مرجعية السستاني والاحتلال ... بقلم : د. موسى الحسيني





تاريخ النشر: 2019-10-06 21:28:37


لعل من بين الاسماء الاكثر تردداً في مذكرات بريمر هو علي السستاني الذي يوصفه منذ البداية بانه متعاون جدا من اجل مساعدة قوات الاحتلال على تحقيق اهدافها. يقول بريمر :”شجع القادة الشيعة، بمن فيهم آية الله السستاني، اتباعهم على التعاون مع ألائتلاف منذ التحرير.”(ص:75). وأكد بريمر أنه كان على اتصال دائم بالسستاني للاستفادة من أستخدامه في السيطرة على الشعب العراقي، لكن ذلك لم يتحقق بالصلة المباشرة بل كان يتم عبر وسطاء عدة منهم حسين الصدر، وموفق الربيعي، وعماد جعفر، واحياناً عادل عبد المهدي والجلبي. فالسستاني يفضل أن لايجتمع مع أحد من ألأئتلاف لأنه كما فسر ذلك أحد مساعدي بريمر، لايحتمل ” ان يُشاهد علناً بأنه يتعاون مع القوى المحتلة، فثمة أطياف لسنة 1920، وما صاحبها، وعليه أن يحمي جانبيه من المتهورين مثل مقتدى. لكن آية الله سيعمل معنا. فنحن نتقاسم الأهداف نفسها ” (ص : 213-214)

ولكي لايسئ بريمر فهم السستاني، لم يبخل السستاني في أن يرسل رسالة له يبلغه الى أنه لم يمانع عن الاجتماع به ” بسبب عدائه للائتلاف “، بل انه ” تجنب الاتصال العام مع الائتلاف يتيح له أن يكون ذا فائدة أكبر في مساعينا المشتركة، وأنه قد يفقد مصداقيته في أوساط المؤمنين أذا تعاون علناً مع مسؤولي.” (ص : 214).

تلك خلاصة لتوصيف طبيعة العلاقة المتاصلة. وسنناقش بقية التفاصيل خلال المناقشة.

مفاهيم اساسية :
قبل الدخول في صلب الموضوع سنذكر ببعض المفاهيم الاساسية المستخدمة او التي تستخدم على الارض الان، لنرى أين يقف هذا الساكت عن الحق علي السستاني منها :

الاجتهاد والمرجعية : الاجتهاد هو ان يبلغ الانسان درجة من المعرفة والعلم بعلوم القرآن والحديث،والسيرة، واللغة ما يمكنه من استنباط الحكم الشرعي حول مستجدات الحياة التي لم يرد بها نص شرعي واضح. فالمجتهد وباقرار الكثير من العلماء والمجتهدين، خبير بعلوم الفقه والدين، مثله مثل أي خبير اخر، ليس هناك من نص قرآني او حتى حديث نبوي او حديث عن أمام ينص على هذا، أي ان الاجتهاد صنعة انسانية من اختراع او اختلاق الانسان. وليس هناك من نص ديني على وجودها في الاسلام . توصل لها علماء الشيعة من خلال استنباطهم وتفسيرههم لبعض الاحاديث النبوية او تلك المنقولة عن أئمة آل البيت. وليس هناك من اجماع على صحة هذا التفسير. ويؤرخ علماء الشيعة لظهور مبدأ الاجتهاد عند الشيعة بمفهومه الحالي بعام 724 ه، أي بعد غيبة الامام المهدي بأكثر من 400 عاماً.وينسب ابتداعها الى العلامة الحلي الذي طرح المبدأ لاول مرة في كتابه (تهذيب الاصول)

اوقفت المذاهب الاسلامية الاربع مبدأ الاجتهاد بعد وفاة اخر الائمة الاربع، في حين رأى علماء الشعية ان استمرار الاجتهاد ضرورة بقدر تطور جوانب الحياة وتعقدها.

أما مايعرف ألان بالمرجع أو المرجعية فتعني عادةالمجتهد الاكثر خبرة من بقية المجتهدين، والحائز على قدر أكبر من المقلدين.

تميز التشيع عن غيره من المذاهب في انه يخطأ المجتهد ويصوبه، و لايعطي المجتهد أي ميزة يمكن ان تضعه فوق البشر، او تعصمه من الخطأ حتى ان الشيعة والمعتزلة عرفوا بسبب ذلك بالمخطئة.

لذلك لايتميز المجتهد عن أي خبير أخر، وليس هناك ما يضفي على مهنته القدسية او العصمة، لكنه يفترض أن رجلا بلغ هذا المستوى من العلم والمعرفة بأصول الدين ما يمنحه القدرة على التمسك بالورع والتقوى، والتنزه عن الغايات الدنيوية.

عندما تبنى الصفويين التشيع، وبدؤا بفرضه على الناس في ايران حاولوا تضخيم دور المرجع او المجتهد، اولاً : لان المجتهد اصبح يعمل في خدمة الدولة وعليه من السهل ان يتم تجيير قدسية المجتهد لصالح الدولة، فهي التي اعطته هذه المكانة المميزة، وهذه القدسية الكاذبة، لتشرعن بها وجودها وسلوكها. ثانياً : قد يكون ذلك بفعل الميل العام لتوجهات الايرانيين، فالبنية السايكولوجية للشخصية الفارسية تميل لتأليه ملوكها، ورموزها الدينية.

الا ان المراجع العرب وحتى الايرانيين المقيمين في العراق ظلوا بعيدين عن هذه النزعة في تقديس المرجع، فنلاحظ ان المجتهد او المرجع يميل للتواضع كلما زادت درجته العلمية، فكانت الالقاب التي يستعملونها هي ” الحقير لله ” او الفقير لله “، وكلما ازدادت الدرجة العلمية ازدادت الالقاب تواضعاً.

يلاحظ الباحث ان التوجهات الاولى لتقديس وتضخيم دور المرجع بدأ مع مرجعية محسن الحكيم، وكان ذلك انعكاس او ردة فعل لظاهرتين فرضتهما الاوضاع السياسية الجديدة في اواخر الخمسينات من القرن السابق وحتى اواخر الستينات .
الاولى : بسبب النكسة التي تعرضت لها المرجعية والتوجهات الدينية عموماً بعد انتشار او سيادة المد الشيوعي على الشارع العراقي، ومحاولات الشيوعيين النيل من شخصية محسن الحكيم، فواجه رجال الدين والعلماء الشيعة منهم وحتى السنة، هذه التوجهات الشيوعية، بتفخيم شخصية الحكيم واضفاء كثيرا من الصفات التي ترفع من قيمته امام محاولات الشيوعيين لبخس هذه الادوار او المراتب الدينية.
ثانيا : خوف شاه ايران من التقارب العراقي – المصري، وتصاعد الدعوة في العراق لتحقيق الوحدة مع مصر الناصرية.فاعتمد الشاه سياستي الرفع من قيمة المرجعية بغية استخدامها لاحباط المشروعات الوحدوية. كما يعكس ذلك رغبة الشاه في ابعاد المرجعية عن ايران ليتخلص من نفوذها المباشر.

مع ذلك، بقيت العناوين متهاودة عما اراد ان يضفيه الخميني من قدسية على دوره، تعبيرا غير مباشراً عن توجهات دكتاتورية لتغدو كلمته وكأنها امتداد لكلام الخالق المقدس الذي لايحتمل أي معارضة او نقد.
أن الخميني الذي اضفى على الفقيه او المجتهد هذه القدسية، استعملها هو لبخس حق المراجع الاخرين عداه، كما حصل مع المراجع اللذين رفضوا بدعه وتوجهاته بأضفاء القدسية على المرجع نظرياً.الا أنه أراد عمليا احتكار سمات القدسية التي اضفاها على المرجع او الفقيه، لنفسه هو وحده.

انتبه السياسين الشيعة لدور المرجع هذا، مع تصاعد المد الديني، فراحو يتصارعون ويتنافسون لأضفاء القدسية على من يختارونه مرجعاً لهم او يمكن ان يستخدموه لاغراضهم السياسية.

مرجعية السستاني
لست فقيها، ولا ادعي المعرفة بالفقه لكي اقدم احكاما باعلمية هذا الفقيه او ذاك . لكني امتلك العقل، وهو عند علماء الشيعة احد مصادر الاجتهاد الاربعة : القرآن والسنة والاجماع والعقل. وربع القدرة هذه يمكن ان تعين الانسان للوصول لمعرفة تساوق اجتهادات، واحكام بعض المجتهدين مع الشريعة، او على الاقل مع اساسيات المذهب. فالاجتهاد كما قلت، وكما يقر علماء الشيعة ليس الا صناعة بشرية، لذلك استطيع القول بأني امتلك القدرة على التقيم بنفس المستوى الذي يدعي السستاني قدرته على استنباط الحكم الشرعي . كنت مجبراً على دراسة طرق البحث العلمي في المراحل الجامعية الثلاثة، ما يساعدني على معرفة قرب او ابتعاد موقفاً ما من الدين، وأساسيات المذهب، وليس في هذه الاساسيات ما هو مناقض للدين الاسلامي. لذلك فأن قراءة سريعة لما كتبه السستاني مقارنة بما كتبه بعض المجتهدين تغدو سبباً لأثارة الضحك من هذه الاعلمية التي ينسبونها للسستاني، لانريد ان نتحدث عن الاموات بل الاحياء، لنأخذ مثلاً السيد محمد حسين فضل الله، يكتشف الانسان نفسه كأنه أمام صورتين احدهما خربشات طفل جاهل ما زال يحتاج لوقت كبير حتى يصل الى المستوى العلمي لرجل عالم جليل، مع ذلك تعرض السيد فضل الله لحرب لااخلاقية شعواء، لايمكن أن يكون من قادها مسلم يعرف الله ويخافه، ويقف في الصلاة امام يدي الخالق خمس مرات في اليوم.فالتطلعات للامتيازات الدنيوية واضحة في مثل هذه المعارك التي لايرى الانسان فيها للدين والاخلاق من مكان.
لماذا.. !؟

لانريد التوقف طويلا عند هذا الموضوع الذي قد يبدو جانبي بقدر تعلقه بحديثنا.

الا ان الحقيقة تقول : ان فضل الله عربي، معروف الاصول من يوم ولد. سيد يحمل كل سمات السيد كما يعرفها أبناء جنوب العراق، شجاع لايخاف لومة لائم في عرض اجتهاداته وقناعاته.المنسجمة مع سلوك آل البيت.، كريم النفس لايعرف الحقد لطيف طيب متواضع لكنه سيد شرس في قول الحقيقة، ولايمكن ان تتناسب هذه السمات الا مع شخصية مستقلة، تقول ما يفرضه عليها الدين، لامتطلبات الامن الوطني الايراني. لذلك تدخل الخط الصفوي المنسوب ظلماً للتشيع ليمنع تطور مرجعية فضل الله تطوراً طبيعياً خارج حدود الارادة الايرانية.

لذلك شككوا في اجتهاده وفي دينه واخلاقه بحجة الدفاع عن السيدة فاطمة الزهراء، وطبعت كتب بالملايين ووزعت مجاناً بعناوين توحي بالدفاع عن السيدة الزهراء (ع) لكنها كتبت لتعكس سيرة طويلة لأولئك اللذين يريدون تطويع الدين والمذهب الشيعي لأغراضهم السياسية والدنيوية. فافرغوا المذهب بل الدين كله من محتواه الحقيقي، وعبئوه بما يتناسب واغراضهم. حصل هذا للسيد فضل الله في وقت ما زال فيه السستاني غير معروف او يقف في الصف الثاني منتظرا دوره لتبؤ دور المرجعية، ولعل تلك الحملة كانت احد الممهدات لوصول السستاني.خاصة مع تصاعد عدد العراقيين المقلدين لفضل الله.

تزامنت او ترافقت وتداخلت هذه الحملة على السيد فضل الله مع حملة اخرى رافقتها ضد السيد محمد صادق الصدر، بنفس المستوى اللاخلاقي، الذي لايحسب حسابات لدين او خالق.

نفس الضجة التي افتعلوها للمساس وتشويه صورة السيد محمود الحسني الصرخي، بعد ان لاحظوا تطور مرجعيته، هذا التطور الطبيعي الذي اتخذته، بدون تدخلهم. فبدؤا عليه حملة شعواء من التشويهات فقالوا عنه كذباً أنه يدعي اللقاء بالامام المهدي، وامور اخرى. اغرب ما في الكذبة هذه ان تبدر عن رجل يصور او يدعي في كتبه بأنه يعلم كل شئ عن الامام المهدي وما سيفعله، خطوة بخطوة. ذلك هو حسين الكوراني، ومن يقرأ كتبه عن عصر الظهور او الممهدون للظهور، يعجب لهذا الخيال الغريب . لكن احداً لم ينتقده لانه يجند كل قصصه لخدمة الامن الوطني الايراني، فالله عز وجل كما يقول الكوراني استبدل العرب بالفرس، كشعب مختار.

السستاني نفسه او اتباعه حاولوا ايضاً اللعب بموضوعة الامام المهدي ليبرروا تقاعسه عن الافتاء بالجهاد ضد الغزاة اللذين جاؤوا ليهددوا بيضة الدين. فاشاعوا في الاشهر الاولى للاحتلال، رواية مفادها ان الامام علي (ع) جاء بالمنام للسستاني ليقول له : احذر من ان تفتي بالجهاد لان الامام المهدي سيظهر، وافتاءك بالجهاد سيعطل هذا الخروج.

فهم يستثمروا أسم آل البيت من أجل التاثير على عقول البسطاء، ويركبون القصص الكاذبة عنهم دون ورع ولاخشية من الله .لكنهم يستخدمون نفس القصص لتشويه سمعة غيرهم. بالنسبة لهم هي روايات مدعمة بالاسانيد. ومن يشكك بها فهو مرتد وخارج على الاسلام، ولغيرهم فهي خرافات، ودجل، وخروج على التشيع.

من يراقب مسيرة وظروف تطور مرجعية السستاني منذ البداية، سيكتشف أن الرجل كان يُعد للعب دور محدد خطير، ذلك واضح من خلال الدعاية التي عملها له حتى اولئك اللذين يشككون باعلميته، من خلال تقليدهم لسواه. كعبد العزيز الحكيم، الذي يقدم مثلاً ملموسا و ظاهراً للعيان الان لذلك يمكن القول ان مرجعية السستاني ولدت ولادة قيصرية، شاركت بها أطراف عدة، فجاء هذا الوليد المسخ، الذي لاطعم ولا لون له، وكأنه لم يكن موجود، هذا الغياب عن الوجود هو المطلوب من وجود مرجع كالسستاني في مثل هذا الوقت العصيب الذي يمر به العرب والمسلمين، وهم يتعرضون لأقوى هجمة شرسة من الصهيونية وتوابعها من جماعات اليمين المسيحي المتصهين.

ويبدو أن دور الغائب الحاضر هو دور مرسوم للسستاني او أنه أدرك بخبرته الذاتية ما هو مطلوب منه فراح يساير الاوضاع، غياباً وظهوراً حسب الحاجة . وصف بريمر هذا الدور كما يلي : “ازدادت المشكلة تعقيداً بموقف السستاني العلني الغامض، الذي يتقلب بين العزلة الروحية والمشاركة المباشرة في العملية السياسية.”

كنت اتهيب من أعلان رايي هذا الى ان أطلعت على ما ذكره المرحوم الشهيد السيد صادق الصدر عن شكوكه في أن يكون السستاني قد بلغ درجة المجتهد، حتى يمكن أن يكون مرجعاً تقاس أعلميته بأعلمية غيره من المجتهدين .

وهناك الكثير من الدلائل التي تؤكد ذلك، فالسستاني، وعلى غير العادة المعتمدة عند علماء الشيعة، لم يكتب رسالة عملية، وهي بمثابة بحث الدكتوراة، ينشرها المجتهد ويترك للمجتهدين الاخرين الحكم عليها للاقرار له بالاجتهاد، او الامتناع عن هذا الاقرار. اراح الرجل نفسه من عبأ الموضوع وتبنى الرسالة العملية للمرجع الخوئي، بأعتبارها رسالته الخاصة رغم ما يذكر من انه صحح او علق على بعض الفقرات القليلة بها. فهو هنا يعلن تلمذته للمرجع الخوئي، الذي حاول ان يكافأ السستاني على الاقرار بهذه التلمذة من خلال، اعترافه ببلوغ السستاني درجة الاجتهاد.، في حين ان سلوك السستاني هذا يمكن ان يندرج تحت اطار التقليد وليس الاجتهاد.

اعرف ان البعض سيستنكر كلامي هذا بالقول وهل انت تعلم اكثر من الخوئي. ومعاذ الله ان ندعي ذلك فكل فارس في اختصاصه.، لكن العقل، وهو احد المصادر الاربع الاساسية لاستنباط الحكم الشرعي يقول ان الخوئي كان شخصية هشة، غير قابلة لتحمل أي ضغط. فهو بنفسه سافر الى بغداد لمقابلة الرئيس العراقي صدام حسين، ليخرج على التلفزيون، ويطلق صفة حركة الغوغائيين على ما يسميه البعض انتفاضة آذار او شعبان، بعد عدوان 1991 على العراق. لايُقبل هنا القول بالخوف او التقية، هما اللتان اجبرتا الخوئي على ذلك، لان الشجاعة هي واحدة من شروط الاجتهاد، والمجتهد الذي يقدم فتاوى باطلة، خوفاً، يسقط بنفسه عن نفسه صفة الاجتهاد او الفتوى. لانه يمكن ان يقتل الكثير من الناس ويبرر الخطأ، ويضعه بموقع الصح، فيؤذي المسلمين بذلك . لهذا لانستبعد خضوع الخوئي لضغوطات خفية في منحه درجة الاجتهاد للسستاني، اضافة للمجاملة.أو تبادل الخدمات.

لكن الخوئي وجميع علماء الشيعة، لم يغفلوا الحديث عن االجهاد بأعتباره فريضة واجبة. قسموا الجهاد الى شكلين الاول : جهاد ابتدائي، ويعني ان يتحرك المسلمون لغزو بلاد غير اسلامية، لنشر الدعوة الاسلامية، ويعتقدون ان هذا النوع من الجهاد لايمكن ان يتحقق الا اذا كان تحت قيادة نبي او أمام معصوم. لذلك وفي غيبة الامام المهدي، يعتبر هذا النوع من الجهاد معطل.

الجهاد الدفاعي : وهو عكس الاول، الاول يعني الدفاع عن اراضي او دولة للمسلمين تتعرض لغزو عدو غير مسلم. وفي الفقه الشيعي، وبأعتماد دعاء الثغور، فأن الامام الرابع علي زين العابدين حدد الدولة الاسلامية بسكانها لا بمن يحكم. فهو نشر دعاؤه في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان، لنفس الجيش الذي قتل ابيه واهل بيته. فالدولة التي يحث ويدعوا لجيشها بالانتصار، الدولة الاموية، دولة اسلامية واراضي اسلامية، بأعتبار سكانها، لاحكامها. وما يقال عن الدولة الاموية يقال ايضا عن العراق، أي لاشئ يمكن ان يعطي المجتهد الحق في التعاون مع غازي اجنبي له مهما كانت الخلافات مع الحكام.

لذلك فأن السستاني بتعاونه مع المحتل، مثل حالة خروج على اساسيات التشيع. ويصبح الفعل عملا قبيحاً لانه سبق ان أفتى بمقاومة الاحتلال.. شاهد العراقيين والعالم أجمع السستاني، وبقية المراجع الاربع مجتمعين، ووقف امامهم السيد عدنان البكاء ليقرأ فتاويهم بضرورة مقاومة الغزو والعدوان، كما عرضت ذلك الفضائية العراقية قبل اسابيع قليلة من العدوان على العراق. ولم يصدر أي نفي او تشكيك بتلك الفتوى لا..من مكتب السستاني، ولا المراجع الاخرين، او مكاتبهم في الخارج. بالعكس عمموا فتاويهم مكتوبة ومختومة باختامهم. يعني من لم يتحرك في مواجهة المحتل الاميركي، سيموت وفقاً لهذه الفتوى ميتة جاهلية. والقتلى يحسبون شهداء.

مالذي تغير بعد وقوع الاحتلال، واستمرار العدوان الذي لم يترك حرمة لرجل او طفل او امراة، ولا لمدينة او موقع ديني او أثري. تجاوز في اعتداءاته كل الخطوط الحمر التي قال بها السستاني، والتي على مايبدو، يعني بها منزله وحياته وامتيازاته فقط. اما دماء المسلمين، فهي ارخص عليه من خطوطه الحمراء هذه.

كيف تتحول فتاوي الجهاد الى تعاون كامل، خفي مع غزاة يخططون ويحلمون بهذيانات مجانين، ان ينفذوا اساطيرهم عن معركة ” هرمجدون “، التي يجب ان يقتل بها ملايين العرب المسلمين في المنطقة من اجل ان يمهدوا لظهور المسيح .

فما هي المبررات الشرعية التي تدفع السستاني للتعاون والتحالف مع الاحتلال. ليس هناك في الاسلام، ومصادره القرآن والسنة والحديث، من حكم يجيز ذلك، ولم يتحقق اجماع لابين المسلمين عامة ولابين الشيعة خاصة على قبول العدوان والاحتلال، وما يقترفه من جرائم. لو عزلنا الشيعة المتدينين، والتيار الصدري يمثل حجماً واسعا وكبيرا من فئة متديني الشيعة، ناهيك عن بقية الشيعة الرافضين للاحتلال من متدينين او علمانيين، وما هذا التراخي عند الشيعة في مقاومة الاحتلال الا نتيجة لتسويغات السستاني للاحتلال.واذا كان المقصود بالاجماع، هو اجماع المراجع، ومراجع الشيعة دون غيرهم من بقية المسلمين فهل يجوز قبول الاجماع على حساب العقيدة الاسلامية، وعلى حساب اساسيات المذهب كما قال به الائمة الاثنى عشر. فمثل هكذا اجماع يخرج هؤلاء المجمعون من الاسلام. وليس التشيع الاواحداً من المذاهب الاسلامية. ولايصح قبول التشيع باعتباره احد المدارس الفقهية في الاسلام بدون اسلام.

ما الذي يدفع هيوم، أحد مساعدي بريمر ليقول عن السستاني : ” نحن نتقاسم الاهداف نفسها “
ما هي هذه الاهداف التي يتقاسمها السستاني مع الاحتلال..!؟

لم يوضح بريمر ولا مساعده ما هي طبيعة هذه الاهداف المشتركة بين الطرفين . لكن الانسان يكتشف أشارة هنا، واخرى هناك عن هذه القواسم المشتركة، منها رغبة السستاني في قتل مقتدى الصدر والخلاص منه لأنه يهدد امتيازات المرجع وزعامته، كما جاء في المذكرات (ص : 250، 254) . لكن مشكلة السيد مقتدى جاءت متاخرة، وتأييد المرجع جاء مبكرا منذ الايام الاولى للاحتلال، (ص : 75)

في مكان أخر نكتشف أن سر أبتهاج السستاني بألاحتلال يعود لأيمانه بالديمقراطية لذلك وجدها فرصة للعمل مع بريمر من اجل مستقبل العراق (ص : 308).

يمكن ان يقبل هذا السبب لو كان المقصود به شخصا اخر في غير موقع السستاني، المعني بالحفاظ على الشريعة، ورغم كل التخريجات التي تقال عن العلاقة بين الشورى والديمقراطية، لايخفى على احد مدى الهوة التي تفصل بين الشريعة والديمقراطية، ولا نريد ان نطيل بالحديث عن هذه المسافات الفاصلة بين الاثنين، نستشهد برأى واحد فقط من علماء المسلمين، ممن لايقل ايماناً عن السستاني بالديمقراطية. يرى السيد محمد بحر العلوم أن الدول الاستعمارية الكبرى، وبعد أن لاحظت تصاعد الحركة الاسلامية، اتخذت مجموعة من الخطوات لمواجهة هذه الحركة، منها كما يعتقد بحر العلوم : ” ه : طرح أفكار ومبادئ غربية ذات تاثير سذاج على أفكار الجماهير الغير واعية لتكون بدائل عن الفكر الاسلامي كالديمقراطية، والاشتراكية والليبرالية، وغير ذلك، وهذه المفاهيم خالية من الجذور الفكرية لتقويم الانسان، وبناء مجتمعه الاصيل، كما هو الحال في الفكر الاسلامي، لان هذا من صنع الله سبحانه وتعالى الذي خلق عباده وقدر لهم ما يصلح، وما لايصلح، في حين ان تلك المفاهيم من وضع الانسان، الذي لايمتلك القدرة الدقيقة على اختيار الاصلح له، الا من طريق التجربة والاختيار.”

 =========
هذا مايقوله السيد بحر العلوم عن الفرق بين الديمقراطية والاسلام، في كتابه الذي اصدره عام 1982 تحت عنوان ” الحركة الاسلامية “، أي قبل أن يرتد عن ألاسلام الى الديمقراطية، وفقاً لاحكامه هو التي عرضها في كتابه هذا..

لا أحد يمتلك الحق في مصادرة حق الاخر من الانقلاب او الارتداد على الاسلام الى الليبرالية.ومن حق السستاني ذلك، لكن ما يثير الغرابة كيف أن هذا المجتهد القادر على استنباط الحكم الشرعي، عجز عن أدراك حقيقة أن الديمقراطية والاحتلال، قطبين متنافرين ومتناقضين. فالديمقراطية بأبسط معانيها هي مجموعة من الاجراءات الكفيلة بتحقيق أرادة امة ما او شعباً ما من خلال أختيار ممثليه للسلطة، وفقاً لسيادة القانون. أي لاارادة فوق ارادة الامة في الديمقراطية. والاحتلال يعني سيطرة بلد او امة ما على بلد او شعب اخر تحقيقاً لمصالح المحتل الوطنية. أي الغاء ارادة الشعب الواقع تحت الاحتلال لصالح المحتل،ومصالحه الوطنية .

يلمح بريمر في اماكن عدة عن مظلومية الشيعة، ويشير احياناً الى أن مصلحة السستاني التي تجمعه مع المحتل هو مصلحة الشيعة في الاستيلاء او المشاركة الواسعة في الحكم لتصحيح وضع تاريخي تعرض فيه الشيعة للظلم.

لانريد أن نكرر الحديث حول صناعة شعار هذه المظلومية، التي جاءت نتيجة لتخلي باقر الحكيم وجماعته عن شعاراتهم الاسلامية، ودعاويهم لتطبيق الشريعة الاسلامية بما يعني تخليهم عن مبررات وجودهم، فلم يجدوا بديلا غير اللجوء لصناعة هذه المظلومية التي أن وجدت فسببها مراجع الشيعة اللذين عملوا لاسبابهم الخاصة، الى عزل الشيعة العرب في العراق عن دولتهم ومجتمعهم، بتحريم الدراسة في المدارس الرسمية. وتحريم الوظائف الحكومية الى أن انتبه الشيعة تدريجياً لمخاطر العملية فبدؤأ بالانصهار تدريجيا في مجتمعهم ودولتهم.
ولنأخذ بهذا الفرض أي أن حرص السستاني على الشيعة هو ما دفعه للتعاون مع الاحتلال. هناك سؤالين يطرحان نفسهما عند الاقرار بهذه الفرضية :
الاولى : من هو الشيعي الذي يثير حرص السستاني على الدفاع عن حقوقهم. اليس جماعة التيار الصدري من الشيعة ومع ذلك يريد ويطلب من المحتل، صراحة، قتلهم والخلاص منهم، ويضع ذلك من اولويات مطاليبه من الاحتلال، مالذي فعله جماعة الصدر في حينها حتى تريفع درجة حقد السستاني عليهم الى هذا الحد. باختصار، وكما وضح ذلك بريمر بتفصيل وفي اكثر من مكان في مذكراته، انهم كانوا يطالبون بانهاء الاحتلال. يعني أنهم وطنيين، وشيعة حقيقين يطالبون بتحرير بلدهم من المحتل، وبالعودة لموقف التشيع من الجهاد، ودعاء الثغور، نكتشف ان هؤلاء المنتفضين كانوا هم وليس السستاني يمثلون جوهر التشيع، منسجمين مع حقيقة وجوهر التشيع، ويبدو السستاني هنا هو المرتد عن دينه وتشيعه. خارجاً على تعاليم الشريعة الاسلامية.
لم يكتفي السستاني عن مطالبةالاحتلال بالقضاء على الانتفاضة الصدرية، بل انه جند 200 من اتباعه ومرتزقة قوات بدر ليرسلهم الى كربلاء لمقاتلة اخوتهم من الشيعة الصدريين.اللذين يقول عنهم بريمر انهم كانوا فقط 200 من الرعاع والمجرمين (ص : 255)، رغم انه يقر في نفس الصفحة بان القوات الاميركية حجزت 40000 شخص من التحرك من مدينة الصدر الى مدينة النجف. ويعترف الكابتن كاري باتسون (من قيادة قوات المارينز) قال يوم 7/8/2004، ان قوات المارينز قتلت يومي 5و 6 آب فقط 300 شخص من المنتفضين، وفي مدينة النجف وحدها (السفير 13/12/2003).
ولايخفي بريمر مخاوفه من الانتفاضة وهو يراها تتسع لتشمل كل محافظات الجنوب. وقتلى بالمئات في هذه المحافظات، ويصر مع ذلك على أن العدد لايتجاوز المئتين.
كيف تحتمل ذمة السستاني كل هذه الارواح التي زهقت فقط لانها طالبت بتحرير بلدها من المحتل.نحن هنا امام نموذج غريب لشخصية تمتزج فيها خصائص السادية باقبح صورها مع خصائص السيكوباثية. قاتل لايكتفي بالتحريض على قتل الشيعة بل يجند العصابات ويشارك في ادارة الحرب ضد ابناء مذهبه.

الثانية : مهما قيل ويقال عن طائفية النظام السابق، ليس هناك ما يدعم مقولة مظلومية الشيعة، تصرف النظام وفقاً لمنظومة السلوك التي تتحكم بمسيرة اي دكتاتورية في العالم. يقمع المعارض من يكون، ومهما يكون، ويكافئ المؤيد بغض النظر عن خلفياته الطائفية. وفي زمن النظام السابق وجدنا من الشيعة من يشارك بفعالية في تأييد النظام، وتبوء الكثير منهم مراكز حكومية حساسة، بشكل لامثيل له في الحكومات السابقة. وتصدى النظام للحركات السياسية شيعية كانت او سنية على اساس أنهم معارضين وليسوا مواطنين من طائفة أخرى.أما ما يقال عن منع النظام للشعائر الدينية الشيعية، فهي ليس دلالة على طائفية النظام، بقدر ما قد تكون جزءً من أجراءات امنية أعتقد النظام أنها ضرورة للحفاظ على لآمنه . مثله مثل بعض الانظمة الاخرى، كنظام عبد الكريم قاسم، وهو أول من تجرأ على منع الشيعة من اداء شعائرهم الدينية، ومع ذلك لم يتهم بالطائفية، لكن اتهام الاول والسكوت عن الثاني لايجد تفسيراً غير ان عبد الكريم قاسم كان شعوبياً حاقداً على كل ما هو عربي، او اسلامي.
لعل تفسير الامر بالحرص على الامن، يغدو أكثر قبولاً عند مراجعة وثائق الحزب الاشيوعي العراقي ومخططاته لأستثمار هذه الشعائر في التاثير على الجماهير، وتحريكها ضد النظام لأغراض تخص الحزب الشيوعي ولاعلاقة لها لابألاسلام ولا مظلومية الشيعة.
ثم من يستطيع بما فيهم السستاني أن يقول أن هذه الشعائر كالطم، والتطبير هي من اساسيات التشيع او جوهره. يؤكد الدكتور علي شريعتي، وهو من أعلام الشيعة، في أن هذه المظاهر كانت أحد البدع التي أختلقها الصفويين لتجريد التشيع من محتواه، وتعبئته بمفاهيم جديدة تتناسب وطموحاتهم السياسية. جلب هذه الشعائر وأدخلها على التشيع وزير الشعائر الحسينية الصفوي، مقتبساً اياها من معتقدات بعض المسيحيين في اوربا الذي يعذبون انفسهم باللطم والسكاكين حزناً على المسيح.
لذلك هناك الف سبب وسبب يستطيع النسان الادعاء بها لتبرير معارضته للنظام السابق، الا الطائفية.

ماهي اذا حقيقة القاسم والاهداف المشتركة التي تجمع السستاني بالاحتلال.

ثلاثية الحقد الشعوبي – الصليبي – الشعوبي :
حركة اليمين المسيحي – المتصهين :
تنتمي ادارة بوش، كما هو معروف لليمين المسيحي المتصهين، وتؤمن هذه الجماعة الخارجة على المسيحية، بأن المسيح سيعود ثانية عند توفر شرطين هما :
الاول : أن تكون هناك دولة اسرائيل، يعيش فيها اليهود.
الثاني : أن تحصل معارك وحروب في الشرق العربي يقتل فيها الملايين، تنتهي بقيام معركة تسميها اساطيرهم بمعركة هرمجدون، التي ستكون معركة الختام ستقتل الملايين ليخرج المسيح بعدها او خلالها .
وهم يعتقدون أن الله هيأ اميركا ومنحها القوة لتقود او تحقق اسطورة معركة هرمجدون.وهذا ما يفسر لنا هذه المفخخات التي تحصد العشرات يوميا من العراقيين التي لاشك يزرعها المحتل واعوانه. اضافة الى ما نسمع به عن القتل العشوائي، والقتل الخطأ الذي تمارسه قوات الاحتلال يوميا. أضافة لما تمارسه سلطة الاحتلال من زرع للفتن كي تتصاعد حركة القتل والقتل المضاد بين أبناء الشعب العراقي .

فهل سمع المرجع الاعلم، وآية الله العظمى بذلك.

ويبدو ان المهوس بوش، وللوثة في عقله يؤمن بصحة هذه الاساطير، حتى ان مجلة ليبراسيون الفرنسية نشرت موضوعا حول هذه الجماعة، كاشفة عن فحوى مكالمة تلفونية بين الرئيس الفرنسي شيراك وبوش، يستحث بها بوش شيراك على الانضمام للائتلاف، وعندما ذكره شيراك بحقيقة ان العراق لايمتلك اسلحة دمار شامل، اجاب بوش : لكن هناك في العراق ماجوج وياجوج. ويدعم مانقلته المجلة ما تناقلته وكالات الانباء من مقولة لبوش يدعي ان له صلات مباشرة مع الله (عز وجل)، فهو القائل : ” الله أخبرني أن أهاجم القاعدة، فهاجمتها، ثم اوحى لي فيما بعد للهجوم على العراق، وانا فعلت ذلك. “

لذلك يطمح المهوس بوش على مايبدو لان يكون سبباً في ظهور المسيح، بقتل الملايين من عرب المشرق وتحت اي غطاء او مبرر ما دام ذلك يحقق له ظهور المسيح الذي سيعيش 800 عاماً، لاشك ان بوش يحلم أنه سيعيشها هو، أيضاً، قرب المسيح. حلم مجانين مهوسين.

الوجه الاخر للصهيونية :
نشر كل من شارون وايتان دراسة مشتركة لهما عام 1982، ترجمتها منظمة التحرير الوطني الفلسطيني ووزعتها. اعادت نشرها جريدة السفير اللبنانية في صيف 1992، عنوانها ” استراتيجية اسرائيل للثمانينات والتسعينات “. وتقول الدراسة ان اسرائيل دولة صغيرة بين دول عربية كبيرة وتمتلك امكانات للتطور، والقوة، ما يمثل حالة تهديد قائم على أمن و وجود اسرائيل. وان الطريقة الوحيدة للحفاظ على امن اسرائيل هو تقسيم هذه الدول الكبيرة الى قوى صغيرة متناحرة. حصة العراق من الخطة ثلاث دول صغيرة متناحرة، شيعية وسنية وكردية.

والمتتبع لتوجهات بريمر كما يسردها في مذكراته، يلاحظ أنه جاء بهدف التاسيس للحرب الاهلية الطائفية وزرع الفرقة والانقسامات بين الشعب العراقي، فهو في الايام الاولى يلح ويكرر على خطيئة الشيعة في الابتعاد عن المشاركة في الحكم في بدايات تشكيل الدولة العراقية.وكيف ان الشيعة وقعوا تحت ظلم وقمع السنة لاكثر من الف سنة مضت، حتى جاء هو ليصحح الامر. لكنه وبعد ان ضمن ركوب بعض زعامات الشيعة بالقطار الاميركي، على حد قوله، بدأ يتحول الى مدافع عن السنة ضد تطلعات الشيعة التي تريد حرمان السنة من المشاركة بالحكم.

ومع ذلك لم ينتبه هذا المجتهد الاوحد، رغم ما يقال عن قدرته على استنباط الحكم الشرعي من مصادره الحقيقية، على فهم مثل هذه التوجهات. وأين هي أثار الخمسين سنة التي قضاها في الدراسة. واية دراسة هذه التي تعزله عن الحياة. والاجتهاد يعني فيما يعنيه التعايش والمتابعة لمستجدات الحياة.

الشعوبية :
الشعوبية حركة تأريخية نشات وانتشرت بين بعض الفرس المقيمين في العراق، في بدايات قيام الدولة العباسية، وترتكز في معتقداتها على اساس ان الفرس يمثلون عنصراً ارقى وانقى من العرب. وانهم امة او شعب ذا تاريخ عريق يوم كان العرب ما زالوا بدوا هائمين في الصحراء. لذلك فهو يتغنون بامجاد فارس، وتسفيه او بخس دور العرب. حاول بعض رموزها ان يتلبس بادعاء التطرف والغلو في محبة ال البيت، لمحاربة الاسلام ككل بما فيه التشيع. وقد انتبه الائمة الابرار لهذه التوجهات فحذروا منها، وحاربوها وكشفوا اهدافها. ولم تنتهي الحركة بأنتهاء وسقوط الدولة العباسية بل تظهر بين فترة واخرى لتعبر عن نفسها بأشكال مختلفة، فمرة تتلبس بالشيوعية، وتارة بالديمقراطية والليبرالية او الاقليمية، المهم ان يكون هناك منفذاً ولو صغيرا للتعبير عن حقدها ولكن بأغطية مؤدلجة. المهم ان دينهم هو أن يقتل العرب، كما عبر عن ذلك الشاعر العربي نصر بن سيار. فهم يلتقون في توجهاتهم مع توجهات الصهيونية العالمية واليمين المسيحي – المتصهين.
لم تنتهي الحركة وظل لها مؤيدوها في ايران حتى ان الكثير ما زال يردد مقولاتها من بينهم علماء المعروفين بالعلم واتساع المعرفة، كما يظهر ذلك بوضوح في كتاب مطهري ” ايران والاسلام “.

وقد ابتليت الدولة العراقية الحديثة بالمستوطنين من اصل هندي او ايراني الذي جاؤوا للعراق كسحرة او جنود الكركة او متسولين أو طلبة للعلوم الدينية، ممن تظهر الافكار الشعوبية وتتحول الى فعل موجه عند بعضهم، تحت أغطية عدة، ومظلومية الشيعة واحد منها.

ومن خدع الشعوبيين، ولحماية انفسهم من كل نقد، هي محاولتهم للربط بين حركتهم والتشيع، لقمع واسكات الاصوات التي يمكن ان تكشف حركتهم واسرارها، باتهامه بالطائفية ضد الشيعة، مع ان ليس هناك من ربط بين الاثنين. وكما ذكرنا فان الائمة من آل البيت حذروا من حركتهم، ونبهوا الشيعة بطبيعة اهدافهم. فالتشيع والاسلام عامة براء منهم، لكنهم نجحوا نسبياً في مخططهم، وأخافوا الكثير من الكتاب في التطرق للموضوع. ففي أي مجال ترد كلمة شعوبية، توجه له التهمة مباشرة بالطائفية.

والتفسير المنطقي المقبول للقواسم التي تربط السستاني بالاحتلال، التي تحدث عنها بريمر في مذكراته، هو شعوبية تتحكم بعقل السستاني، الذي لم نسمع له صوت، والمذابح اليومية المجنونة تعم مدن العراق. وكأنه مستانس بأكل الفسنجون، وتكديس الاموال من حقوق فقراء المسلمين ليورثها لاولاده من بعد كما حصل مع اولاد محسن الحكيم والخوئي. فعادة ما تشكل التوجهات التعصبية لوثة او عماء في العقل تعيق الانسان من ادراك ورؤية اخطاءه.

في الايام الاولى للاحتلال، بدأ بعض ممن يدعون بالتشيع مثل آية الله العظمى موفق الربيعي وغيره لفتوى او مقولة ابن طاووس، الحاكم الكافرالعادل خير من الحاكم المسلم الجائر، وهذا قياس وليس اجتهاد. والقياس لايقبل عند الشيعة، مادام باب الاجتهاد مفتوحاً. وابن طاووس لم يكن نبيا او معصوما حتى يتحول الى مصدر من مصادر التشريع. فكما ذكرنا سابقا ان الشيعة ممن قالوا بتخطئة المجتهد وتصويبه. فهو بشر ليس هناك من نص سماوي او حديث نبوي يمكن ان يضعه في موقع فوق الحدود البشرية. اما ان نلغي او نهمل تعريف الامام زين العابدين (ع) للدولة الاسلامية والموقف من الغازي الاجنبي كما يبدو بوضوح لالبس فيه في دعاء الثغور او ان نقر بخروج ابن طاووس عن اساسيات المذهب.

اذا كان بعض فقهاء الشيعة يسكتون او سكتوا عن ابن طاووس، كنوع من العزة بالاثم.او منعاً لاعطاء الفرصة لمخالفيهم للسخرية ممن هو محسوب عليهم. الا أن احداً لايستطيع ان يقول بصحة موقف ابن طاووس. ولنا في التاريخ القريب لاجماع علماء الشيعة على اعلان الجهاد فيما عرف بحركة الجهاد، ووقوفهم الى جانب الحاكم المسلم الجائر ضد الاحتلال البريطاني في عام 1914.ولانعتقد ان السستاني يستطيع الادعاء بأنه أكثر علمية من مجتهدي ذلك العصر. حتى يقول أنه الاصوب في موقفه من الاحتلال.

والا فهل قرأ السستاني حقاً القران والسنة، ونهج البلاغة وسيرة واحاديث ائمة ال البيت، ام ان عجمة فيه منعته من فهم مغازيها، ومعانيها. فهل يدرك معنى الاية الكريمة :
“ولن ترضى عنك اليهود والنصارىحتى تتبع ملتهم قل أن هدى الله هو الهدىولئن اتبعت اهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولانصير ” (البقرة 120)

واتباع الملة هنا لايعني فقط الايمان بالتثليث او التوراة و الانجيل بدل القرآن بل تحقيق مأربهم، وأعانتهم على تحقيق أغراضهم.
ونتمنى ان ينتبه الشيعة العرب الى حقيقة ان اهداف الصهيونية العالمية، واليمين المسيحي المتصهين، والشعوبيين ليس فقط قتل العرب السنة بل العرب عامة، مسلمين ومسيحيين، شيعة وسنة، المهم ان يكون المقتول عربياً، وهاهو السستاني يشارك فعلياً في قتل الشيعة العرب تحت حجة الانتقام من السيد محمد صادق الصدر من خلال ابنه، فيجند المقاتلين من اتباعه ليرسلهم الى كربلاء لمقاتلة الشيعة. شيعة بشيعة، المهم ان تظل امتيازاته محفوظه، ويشبع بذلك توجهاته الشعوبية المريضة. والا هل يقبل دينه، وانسانيته، وضميره أن يسكت لو أن ما حصل في العراق، جرى على بلده ايران مثلاً. وهل كان سيتخذ نفس المواقف.

حيل شرعية ام دجل سياسي
لقد ابتدع السستاني بدعة غريبة على الاسلام والتشيع، والعقل عندما ارتضى ان تكون الامم المتحدة مصدراً جديداً للتشريع او استنباط الحكم الشرعي، عندما افتىبضرورة أستشارة الامم المتحدة لتقررما اذا كان بالامكان أجراء ألانتخابات ام لا، وخرجت المظاهرات تؤيد مطلبه، الا ان بريمر ظهر على شاشات التلفزيون بعد ثلاثة ايام ليقول ان السستاني ليس عراقياً بل هو ايراني الجنسية ولايحق له التدخل بالشأن العراقي. لنجد ان السستاني يتراجع في اليوم التالي عن موقفه الاول المطالب بالانتخابات، ليضع شرط تحققها بموافقة الامم المتحدة. كمخرج لحفظ ماء الوجه، كما يقول بريمر. (ص: 311-312)

ويتساءل الانسان ثانية هل يحتاج من هو قادر على استنباط الحكم الشرعي من مصادره الحقيقية لراي الامم المتحدة.لمعرفة صحة الخطوة من عدم صحتها. الا يعرف وهو المُستنبط أن مصادر التشريع أو الاستنباط الحكم عند الشيعة هي اربع : القرآن والحديث والاجماع والعقل. ولم نسمع من قبل حديثاً ولا آية تبشر او توصي باعتماد الامين العام للامم المتحدة كمصدر من مصادر الاستنباط. أن السياسي يمكن أن يستشير خبراء الامم المتحدة وليس هذا المُستنبط، الذي لايخجل أن يضفي القدسية والعصمة على نفسه. انها لبدعة، لو مارسها يوماً احداً ما او مرجعاً ما لوجدنا ان نفس الذي يضفون أيات التقديس على السستاني، يسفهون ويسخفون هذا الذي يستمد احكامه الشرعية ليس من القران والسنة بل من الامم المتحدة. الم يدرك السستاني ان هذا يعني أنه يلغي دوره. فما دامت الامم المتحدة هي صاحبة الحكم، ما الحاجة للمرجع وللحكم الشرعي.

كانت لعبة كتابة قانون أدارة الدولة العراقية الذي وضعه اليهودي المزدوج الجنسية فيلدمان، نمذج أخر يقرب السستاني الى سلوك السياسي المخاتل، المتلون بعدة وجوه اقرب منه الى سلوك المجتهد الورع التقي، القادر على مغالبة هواه. يقول بريمر أن السستاني كان يتخوف ان يكتب الاميركان قانون الدولة او الدستور فيأتي مخالفاص للشريعة الاسلامية، وبعد أخذ ورد وافق السستاني على القانون، والموافقة عند السستاني تعني السكوت، وعدم أعلان راي محدد (ص: 287).

يقر بريمر في أكثر من مكان في مذكراته الى أن الدستور كان صياغة اميركية، ” وتلبية لرؤية الرئيس بوش للعراق الجديد ” (ص:273، كذلك ص: 271) ن الا أن بريمر يكشف كيف أنه تلاعب بعقل الباجه جي، ليقوم بعرض “فكرة الدستور المؤقت… على مجلس الحكم بأكمله على أنها فكرته ” (ص : 273)

لكن السستاني ولحفظ ماء الوجه او لخداع الشيعة وتضليلهم، حرك بعض اتباعه للحديث والتحرك ضد القانون.

وصف أحمد الصافي، ممثل السستاني في كربلاء قانون أدارة الدولة العراقية بأنه ” مهزلة تاريخية ومأساة خطيرة، لأنه صيغ بأيدي المحتلين، ويمهد لعودة اليهود الى العراق لتبؤ مناصب حكومية ” (الجزيرة نت 12/ 3 / 2004. يعني ان السستاني واتباعه يعرفون جيداً أن الدستور كان صياغة اميركية. وتحرك أنصار السستاني، العاملين تحت عنوان منظمتا الغدير والمرتضى ونقابة المحامين في النجف لجمع التواقيع على عرائض تطالب بالغاء القانون (أخبار الخليج 15 / 3 /2004). رغم ان السستاني كان قد بارك القانون واعطى موافقته للاعضاء الشيعة في مجلس الحكم للتوقيع على القانون حتى لايقال عنهم انهم يعرقلون المسيرة السلمية لأنتقال السلطة (البيان 8 / 3 م 2004).

أما أعتراضات الاتباع، فقد تم امتصاصها، وتغيبها مع الايام، حيث دابت سياسة سلطة الاحتلال على اختلاق الاحداث الجسام المتواصلة، مفخخات، مهاجمة مدن وقتل، وحرمانات من الخدمات الاساسية، لنقل اهتمامات الراي العام العراقي للحدث الجديد ونسيان ما جرى بالامس.

نحن امام صورة غريبة لانسان يدعي انه متدين ويخشى الله. فهو يعارض علناً لامتصاص نقمة الناس، على حدث كان قد باركه واعطى موافقته عليه سرا. ولايدري الانسان هل يندرج ذلك تحت عنوان الورع والتقوى التي هي من صفات الفقيه أم الحيلة والدجل، والضحك على عقول البسطاء اللذين سلموا امرهم له، بأعتباره الاعلم، والاكثر ملكة على فهم معاني الامور، ومغزاها، ومدى تطابقها مع الشريعة الاسلامية..!؟

عودة لبدايات ظهور مرجعية السستاني
بالعودة الى حقيقة ظهور مرجعية السستاني.كما قلنا في كتابنا المرجعية الشيعية والسياسة في العراق، لعب اولاد المجتهدين السابقين الدور الرئيسي في ظهور مرجعية السستاني. اولاد محسن الحكيم، واولاد الخوئي. واتخذت خطواتهم أتجاهاً يتمحور لتسفيه مرجعية السيد محمد حسين فضل الله ومرجعية السيد صادق الصدر، والتشكيك بشخصيته وعقله، واتهامه بالارتباط بالمخابرات العراقية، خصص مجيد الخوئي مجلته النور لكتابة مقال او اكثر للتشكيك بالسيد الصدر، والايحاء بأعلمية السستاني. واشاع ابناء الحكيم نفس الموضوعات بين انصارهم لتعميمها على ابناء الطائفة. وبتاريخ 12 / 12 / 1998 اصدرت ماتسمى ب ” لجنة دعم عمل الداخل ” التي يترأسها عبد العزيز الحكيم كراساً بعنوان ” مرجعية السيد محمد الصدر : خاص ومحدود “، كتبه صدر الدين القبانجي احد اتباع أبناء الحكيم..

جند أولاد الحكيم كل الاقلام الصفراء المأجورة من أجل تشويه صور السيد محمد صادق الصدر، حتى العلمانية منها، فأستخدموا الصحفي حسن عليوي هندش (المعروف بحسن العلوي) ليشارك بحملتهم هذه فكتب في صحيفة لواء الصدر في عددها المؤرخ 2 شعبان 1419ه مقالاً بعنوان ” هتك الحرمة – الضد النوعي “، اعتبر أن السيد الصدر ما هو الا نموذج لشخصية مصنعة من قبل النظام، فرضت على الناس بالارهاب والقوة.

اذا عرفنا الدعم المادي والمعنوي الذي تقدمه ايران لأولاد الحكيم، وهم من صنعها، والدعم الذي تقدمه المخابرات الدولية لأبن الخوئي.لانعتقد ان هؤلاء الامساخ كان لهم ان يتحركوا بهذا الزخم لولا موافقة او امر أسيادهم في كلا الطرفين.رغم ان لكل من هؤلاء الاولاد دوافعه الخاصة بالنسبة لأولاد الحكيم، شكل السيد محمد صادق الصدر تهديدا من جانبين

الاول : مثل الصدر نموذجاً لقيادة دينية أستقطبت غالبية الشيعة وخصوصاً الشباب منهم، وهذا مايمثل بالنسبة لهم تهديدا لزعامتهم التي يطمحون بتنميتها لقيادة شيعة العراق.، وكانوا يطمحون بالسيطرة على الزعامة الدينية من خلال قريبهم السيد سعيد الحكيم. حتى انه عندما فشل سعيد الحكيم بالتصدي للمرجعية، أدعى باقر الحكيم انه بلغ درجة الاجتهاد، مع ان أحداً لم يسمع برسالة علمية قدمها ليستطيع غيره الحكم على صحة ادعاءه.
الثاني : توجهات السيد الصدر لأيقاف التلاعب والاستهتار بأموال المسلمين، ومنع استيراثها من قبل أولاد المراجع السابقين.لذلك دعى الى أعادة هذه الاموال والمؤسسات والبنايات للمرجع التالي .
والسبب الاخير هو نفسه وراء وقوف أولاد الخوئي ضد مرجعية الصدر.

أغرب ما في الامر ان سعيد الحكيم، قدم شكوى خاصة ومباشرة للرئيس العراقي صدام حسين ضد السيد الصدر راجيا اياه ومتوسلاً به ان يتدخل شخصياً ليعيد للحكيم مدرسة دينية كان استولى عليها سعيد الحكيم، واعادها اتباع الصدر تحت ادارة المرجعية بأعتبارها وقفاً للمرجعية وليس ملكاً شخصيا لال الحكيم.مع ذلك لم ينتقد أحداً من اولاد الحكيم قريبهم هذا رغم ان التقليد الشيعي هو ان تتم حل مثل هذه المنازعات عادة بأعتماد فقيه أخر او مجموعة فقهاء للتحكيم كما قال بذلك الامام الصادق (ع).

اما الامتيازات التي قدمها النظام، او اعتبروها دلالة على تعاون السيد الصدر مع النظام، فهي نفسها التي تقدمها الحكومات العراقية المتعاقبة للمراجع بما فيهم محسن الحكيم والخوئي اباء هؤلاء الاولاد، كما هو السستاني فيما بعد. وهي عادة : حق اعطاء كفالة لطلبة العلوم الدينية من غير العراقيين لتمديد اقاماتهم. والاشراف على ادارة الاوقاف الشيعية. فهي حق طبيعي لابائهم، ودلالات شبهة عندما يتعلق الامر بالسيد الصدر. يجري كل هذا الباطل بأسم حب الحسين والسيدة الزهراء البتول، والولاء للامام علي (ع).

ولايدري الانسان أين هو الدين في كل هذه الممارسات. واين هي التقوى والورع وخشية الله في ذلك.
التقت كل هذه الارادات على أختيار مرجعية المسخ الموجودة الغائبة حسب الطلب، وبما يحقق لجميع هذه الاطر







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق