هجوم على عازفة في بلاد أبدعت القيثارة ... بقلم / د. باهرة الشيخلي





تاريخ النشر: 2019-08-07 09:12:46


الضجة الكبيرة، التي أحدثها المعممون وسياسيو أحزاب الإسلام السياسي بشأن عازفة كربلاء، هي العين الحقيقية التي ينظر من خلالها صناع التجهيل إلى المرأة، وهي الموقف الفاضح لدور هؤلاء في قتل مظاهر الجمال جميعها في بلاد ما بين النهرين.

فمنذ قُتل الحُسين بن علي بن أبي طالب في كربلاء في العاشر من محرم سنة 61 هجرية، بعد قتال عنيف مع الجيش الأموي، أصيب فيه الحسين بجروح شديدة وسقط عن فرسه، فقطع رأسه شمر بن ذي الجوشن، وأرسل رأسه ونساءه وأطفاله إلى عاصمة الدولة الأموية دمشق، والمدينة تفتخر بأن ترابها يضم جثته بوصفه سبط النبي محمد المستشهد ذودًا عن دينه، ومنذ فكر الصفويون بتأسيس إمبراطوريتهم اتخذوا من التشيع ستارًا لتحقيق حلمهم، جعلوا من كربلاء رمزا ولفقت جوقة المعممين التابعة لهم أحاديث نسبوها إلى أئمة أهل البيت النبوي في فضل كربلاء وزيارتها والصلاة فيها، بالتزامن مع تأسيسهم وزارة خاصة بالطقوس، التي ترافق الاحتفال بذكرى استشهاد الحسين من لطم وبكاء وضرب للرؤوس بالمدى الطويلة والظهور بالسلاسل الجارحة، ومع مرور السنين جعلوا الناس ينسون لماذا ثار الحسين وما هي رسالته، ولا يتذكرون غير هذه الطقوس المبتدعة التي منعتها إيران على أراضيها وتغذيها في العراق والبحرين وكل مكان تصل إليه.


ولأن الحكم في إيران وعلى مدى قرون اعتاش على هذه الفرية والأكاذيب، فإن وكلاء إيران عندما جاءوا خلف الدبابات الأميركية سارعوا إلى سن قانون “قدسية كربلاء”، الذي “يجرّم” أي أجواء احتفالية أو سماع الأغاني في الأماكن العامة، كما يحظر دخول النساء غير المحجبات إلى المدينة، ليعتاشوا، هم أيضا، على فرية افتراها الصفويون.

أقيم حفل افتتاح بطولة غرب آسيا لكرة القدم في ملعب كربلاء الأولمبي خارج المدينة، وشهد فعاليات فنية ومسرحية شاركت فيها مجموعة من الفتيات عبر تقديم عرض راقص وعزف للنشيد الوطني العراقي على آلة الكمان، وهي كلها مما جرى أكثر منه في مركز المدينة في وقت سابق، حتى دفعت موجة الانتقاد التي قادها مسؤولون محليون وقيادات دينية وسياسية، واشترك فيها بحماسة رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي، أحد المغردين إلى التساؤل: هل أن أبناء كربلاء يقيمون أعراسهم في مدينة الحلة المجاورة؟ ثم أين هي هذه القدسية عندما يقيم الطائفيون حفلاتهم الراقصة التي درجوا على إقامتها في مناسبة يسمونها “فرحة الزهرة”؟

هذه الضجة التي أشعلها المعممون والحكام الفاشلون ليست حرصا على قدسية كربلاء، كما يزعمون، وإنما لصرف النظر عن فشلهم وإمعانا في سياستهم بتجهيل المجتمع، وإلا لماذا تفاعل أبناء كربلاء مع حفل الافتتاح داخل الملعب ولم يتظاهروا ولم يحتجوا، وقامت قيامة المعممين وأحزاب تسمي نفسها إسلامية، فتظاهروا واحتجوا وهددوا وتوعدوا.

هؤلاء الدجالون اعتادوا على تسويق سمومهم مغلفة بالدين لأن دجلهم هو الدم الوحيد، الذي يعيشون به، وهم منظومة التجهيل المتعمد للأجيال، التي هدمت ولا تزال تهدم حضارة بلد شع بنوره على العالم منذ آلاف السنين، وقد آن الأوان لفضحهم على كل مستوى، فقد أصبح تقديم عرض راقص محتشم وعزف للنشيد الوطني العراقي على آلة الكمان “تجاوزًا لحرمة المدينة وهتكًا لقدسية مدينة الإمام الحسين عليه السلام”، على حد وصف المالكي، بينما تغطي تلال الأوساخ والنفايات المدينة، وسرقة أموال الشعب الذي يبحث في النفايات عن لقمة عيشه لا تعد، في ملة المعممين والأحزاب الإسلامية واعتقادهم، انتهاكًا لتلك القدسية.


وكلاء إيران عندما جاءوا خلف الدبابات الأميركية سارعوا إلى سن قانون “قدسية كربلاء”، الذي “يجرّم” أي أجواء احتفالية أو سماع الأغاني في الأماكن العامة، كما يحظر دخول النساء غير المحجبات إلى المدينة

يقول أستاذ الفلسفة في جامعة بغداد، سابقًا، عبدالستار الراوي، إن عازفة الكمان أرادت أن تذكر أن بلاد الرافدين، التي صنعت الكثير من حقائق الوجود الإنساني في الكتابة والقانون والأدب والحكمة هي البلاد نفسها، التي اكتشفت السلم الموسيقي، وهي وحدها لا غيرها أو قبلها من الحضارات، التي ابتكرت القيثارة ومنها انطلقت إلى الكوكب كله.

أحد المعممين، وهو علي الخزاعي، أفصح، من حيث يدري أو لا يدري، عن أحد أسرار الهجمة على عازفة كربلاء، فهو بعد أن هاجم فعاليات افتتاح بطولة غرب آسيا، وعدّها خروجًا عن الشرع وأنها “لا تنسجم مع منظومة الإمام الحسين”، دعا إلى “الاستفادة من التجربة الإيرانية”، مؤكدًا أن “الإيرانيين سجلوا أروع الملاحم وأخذوا أعظم الكؤوس مع التزامهم بالحجاب”.

وبيّن “لسنا طالبانيين (إشارة إلى حركة طالبان المتطرفة) ولا سلفيين، بل تمكنّا من إنتاج النموذج الخميني ونموذج غاندي اللذين امتدحا الإمام الحسين في كلمات مشهورة”. هنا بيت القصيد: إيران لا غيرها، ما دعا أحد كبار الكتاب العراقيين إلى أن يصرخ، في مقال كتبه “إنهم يدفعون بالعراق إلى الحضن الإيراني”.







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق