إتفاق اللاتفاق ... بقلم : بيار روباري





تاريخ النشر: 2019-08-13 00:44:58


 

برأي "إتفاق اللاتفاق" أفضل تسمية يمكن إطلاقها على ما إتفقت عليه تركيا وأمريكا بخصوص ما يطلق عليه تجاوزآ "المنطقة الآمنة". وقبل الحديث عن هذا الإتفاق المزعوم، دعونا نلقي نظرة على مفهوم المنطقة الأمنة أولآ، لكي يكون ذلك خلفية للموضوع الذي نحن بصدده، والذي يشغل بال الجميع هذه الأيام، وعلى كافة المستويات السياسية والعسكرية والأمنية في المنطقة وخارجها. 

المنطقة الأمنة بالمختصر، هي منطقة محددة جغرافيآ فيها إضطرابات وتؤثر على جوارها.، يتم الإتفاق من قبل أطراف معينة معنية بذلك، على فرض الأمن فيها بالقوة العسكرية وعبر الأجهزة الأمنية المكلفة بتحقيق الأمن فيها، والحفاظ على حمايتها من الأعداء الخارجيين والداخليين، الذين يحاولون زعزعة أمن المنطقة.

هل هذه العوامل تنطبق على منطقة شرق الفرات وتحديدآ الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا (غرب كردستان)؟ الجواب بالتأكيد لا.
لأن أكثر منطقة في سوريا أمنآ وأمانآ، هي منطقة الجزيرة الكردستانية ولم تشهد المنطقة أي إضطرابات
منذ سيطرة القوات الكردية عليها.
ولم تشهد الحدود المشتركة بين غرب كردستان والدولة التركية في هذه المنطقة، أي حادثة إطلاق نار على الإطلاق وتحديدآ من الجانب الكردي. بينما العكس تركيا هي التي كانت تقصف المناطق الكردية بين الحين والأخر بالمدفعية الثقيلة وراجمات الصورايخ بهدف زعزعة أمن المنطقة وترويع المواطنين، كما كان الحال في منطقة عفرين قبل إحتلالها.

من هنا يتضح مَن هو المعتدي، ومَن يهدد مَن. ومَن بحاجة إلى حماية دولية بالفعل. ولو كانت تركيا فعلآ مهددة من قبل الكرد، لماذا لا تقيم المنطقة الأمنة داخل أراضيها؟ مثلما بنت جدار العار مع مناطقنا؟؟؟؟ وهل الكرد في غرب كردستان يملكون القدرة على تهديد الأمن التركي؟ بالتأكيد لا.
الجميع يدرك بأن مثل الكلام هو مجرد كذب ودجل أطلقه القادة الأتراك، لأخذه كحجة للتدخل في الشأن السوري الداخلي، بهدف منع الكرد من نيل حقوقهم القومية المشروعة. ويعتدقون أن ذلك سيكون له تأثير مباشر على وضع الكرد في شمال كردستان، والذين يبلغ تعدادهم إلى أكثر من 30 مليون مواطن كردي محرومين من كافة حقوقهم كما الحال في سوريا وإيران.

والأن لنعود لموضوعنا الأساسي وهو الإتفاق التركي - الأمريكي. حسب قناعتي هو شبه إتفاق سعى من خلاله الأمريكان لزحلقة اردوغان. لأن السماح بإقامة منطقة آمنة بالمفهوم التركي المروف يعني إحتلالآ عسكريآ مباشر لنصف سوريا، إذا ما أضفنا إليها المناطق التي يحتلها تركيا الأن وهي جرابلس وإعزاز والباب وعفرين ودار عزة وإدلب. وهذا يعني إخراج الأمريكان من سوريا وإنهاء دورها نهائيآ. وهذا ما لن تقبل به واشنطن على الإطلاق لأسباب إستراتيجية تتعلق بإيران وروسيا وإسرائيل ومحاربة الإرهاب وقضايا النفط والغاز.
ولهذا كل ذلك الهلع من قبل بعض الكرد، لم يكن مبررآ حسب قناعتي الشخصية، ولكن الإحتياط واجب وضروري في مكان وزمان. الأمريكان لم يرفضوا طلب تركيا ليس حُبآ بالكرد، وإنما حُبآ بمصالحهم السياسية والأمنية وصراعهم مع العديد من الدول التي ذكرناها أنفآ، ولا ننسى الخلافات الحادة بين تركيا وأمريكا بخصوص العديد من ملفات المنطقة. بدءً من محاصرة ايران إقتصاديآ، مرورآ بالدعم التركي للجماعات التركية، ثم معارضة تركيا للمشارع الأمريكية في المنطقة، وإنتهاءً بصفقة صواريخ
س 400.

وكلنا يدرك بأن تركيا لا تستطيع مواجهة أمريكا في سوريا، وإذا تمادت تركيا في غيها، فبإستطاعة
أمريكا تدمير الإقتصاد التركي، وحصار نظامها بالعديد من الأزمات السياسية والأمنية، وعلى رأسها
القضية الكردية الملتهبة داخليآ.

وفي المقلب الأخر، إن كل من ايران وروسيا والنظام السوري، لن يقبلوا بسيطرة تركيا على نصف مساحة سوريا، وخاصة أن المنطقة تحتوي على أكبر حقول النفط والغاز، وأحواض مياه الشرب، والثروة الحيوانية والغذائية.
الروس سعوا لتفعيل إتفاقية أضنة بين النظام وتركيا ولكنها لم تفلح إلى الأن. وكانوا يهدفون الى إقامة منطقة آمنة متفقة عليها بين النظام السوري والتركي، يكون أساسه إتفاق أضنة، وعمقها خمسة كيلومتر، وإعادة بسط سيطرة النظام على المناطق الكردية بشرق الفرات، لكن الأمريكان لم يعطوا المجال للروس بتحقيق هدفهم هذا، عبر دعم قوات قسد وحمايتهم عسكريآ.

وفي النهاية، الأتراك إضطروا للإكتفاء بهذا البيان، لحفظ ماء وجهم. وغرفة العمليات المشتركة لن يكون لها أي دور في الواقع. لأن على الأرض الأمريكان هم من لديهم المعلومات الحقيقية، وسيزودون الأتراك بما يرغبون وليس ما يطلبه الأتراك. وبهذه الخطوة قطع الأمريكان الطريق على السيد اردوغان بتحقيق مطامعه التوسعية الإحتلالية.

الأمريكان يدركون جيدآ، كما يدرك الكرد بأن هدف تركيا الحقيقي هو أكبر وأوسع من الشريط الحدودي ويشمل كل منطقة الجزيرة وكامل الشريط الحدودي مع جنوب كردستان والعراق وخاصة منطقة شنكال.
وكما يدركون بأن إنشاء ممر أمن لعودة اللاجئين السوريين لمنطقة الجزيرة، هدفه الحقيقي هو خلق فتنة بين الكرد والعرب، وبالنهاية تغيير ديمغرافية المنطقة، وهذا لن يسمح به الكرد نهائيآ.

وفي الختام، على الإخوة في قيادة قوات سوريا الديمقراطية، أن يكونوا على أهبة الإستعداد للدفاع عن منطقة الجزيرة، بكل ما يملكون من قوة وعزيمة، إنها قضية حياة أو موت، للكرد وجميع مكونات المنطقة. وعلى جميع الكرد الشرفاء دعم أهلنا في منطقة الجزيرة بكل ما يملكون، كي نتجنب ما حدث لعفرين. وأخص بالذكر حزب العمال وأنصاره في شمال كردستان. على حزب العمال الكردستاني فتح حرب أهلية في تركيا، في حال تعرض الجزيرة الكردية لهجوم من قبل عصابة اردوغان الإجرامية، ولا يلتزم الصمت كما في حالة عفرين.
وختاما أقول للقيادة الكردية في الإدارة الذاتية، لا تثقوا بأمريكا ووعودها نهائيآ. ففي النهاية أمريكا لن تدخل في مواجهة عسكرية مع تركيا من أجل عيون الكرد.







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق