحكومية بتضاربها، كانت بمرتبة قنابل دخان للتعمية على الحقيقة، لكن تجارًا ومزارعين عراقيين رأوا أن السوق الإيرانية هي المستفيد الأول من ضرب الاقتصاد العراقي، لتكون السوق العراقية محل تصريف طويل الأمد للبضائع الإيرانية في مواجهة العقوبات الأميركية، مستشهدين بكارثة نفوق الأسماك وتلف محاصيل الطماطم، وجميعها منتجات كان العراق على وشك إعلان اكتفائه الذاتي منها.

وما يدعم شكوك المزارعين والتجار العراقيين في توجيه أصابع الاتهام نحو إيران، هو امتلاكها أذرعًا طويلة داخل البلاد وسطوة كبيرة لميليشياتها تمكنها من إشعال الحرائق من دون حسيب أو رقيب.

وكذلك رأى آخرون أن النظام الإيراني بدأ بإشعال الحرائق في العراق لتشتيت الأزمة بين طرفي الصراع، وذلك ما خرجت به غرفة العمليات المشتركة لميليشيات الحرس الثوري بقيادة قاسم سليماني أثناء زيارته الأخيرة التي أُريدَ لها أن تكون سرية.

وأيًّا كان المتهم في هذه الكارثة، التي أصابت الاقتصاد العراقي في الصميم، والتي أزهقت أرواح مزارعين كثر أثناء محاولتهم إنقاذ مزروعاتهم، فإن المستوطنة الخضراء تبقى المتهم الأكبر لعدم جديتها في مواجهة مسؤوليتها وعجزها عن إيجاد الحلول لهذه الكارثة، بل ولتضييعها الحقائق، من خلال عدم تحقيقها وتقديم الجناة إلى العدالة.

 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق