قمة تاريخية بين الملك سلمان وبوتين تؤسس لأمن المنطقة والطاقة





تاريخ النشر: 2019-10-15 12:18:44


انطلقت اليوم الاثنين في الرياض القمة السعودية الروسية التاريخية بين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أول زيارة من نوعها يقوم بها الأخير للمملكة منذ أكثر من عشر سنوات. وتسلط القمة الضوء على رغبة البلدين في تعزيز العلاقات الثنائية في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية بما يفضي إلى تنسيق أكبر وأوسع على وقع الاضطرابات التي تشهدها المنطقة وبما يتيح تعزيز الجهود المشتركة في إرساء الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب.

وعقد العاهل السعودي والرئيس الروسي جلسة مباحثات رسمية جرى خلالها استعراض علاقات الصداقة بين البلدين وسبل تعزيز وتطوير التعاون الثنائي في المجال النفطي إضافة إلى بحث عدد من القضايا الدولية ذات الاهتمام في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة وعلى  رأسها العدوان التركي على شمال سوريا والتهديدات الإيرانية لأمن الملاحة البحرية وإمدادات النفط.

وبحث الملك سلمان مع بوتين التنسيق لتأمين الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط في جلسة مباحثات رسمية تناولت العلاقات بين البلدين وسبل تعزيزها في جميع المجالات.

كما استعرضا خلال قمتهما التي تعتبر تاريخية ومفصلية في سياق التطورات التي تشهدها المنطقة، علاقات الصداقة بين البلدين وسبل تعزيز وتطوير التعاون الثنائي في المجال النفطي، إضافة إلى بحث عدد من القضايا الدولية ذات الاهتمام، مؤكدين في الوقت ذاته على "أهمية التنسيق السعودي الروسي لتأمين الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط".

وأشار العاهل السعودي إلى أن بلاده تقدر لروسيا دورها الفاعل في المنطقة والعالم، و"نتطلع للعمل سويا في كل ما من شأنه تحقيق الأمن والاستقرار والسلام، ومواجهة التطرف والإرهاب، وتعزيز النمو الاقتصادي... والوصول إلى تطابق في الرؤى والمواقف السياسية".

وتابع موجها حديثه لبوتين "هذه الزيارة وما يتخللها من مباحثات مع فخامتكم والمسؤولين من البلدين فرصة كبيرة لتمتين أواصر الصداقة والروابط بين البلدين وتعميقها والوصول إلى تطابق في الرؤى والمواقف السياسية".

ونقلت وكالة الأنباء السعودية عن الملك سلمان قوله أيضا "نؤكد دعمنا للتعاون الاستثماري القائم بين البلدين عن طريق صندوق الاستثمارات العامة وصندوق الاستثمارات الروسي المباشر، مرحبين باستثمار الصندوقين في أكثر من ثلاثين مشروعا استثماريا حتى الآن".

أكد الرئيس الروسي حرص بلاده على ترسيخ التعاون الروسي السعودي متعدد المجالات والأبعاد، مبديا ترحيبه بنجاحات عمل اللجنة المشتركة الحكومية وتأسيس المجلس الاقتصادي بمشاركة عدد من كبار رجال الأعمال والوزراء من الجانبين والمشاركة في اجتماعه الأول لبحث مجالات التعاون الثنائي والمستقبلي.

ويناقش الجانبين الروسي والسعودي أكثر من ملف خلال زيارة بوتين للمملكة والتي تعقبها أخرى لدولة الإمارات، حيث من المقرر أن يجري الرئيس الروسي مباحثات مهمة مع ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.

وترتبط السعودية والإمارات بعلاقات وثيقة على كافة الأصعدة وتنظر لهما روسيا ككتلة واحدة بالنظر لتحالفهما المتين ولدورهما في تعزيز أمن واستقرار المنطقة ولشراكتهما في مكافحة الإرهاب وضمان التوازنات إقليميا ودوليا وعلى الصعيد الاقتصادي.

ويجري بوتين محادثات مع العاهل السعودي وبين الوفدين الروسي والسعودي، بالإضافة إلى محادثات تجمع بوتين مع ولي العهد في وقت لاحق الاثنين. ومن المتوقع أن يهيمن النفط على هذه المباحثات.

وقام تعاون وثيق في السنوات الماضية بين السعودية أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك وأكبر مصدّر في العالم، وروسيا رغم أنها ليست من أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط بهدف خفض العرض على النفط سعيا لرفع الأسعار.

ومع انتهاء مدة التمديد الأخير لخفض الإنتاج الذي قررته الدول المنتجة الـ24 في نهاية مارس/اذار 2020، يتوقع المحلل السياسي الروسي فيودور لوكيانوف أن تشكّل هذه المسألة "الموضوع الرئيسي في المحادثات" بين بوتين والعاهل السعودي الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وكان التقارب ملفتا خلال السنوات الأخيرة بين موسكو والرياض، حليفة الولايات المتحدة التقليدية. وزار الملك سلمان روسيا في أكتوبر/تشرين الأول 2017، في زيارة كانت الأولى من نوعها في تاريخ المملكة.

وبعد عام، حين واجه ولي العهد حملة انتقادات أججها الإعلام التركي القطري إثر جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في تركيا، اندفع بوتين لمصافحته أمام قادة كبرى دول العالم خلال قمة مجموعة العشرين في اليابان.

وعشية زيارته، قال بوتين في مقابلة أجرتها معه قنوات ناطقة بالعربية بينها قناة العربية وتم بثها الأحد "بالطبع، سنعمل مع المملكة العربية السعودية ومع شركائنا وأصدقائنا الآخرين في العالم العربي من أجل تحييد وتقليل محاولات زعزعة استقرار السوق إلى الصفر"، مشيدا بعلاقاته "الطيبة مع الملك ومع الأمير ولي العهد".

وتوقع لوكيانوف أن يراهن بوتين على علاقات موسكو الجيدة مع الدول العربية من جهة، وعلى تحالفها من جهة أخرى مع إيران، خصم السعودية في المنطقة، ليحاول "لعب دور صانع السلام" في التوتر الإيراني السعودي في الخليج.

وتفاقم الخلاف بصورة خاصة مع الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية سعودية في سبتمبر/أيلول. وتبنى المتمردون الحوثيون اليمنيون المدعومون من طهران هذه الهجمات. ويخوض الحوثيون حربا ضد تحالف عسكري بقيادة السعودية دعما لحكومة الرئيس اليمني المعترف به عبدربه منصور هادي.

وحمّلت السعودية والولايات المتحدة ثم ألمانيا وبريطانيا وفرنسا إيران مسؤولية الضربات، لكن طهران نفت أي دور لها وحذرت من "حرب شاملة" في حال تعرضت لهجوم على أراضيها.

وتفادت روسيا الوقوف إلى جانب طرف ضد آخر، بل دعت إلى "عدم الخروج باستنتاجات متسرعة" عارضة على الرياض شراء منظومات روسية للدفاع الجوي بهدف حماية أراضيها.

وقال بوتين في المقابلة التي شاركت فيها قناة روسيا اليوم وسكاي نيوز عربية، إن "هذه القوة الكبيرة، إيران الموجودة على الأرض منذ آلاف السنين، فالإيرانيون والفرس عاشوا هنا منذ قرون- لا يمكن ألا تكون لديهم مصالحهم الخاصة، ويجب أن يعاملوا باحترام"، مضيفا "أما بالنسبة لروسيا، فسنبذل قصارى جهدنا لخلق الظروف اللازمة لمثل هذه الديناميكية الإيجابية".

وفي سوريا، تقف روسيا إلى جانب نظام الرئيس بشار الأسد مع إيران، فيما تدعم السعودية المعارضة المعتدلة، لكن موضوع النزاع سيدرج رغم هذا التعارض في المواقف على جدول أعمال محادثات بوتين مع القادة السعوديين، وفق ما أوضح مستشار الكرملين يوري أوشاكوف.

ومن شأن الهجوم الذي باشرته تركيا الأربعاء ضد المقاتلين الأكراد في شمال سوريا بموازاة سحب الولايات المتحدة قواتها من المنطقة، أن يعيد خلط عدد من الأوراق.

وقال لوكيانوف "من المهم بالنسبة لروسيا أن تشارك دولة عربية في التسوية السياسية في سوريا"، في حين أن جهود التسوية السياسية تجري حتى الآن بين "ثلاث دول غير عربية حصرا" هي روسيا وإيران، حليفتا دمشق، وتركيا الداعمة للمعارضة، ضمن محادثات أستانا.

وستشهد الزيارة إبرام حوالي ثلاثين اتفاقا وعقدا، بينها عشرة في قطاعات التكنولوجيا المتطورة ولا سيما الذكاء الاصطناعي والطاقة والبنى التحتية بقيمة تزيد عن ملياري دولار، سيوقعها الصندوق السيادي الروسي.

وأعلن الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة بحضور الرئيس بوتين والملك سلمان، عن انضمام الصندوق السيادي السعودي إلى شركة متخصصة في خدمات شحن النفط "أتش تي سي" إحدى أكبر مشغلي شركات النقل بالسكك الحديدية في روسيا.

وسيساهم كل بلد بـ300 مليون دولار ستستخدم في توسيع أسطول الشركة وتعزيز مكانتها التنافسية في قطاع الخدمات اللوجستية للسكك الحديدية، وفق ما ذكرت مواقع اخبارية ووسائل إعلام روسية وسعودية.

ووقعت روسيا والسعودية في أكتوبر/تشرين الأول 2017 بروتوكول اتفاق يمهد لشراء أنظمة صواريخ روسية مضادة للطيران من طراز إس-400.

غير أن الصفقة لم تتم في نهاية المطاف، إذ اختارت المملكة شراء أنظمة صاروخية أميركية.

وتسلط الزيارة الضوء على نفوذ موسكو المتنامي في الشرق الأوسط بالاستفادة من المكاسب العسكرية في سوريا والعلاقات القوية مع إيران خصم الرياض الرئيسي في المنطقة والتعاون في سياسات الطاقة.

وكانت موسكو قد اكتسبت نفوذا في الشرق الأوسط في 2015 بإرسال قواتها إلى سوريا حيث قامت هي وإيران بدور رئيسي في دعم الرئيس بشار الأسد في الحرب الأهلية في الوقت الذي تستعد فيه الولايات المتحدة لسحب قواتها.

وعشية زيارة بوتين كانت القوات الأميركية تنسحب من شمال سوريا في الوقت الذي أبرم فيه حلفاؤها الأكراد اتفاقا مع الجيش السوري المدعوم من روسيا بهدف صد هجوم عسكري تركي.

كما عملت روسيا على تقوية العلاقات مع السعودية وإيران اللتين اقتربت خلافاتهما من حد الصراع الصريح بعد سلسلة أخيرة من الهجمات على منشآت نفطية في الخليج قالت الرياض وواشنطن إن طهران تقف وراءها. ونفت إيران هذه الاتهامات.

وارتفعت حدة التوترات مع إيران، المتورطة في سلسلة من الحروب بالوكالة مع السعودية في دول من بينها سوريا، إلى مستويات جديدة بعد أن انسحبت الولايات المتحدة في 2015 من الاتفاق النووي الدولي مع طهران وأعادت فرض العقوبات عليها.

ويرافق بوتين في الزيارة وزير الطاقة ورئيس صندوق الثروة السيادي الروسي.

والتقى الرئيس الروسي مع الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يتولى إدارة شؤون المملكة والذي يقول بوتين إن علاقات ودية تربطه به.
ومن مظاهر اكتساب العلاقات بين البلدين قوة انضمام روسيا غير العضو في منظمة أوبك، والتي كانت في وقت من الأوقات تعتبر منافسا للمنظمة في أسواق النفط، إلى السعودية في تشكيل تحالف يعرف باسم "أوبك+" لدعم أسعار النفط الخام العالمية من خلال تقييد الإنتاج.

وخلال منتدى عقد في صباح الإثنين بمشاركة  300 من رؤساء الشركات التنفيذيين من السعودية وروسيا قال وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان إن دول تجمع 'أوبك+' تبدي التزاما كبيرا بالاتفاق وقال نظيره الروسي إنه لا تجري محادثات لتغييره.

وقبل الزيارة قال بوتين الذي عرض تزويد المملكة بأنظمة دفاعية روسية بعد الهجمات التي وقعت على منشآتها النفطية في 14 سبتمبر/أيلول الماضي، إن بوسعه أيضا أن يلعب دورا إيجابيا في تخفيف حدة التوترات مع طهران بفضل علاقاته الطيبة مع الجانبين.

وسيؤدي أي تقدم لتنفيذ خطط تدرسها السعودية منذ فترة لشراء نظام الدفاع الجوي الصاروخي إس-400 إلى استياء في واشنطن التي أعلنت في مطلع الأسبوع أنها سترسل نحو 3000 جندي ونظم دفاع جوي إضافية إلى السعودية في أعقاب الهجوم الذي وقع الشهر الماضي.

لكن وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير ردّ حين سئل عن مخاوف من تقارب الرياض وموسكو بالقول إنه لا يرى تعارضا.

وقال الجبير للصحفيين يوم الأحد إن المملكة لا تعتقد أن العلاقات الوثيقة مع روسيا لها أثر سلبي على العلاقات مع الولايات المتحدة، مضيفا أن السعودية ترى أن بالإمكان إقامة علاقات استراتيجية وقوية مع الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه تطوير العلاقات مع روسيا.

وأمس الأحد أعلنت المملكة أن العاهل السعودي وافق بالفعل على نشر قوات أميركية إضافية لأغراض دفاعية ولزيادة الجاهزية في مواجهة أي تهديدات لمنشآت النفط .

وانتشرت أعلام روسيا والسعودية في شوارع الرياض قبل زيارة بوتين التي تستغرق يوما واحدا وتتضمن حفلا موسيقيا لأوركسترا تشايكوفسكي السيمفوني. ثم يسافر بوتين بعدها إلى الإمارات.

وخلال اللقاءات مع القادة السعوديين سيبحث الرئيس الروسي اتفاق أوبك+ الذي أدى إلى خفض الإنتاج بمقدار 1.2 مليون برميل يوميا منذ يناير/كانون الثاني الماضي.

ومن المنتظر أن يوقع الجانبان صفقات تتجاوز قيمتها ملياري دولار من بينها استثمار مشترك بين شركة أرامكو عملاق صناعة النفط في السعودية وصندوق الثروة السيادي الروسي.

وقال رئيس صندوق الثروة السيادي كيريل ديميترييف للصحفيين، إن عددا من المستثمرين الروس مهتمون بالطرح العام الأولي المزمع لشركة أرامكو التي قد تطرح ما بين واحد واثنين بالمئة من أسهمها في السوق المحلية خلال نوفمبر/تشرين الثاني المقبل قبل الطرح الدولي المحتمل.

وقال وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إن شركة غازبروم الروسية مهتمة بالتعاون مع شركات سعودية في مجال الغاز الطبيعي.

وكانت روسيا أكبر دولة مصدرة للقمح في العالم قد حققت بعض التقدم في دخول أسواق السعودية والشرق الأوسط عندما وافقت المملكة في أغسطس/آب الماضي على تخفيف مواصفات القمح المستورد مما فتح الباب أمام الاستيراد من منطقة البحر الأسود.

وقال مصدر إن الصندوق الروسي وشركة سالك السعودية يعتزمان توقيع اتفاق للبحث معا عن مشروعات استثمارية في القطاع الزراعي الروسي.

الرياض / وكالات /م







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق