قصة قصيرة عن الانحطاط الأخلاقي في العراق (الديمقراطي)! ... بقلم : هارون محمد





تاريخ النشر: 2019-08-07 09:16:13


عندما احتل الأمريكان العراق في نيسان (أبريل) 2003، حملوا معهم، عادات غريبة على المجتمع العراقي، وتقاليد طارئة على نسيجه الشعبي، سرعان ما تلقفتها الجماعات والأحزاب والمنظمات المتعاونة أو المتعاطفة مع الاحتلال، ونشرتها، على نطاق واسع، في العاصمة بغداد والمحافظات، أبرزها تنويع الممارسات (المافياوية) في السلب والسطو والخطف، حتى وصلت الى داخل الحي الواحد، نزولاً إلى العائلة الواحدة أو البيت الواحد، الأمر الذي أدى إلى تصدع اجتماعي وانحلال أخلاقي، مع ما رافق ذلك من تهييج طائفي، واستهداف للنخب الأكاديمية والعلمية والثقافية والفنية والرياضية والعسكرية، وتحريض على استهداف الكفاءات والمرموقين في مهنهم واللامعين في ميادين أعمالهم.

ولأن الشارع العراقي، تاريخياً وسياسياً، برغم انجراره إلى اصطفافات حزبية، وصراعات سياسية، في أوقات سابقة، بعضها عنيف أدى إلى اقتتال ودماء وضحايا، الا انه حافظ على الجانب الاجتماعي من الحياة العراقية، وظل متماسكأً، في أغلب الأحيان، واستمر التعاضد والمروءة والترفع عن الأساليب الرخيصة، سائداً في منظومة مشتركة جمعت العراقيين، على اختلاف طبقاتهم ومناطقهم وانتماءاتهم واهتماماتهم، في احترام العلماء والخبراء والأطباء والقضاة وأساتذة الجامعات والمعلمين والمبدعين في الآداب والفنون والرياضة، وأصحاب البصمات في الإدارة والقوات المسلحة والأجهزة المختلفة، حتى بعد اعتزال وظائفهم أو تقاعدهم.

وحظي الأطباء في العراق، بنوع خاص من التقدير الجماعي، وخصوصاً، الذين يجمعون بين المهارات والمروءة والحس الانساني، حتى أن الكثير منهم، صارت له حصانة شعبية، وصلت في بعض المراحل، إلى مناهضة قرارات رسمية، ومعارضة اجراءات حكومية استهدفت عدداً منهم لأسباب شخصية أو سياسية، وأذكر أن عدداً من الأطباء الاختصاصيين ممن تعرضوا إلى عقاب مزاجي من قيادة النظام السابق، بسحب شهاداتهم الجامعية، ومنعهم من ممارسة مهنتهم، وكأن القيادة، عمادة كلية أو رئاسة جامعة أو نقابة أطباء، باتت لهم شعبية أكثر، وتفنن المواطنون وكثير منهم بعثيون، في اللقاء بهم ومراجعتهم في بيوتهم ، بصفة ضيوف وأصدقاء ومعارف وأقارب، معرضين أنفسهم إلى متاعب محتملة.

أما الأطباء، الذين عملوا في الأقضية والنواحي والأرياف، فإنهم تحولوا في عيون الناس هناك، إلى أبطال وقديسين، تنهال عليهم الهدايا من دجاج وخراف وتمور وفاكهة وألبان وأجبان، برغم بساطتها، إلا أنها تعكس محبة السكان وامتنانهم لمن يخدمهم ، هذا كله كان في سنوات الزمن الجميل، وأيام الخير، قبل أن يداهم الطاعون الأمريكي البلاد، ويحولها إلى حصص وغنائم، انتفع منها قادة أحزاب ومعممون وجماعات مغمورة وعصابات مأجورة.

هذه المقدمة القصيرة عن الأطباء العراقيين، كيف كانوا سابقاً.. وأين أصبحوا حالياً؟ بعد أن صاروا عرضة للابتزاز والتهديد والخطف، وضحايا للـ(الدكات) العشائرية، حتى وصل الأمر إلى إجبار عدد منهم على دفع (ديّات) وتعويضات مالية، على رغم أنهم بذلوا جهوداً استثنائية في علاج مرضاهم، تقودنا إلى رسالة يتداولها العراقيون، هذه الأيام، بأسى وألم، نشرها طبيب عراقي متميز، وجراح مبدع، أصر على البقاء في بغداد، يمارس مهنته النبيلة، بصدق وأمانة، غير آبه بالتهديدات الداخلية، التي حاولت ابتزازه، وغير معني بالاغراءات المالية والوظيفية والترفيهية، التي وصلت اليه من الخارج، وظل صامداً شعاره: (بلدي أولى)، إلى أن حصلت له حادثة في منتصف العام 2015، هزت كيانه، وزعزت ثقته بالناس، وأجبرته على إغلاق عيادته الطبية، ومغادرة وطنه، إلى بلجيكا، التي يقيم فيها حالياً.

ولعل أبرز ما في رسالة الدكتور علي الأسدي، عنوانها، الذي يجمع بين المحبة المبطنة بالعتب، والسخرية الطافحة بالوجع: (أسعدتم صباحاً أعزائي في عراق ما بعد التحرير.. شكراً لجشعكم!)، وهو عنوان يحمل مرارةً وإحباطاً، ويعكس خيبة أمل ومعاناة، والرسالة هي قصة قصيرة، تمثل واحدة من صور انهيار الدولة وانحطاط القيم، وغياب القانون، ومفادها أن الاسدي فوجيء ذات يوم من تموز (يوليو) 2015، برجل أربعيني، رث الثياب، هيئته تدل على أنه رقيق الحال، يقتحم عيادته الطبية وهو يصرخ من جرح نازف (هرسي) في أحد أصابعه، مما جعل الطبيب الجراح يستأذن من مرضاه المنتظرين، وينصرف إليه، ويجري له على وجه السرعة، عملية جراحية، أوقفت نزيف اصبعه، وأسكنت الآمه، ولم يطلب منه أجراً غير تكاليف المواد المستخدمة في العملية، وتساوي بحدود 15 دولاراً، إلى هنا والقصة عادية، مريض فقير وطبيب مُحسن، ولكن ما يُحزن، أن يعود هذا المريض إلى العيادة الطبية، بعد شهر من مراجعته الأولى، وبرفقته محام، ويطالب الطبيب الجراح بتعويض مالي، بذريعة أنه أجرى عملية جراحية لإصبعه أدت إلى بتره، ولا بد من دفع (المقسوم) بما يساوي،  فقدان اصبعه (الغالي) ولما ذكرّه الطبيب أنه جاء إليه وطرف اصبعه (مهروس) أي مبتور، وأنه أجرى اللازم، وبسرعة بالغة، تحسباً من مضاعفات محتملة، تدخل المحامي مهددا الطبيب، أثبت ذلك في المحكمة!

ولأن الطبيب واثق من نفسه، فقد استعد لمحاكمة فُرضت عليه نتيجة موقف إنساني أبداه أزاء شخص لاذ به، وطلب مساعدته، ولكن كيف يقاوم، تهديدات مريض نذل، وتلويحات محام وغد، وتحركات قاض مرتش يحقق في القضية؟ ولكم أن تتصوروا وضع طبيب، أدى واجبه الإنساني والمهني بنزاهة وإخلاص، وهو يًستدعى إلى المحاكم، ويُصبح متهماً، في قضية أشبه ما تكون من نسج الخيال! والأدهى أن المحامي والقاضي فيها، وهما من أركان القانون، يعرفان الحقيقة بتفاصيلها، ويعلمان أن الطبيب على حق، ولكنهما يمضيان في تحريض المريض، الجاهل أو المتخلف أو النصاب، على الثبات وأخذ حقه (الضائع)!

وعلى مدى عامين، والمحكمة تؤجل جلساتها، وترجيء إصدار حكمها، لأن القضية (دسمة) والقانون في العراق، بات قطعة مطاط، يمكن سحبها إلى أي اتجاه، وفقاً لرغبة الأقوياء وأصحاب النفوذ، ولكن (عفية) للطبيب صموده وصبره وعلو همته، مع أن النتيجة، كانت خسارة العراق لاحد أبنائه المبدعين، وكسب لبلجيكا (حاضر محضر)، ولكن رغم ذلك نقولها بعالي الصوت: شكراً لك دكتور علي الأسدي، فقد كشفت عن جزء ولو يسير، من (عوراتنا) الكثيرة!.







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق