العراق مع الثورة التشرينية الشبابية ... بقلم : ضياء الشكرجي





تاريخ النشر: 2019-10-06 20:39:08


نعم، إنها ثورة، سواء حققت أهدافها، أو لم تحققها، وهي ثورة الشباب، لا ثورة الأحزاب. ثورة جيل لم يعش 14 تموز، ولا 8 شباط، ولا 17 تموز، جيل لم يشهد ثورة الخميني، ولا الحرب العراقية الإيرانية، ولا احتلال الكويت، ولا انتفاضة آذار. وكما كتب الكاتب علي وجيه، إنه جيل لم يقرأ (رأس المال)، ولا (فلسفتنا) ولا (في سبيل البعث). إنها ليست ثورة صدريين، ولا شيوعيين، ولا بعثيين، ولا أتباع مرجعية عليا ولا غير عليا. وذكر من ذكرت لا يعني أني أساوي بين كل منهم، بل عن كل منهم حديث يناسبه، بإيجابياته وسلبياته. من هنا يتميز حراك 2019 هذا عما سبقه عام 2011 وعام 2014، دون أن نبخس لأصحاب الحراكين السابقين حقهما، وكاتب هذه الصدور كان من المشاركين في الأول في عهد نوري المالكي.

الذي حرك شباب ثورة تشرين الأول 2019 معاناتهم، وحرمانهم، من أبسط شروط العيش الكريم، من الماء والكهرباء، ومن فرص العمل، وحركهم مقتهم لحيتان الفساد وسراق المال العام، والمتاجرين بدينهم ومذهبهم ومقدساتهم، وحركهم رفضهم للنفوذ الإيراني. إنها ثورة لا تختفي وراءها أصابع من وراء الحدود، سواء الحدود الشرقية، أو الشمالية، أو الجنوبية، أو الغربية. فهي عراقية، شبابية، عفوية، وهكذا أؤكد عراقية انتفاضتي 2011 و2014 مع ما تتميز هذه الأخيرة عنهما.

بالرغم أن أحداث هذا الحراك الأخير قد شدنا جميعا منذ يومه الأول، إلا أني شخصيا احترمت نفسي، ولم أسارع في الكتابة، قبل أن تتضح لي الصورة، لأن الشباب الثائرين فاجأونا وفاجأوا الجميع. هذا مع احترامي لمن سارع في الكتابة، لأنه ربما توفر لديه من الوضوح أكثر مما توفر لدي.

لا أسمح لنفسي، أن أمارس الوصاية على الثوار، ولكن ليأذن لي شبابنا الثائر، الذي أنحني له، أن أنبه إلى بعض النقاط، والتي بلا شك هناك منهم الكثيرون الملتفتون إليها، ولكن بسبب العفوية، وعدم وجود قيادة موحدة، أو على الأقل عدم وضوح هذه القيادة، إن وجدت، لي ولأمثالي، يكون من الطبيعي أن تتعدد الشعارات، ولعلها تتعارض مع بعضها البعض أحيانا بدرجة أو أخرى.
•شعار إسقاط الأحزاب: وهو نِعْمَ الشعار، لأن الأحزاب المتنفذة أو المشاركة في السلطتين التنفيذية والتشريعية، تكاد تكون كلها تتحمل مسؤولية ما آل إليه العراق من وضع كارثي منذ نيسان 2003 وحتى يومنا هذا، والتي لا تتحمل المسؤولية، إن وجدت، فهي لا أقل من كونها فشلت، أو هي ليست ذات تأثير يذكر.
• شعار إسقاط النظام: فرق بين العملية السياسية والنظام السياسي، فنحن لا نريد إلغاء النظام الجمهوري، لنتحول إلى نظام ملكي، ولا من دولة ديمقراطية إلى دولة مستبدة، ولا من الفيدرالية إلى الحكم المركزي. لكن اعتراضنا هو على الديمقراطية المشوهة، وعلى النخبة السياسية المتنفذة أو المؤثرة. الجماهير الثائرة يمكن أن تطالب بإسقاط حكومة، أو بحل لمجلس النواب، ولكن يبقى النظام قائما، حتى لو طالبنا، وهي مطالبة حقة، بإسقاط العملية السياسية القائمة.
•شعار إصلاح النظام: وهذا شعار دقيق، وقد أكدنا عليه في حراك 2011، في مقابل الأصوات العفوية التي نادت آنذاك أيضا بإسقاط النظام.
•شعار تغيير النظام: هذا الشعار لا يختلف كثيرا عن إصلاح النظام، ويمكن أن يكون خطوة متقدمة عليه، لأن التغيير قد يعني الإصلاح الجذري والشامل، وهو المطلوب بالفعل، إذن لينادِ الثوار بالتغيير، لا بإسقاط النظام.
•شعار التحول إلى النظام الرئاسي: السلطة التشريعية والرقابية المتمثلة بمجلس النواب (وبالجمعية الوطنية في المرحلة الانتقالية) فشلت في أداء مهامها الوطنية، في كل دوراتها الأربع، أو الخمس، إذا احتسبنا الجمعية الوطنية معها، كمرحلة تأسيسية، فبكل دوراته في (2005، 2006، 2010، 2014، 2018)، فشل مجلس النواب، لأنه متكون على الأعم الأغلب من القوى السياسية المسؤولة عن الوضع الكارثي في العراق، سواء الشيعية أو السنية أو الكردية منها، باستثناء عدد قليل من النواب، لا يتعدون عدد أصابع اليد الواحدة، أو في أقصى حد عدد أصابع اليدين، في كل دورة. ولكن فشل مجلس النواب، أو حتى سوء أدائه، ومشاركته في تحمل مسؤولية ما يعاني منه العراقيون، لا يعني وجوب التحول إلى النظام الرئاسي، كما إن التطبيق السيئ للنظام الفيدرالي، لا يعني وجوب العودة إلى النظام المركزي، فكل من النظام الرئاسي والنظام المركزي يختزنان خطورة الاستبداد، أكثر مما هو الحال مع النظام النيابي والاتحادي. فلو حققت الثورة نجاحها، وحاسبت القوى السياسية عما ارتكبته بحق العراق وشعبه، وحظرت الأحزاب المسيسة للدين، والممارسة للخطاب الطائفي، والمتاجرة بالمذهب، والمتورطة بالفساد المالي أو بأعمال العنف، ثم جرى العمل على تأسيس أحزاب بديلة، وطنية وملتزمة بمبدأ المواطنة، أي ليست شيعية ولا سنية، وملتزمة بمبدأ الفصل بين الدين والسياسة، ولم يتورط أي من قادتها لا بالفساد، ولا بالعنف، ولا بتسييس الدين، ولا الخطاب الطائفي، عندها سنكون وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح. فأرجو من المطالبين بالتحول إلى النظام الرئاسي أن يخبرونا، أي من الأنظمة الرئاسية هي نموذجهم، الأمريكي برئاسة دونالد ترامپ، أم الروسي برئاسة ڤلاديمير پوتين، أم التركي برئاسة رجب تيپ أردوغان، أو المصري برئاسة عبد الفتاح السيسي. ما نحتاجه ليس نظاما رئاسيا، بل نظام جمهوري ديمقراطي اتحادي علماني، يعتمد مبدأ المواطنة، كما ورد في مشروع «دستور دولة المواطنة».

أخيرا من المهم أن يبقى كل من الصدريين، والشيوعيين (مع احترامي)، والحكيميين، بعيدا عن هذا الحراك، وألا يسمح للبعثيين، إن وجدوا، أن يستغلوه ويدخلوا في صفوف الشباب الثائر.







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق