رهانات التغيير العراقي من 2003 حتى أكتوبر 2019 .. بقلم : لقاء موسى الساعدي





تاريخ النشر: 2019-10-20 12:42:15


منذ 20 مارس 2003 حين قصفت القوات الامريكية اهدافا في بغداد معلنة بداية الحرب التي اسقطت نظام صدام حسين، وتقدمها صوب بغداد في 9 ابريل 2003 وقد تحول العراق الى ساحة صراع دموي بين الولايات المتحدة، وإيران، اثبتت الولايات المتحدة فيه فشلها الكامل بإدارة ملف العراق. ولمعرفة سر فشل واشنطن وحلفائها في العراق مقابل انتصار إيران الذي بات واضحا من خلال النفوذ الواسع لها، لابد من مناقشة السياسة الامريكية المتعجلة والتي لم تستند لقراءة واقعية، فيما أثبتت طهران أنها كانت تتمتع بنظرة بعيدة المدى متأنية تستند الى قراءة دقيقة للداخل العراقي.

السياسة الأمريكية في العراق

اعتمدت الولايات المتحدة منذ اكتوبر 2003 حين منح لها مجلس الامن الدولي الشرعية لاحتلال العراق، سلسلة من الاجراءات التي اتخذها الحاكم العسكري بريمر كانت كفيلة بتحطيم بنية الضبط الاجتماعي في الدولة العراقية تمثلت بـ: حل الجيش العراقي، والغاء جميع الاجهزة الامنية والاستخباراتية، وحل وزارتي الدفاع والاعلام.

شكل في يوليو 2003 مجلس الحكم من 15 شخصية من قيادات المعارضة قائم على المحاصصة العرقية والطائفية كان هذا المجلس رغم هشاشته بداية لتشكل الدولة الطائفية المقسمة وفق المحاصصات والاستحقاقات العرقية والطائفية والقومية، اصدر مجلس الحكم في مارس 2004 الدستور المؤقت، لكن المحاصصة الطائفية والعرقية التي اسس لها مجلس الحكم اصبحت عرفا يصعب الخلاص منه، رسخ هذا العرف مبادئ الطائفية السياسية التي صار من الصعب تجاوزها.

السياسة الإيرانية بعد الغزو الامريكي

في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة الامريكية تتخذ اجراءات لتفكيك المجتمع العراقي وتعمد الى بناء طبقة سياسية جديدة، كانت إيران تتغلغل في المجتمع العراقي عبر نشر رجالها الذين عرفوا (بالاطلاعات) مهمتهم جس نبض الشارع العراقي لتشكيل مجموعات تؤمن بالولاء لإيران عبر نشر ثقافة مذهبية متطرفة تضع فكرة ولاية الفقيه محل الايمان التقليدي الشيعي بالمرجعية الدينية في النجف. اي ان العمل الذي اجتهدت فيه إيران كان الجانب الثقافي وبث ممثليها في الحسينيات والمجالس الدينية لتأجيج الخطاب الطائفي وتعزيزه في نفوس الشباب المتحمس للاستفادة من مناخ الحرية والخلاص من النظام الدكتاتوري، كما قامت بانشاء مراكز لتدريب الشباب وكسب ودهم، ومدارس دينية في الاحياء الفقيرة، مستغله فقرهم وانخفاض وعيهم بالمرامي البعيدة لهذا الدعم.

في الوقت نفسه بدأت نواة التشكيلات المليشياوية الطائفية بالتمدد والعمل بسرية تامة في بناء المقرات وكسب الأتباع والتدريب على حروب الشوارع والعصابات، فقد استفادت إيران من سياسة الولايات المتحدة في تمزيق العراق طائفيا، ومن اعتراف الولايات المتحدة بان عمل تنظيم القاعدة كان بتمويل خليجي هدفه زعزعة الحكومة لاسباب طائفية، الأمر الذي أدى الى عزل العراق عن المحيط العربي الذي ظل منحازا لحقبة نظام صدام ضد تطلعات الاغلبية العراقية نحو الحرية وبناء دولة جديدة، وهو العامل الذي عزز من وجود تنظيم القاعدة وقيامه بأعمال إرهابية غاية في الوحشية طالت الاسواق والمدارس ودور العبادة خصوصا داخل المناطق الشيعية، فيما قدمت الحاضنة السنية للتطرف الديني خدمة كبيرة للخطاب الإيراني الرامي لتحويل المناطق السنية داخل العراق الى مناطق مدانة بالعداء للدولة، وسبب لتهميش هذه المناطق في السياسة والحقوق.

إن السياسة الامريكية المتخبطة في العراق كانت تصب دائما في مصلحة إيران وتغلغلها في العراق، فقد لعبت إيران بورقة المظلومية الشيعية والخوف المزمن لافراد هذه الطبقة من عودة مرحلة القمع والاحتقار التي كانت تمارس بحقهم لعقود طويلة، وظلت تعزز هذه المفاهيم بقوة لأتها تصب في النهاية لصالح التغلغل الإيراني في السياسة والسلطة في العراق.

بدأت تداعيات التصادم بين سياسة إيران في العراق وسياسة الولايات المتحدة تظهر بقوة اثر اندلاع الحرب الطائفية في العراق بعد تفجير مرقد "الامامين العسكريين" في سامراء، وهو واحد من أبرز المزارات الشيعية في فبراير 2006 ما تسبب باقتتال طائفي أدى الى مقتل عشرات الاف المدنيين، واستمر حتى 2008 وهو العام الذي أبرم فيه العراق مع الولايات المتحدة اتفاقية أمنية تتضمن إلزام القوات الامريكية بالخروج من العراق بحلول نهاية عام 2011.

بعد النجاحات العسكرية التي أدت لكسر شوكة المليشيات المنتشرة في البصرة والمحافظات العراقية، تسلمت القوات العراقية المهام الامنية من الامريكان في يناير 2009 وأخذ رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي يعلن نفسه بطلا للتحرير، ما مهّد لبسط سيطرته الشخصية والحزبية على جميع مفاصل الدولة وتهميش دور الأحزاب والمكونات الاخرى، وازداد هذا النفوذ بعد حصوله على ولاية ثانية بدعم إيران (التي ظلت تدعمه بقوة حتى بعد فشله في أداء دوره وسقوط الموصل، في يونيو 2014)، ولم تمض شهور حتى اندلعت احتجاجات شعبية غاضبة وسط بغداد وفي عدد من المحافظات لرفض السياسات الطائفية وسوء الاوضاع الخدمية التي يعيشها المواطن العراقي في قطاعات الكهرباء، الصحة، التعليم... الخ.

هنا انقلب المزاج الشعبي الذي لم تعد الوعود قادرة على تخديره، وانكشفت المخططات الطائفية لتمزيق الشعب العراقي، ولم تعد الجماهير تخدع بحجة الخطر الطائفي وصارت حماية الارض واسترداد الموصل من داعش هي الهدف للجميع. هنا سقط المالكي كرئيس وزراء، وبسقوطه بدأت موجة التحريض الطائفي بالانحسار شعبويا اي انها لم تعد تؤثر في الجماهير كما السابق وصار المزاج الشعبي قبل النخبوي مدركا تماما ان التخبط في ادارة البلد هو السبب بكل ما يحدث في العراق. وان الفساد الحكومي وسرقة المال العام هو الهدف في هذه المرحلة.

 

ثورة 1 اكتوبر 2019: وصف سريع

اندلاع هذه الثورة كان مفاجأة لكل العراقيين، لم يكن احد يتوقع انها ستكون بهذا الزخم الجماهيري الكبير من شباب باعمار تتراوح من 16 عام الى 25 جلهم من الفقراء المعدمين والعاطلين عن العمل ليس بينهم اي عنصر معروف من الشخصيات التي عرفت بمعارضتها للحكومة في الاحتجاجات السابقة. هذا الجيل يمكن ان نطلق عليه (جيل ما بعد مقتدى الصدر) جيل غير مسيطر عليه وغير خاضع لأحد.

خرجوا بعد المشاهد المهينة التي تعرض لها المطالبون بالوظائف من حملة الشهادات العليا وبينهم بنات ونساء تم ضربهم بالماء الحار والفلفل من قوات مكافحة الشغب، مما جعل الشارع يحتقن وتتسارع نوبات الغضب الجماعي، اعقبه الخطأ الحكومي الكارثي بإحالة الضابط الاشهر (عبد الوهاب الساعدي) الذي ساهم بتحرير الموصل الى الامرة وتهميش دوره في جهاز مكافحة الارهاب.

عوامل اندلاع مظاهرات 1 أكتوبر بوصفها الحدث الاهم في تاريخ العراق الحديث:
•انها تنتمي لجيل بعيد عن الايديولوجيات، فهو جيل لا يؤمن بالتيارات الشيوعية او القومية او الاسلامية.
•انها تطالب بما هو اكثر من الخدمات والاصلاحات، مطلبها الاول استعادة السيادة الوطنية للعراقيين على ارضهم، وانهاء حكومة الفساد بكل تشكيلاتها الحزبية المتغولة من سرقة المال العام والامتيازات غير المحدودة التي حصلت عليها نتيجة صفقات الفساد بين القوى الحكومية المتحاصصة فيما بينها.
•حصلت على تأييد جماهيري كبير، إذ توحد العراقيون في تأييدها بكل اطيافهم وصاروا كلهم في مقابل الحكومة التي تواجه رفضا جماهيريا كاملا غير منقوص، اشتركت فيه محافظات الجنوب كلها مع بغداد.
•خلقت هوية عراقية جديدة وأعادت الثقة للعراقيين بأنفسهم بعد سنوات من فشل الحركات الشعبية والتجمعات التي تتفاوض مع الحكومة.
•القمع الحكومي الشديد الذي واجه المحتجين، من خلال الرمي بالرصاص الحي وفرض حظر التجوال على المناطق المنتفضة، وقطع الانترنت وتعطيل منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة لقمع الثورة مهما كان الثمن.
•سقوط هيبة المرجعية الدينية داخل نفوس الشباب الثائر بعد ثبوت تورط الكثير من المراجع في الفساد الحكومي وفي التحريض لقمع المتظاهرين، وهذا يكاد يكون اكبر نتائج الثورة، فالتحالف بين رجال الدين والساسة كان يشكل الاداة الاولى لصفقات الفساد التي امتصت دماء العراقيين على مدى 16 سنة متواصلة.
•سقوط 130 شهيدا وآلاف المصابين بنيران القوات الحكومية جعل طريق العودة واستعادة الثقة غير مطروح مطلقا.

وسمت الحكومة العراقية المتظاهرين بالبعثية وان وراء حراكهم اسرائيل وامريكا والسعودية.. الخ، فواجهها العراقيون بالسخرية الشديدة، إذ لا يمكن لامريكا التي فشلت مع العراقيين كل هذه السنوات او السعودية التي تفشل في ادارة ملفاتها الداخلية، وملف الحرب في اليمن، ان تتمكن من تحريك شعرة في رأس طفل عراقي. ناهيك عن تهمة "البعثية" المضحكة التي تنسب لشباب لم يعرفوا ماهو البعث أصلا، فضلا عن كونه ميتا سريريا، ولم يعد له وجود اصلا. كل هذه التهم الرثة لم تؤثر على التفاف العراقيون حول ثورتهم التي أعادت نبض الحياة في عروقهم مجددا بعد سنوات من التدجين للروح العراقية الوثابة، والعقل العراقي المتسائل واللماح.

أما الوعود بالوظائف والتعويضات التي أطلقتها الحكومة، فهي أول اعتراف منها بفشلها وأحقية الثوار الذين خرجوا لاستعادة وطنهم من كتل الفساد الكبرى التي تحكم العراق، فالحرب الآن هي بين مواطنين عزل وبين مليشيات مرتبطة بإيران التي أعلن أحد أبرز عسكرييها وهو قائد الوحدات الخاصة التابعة لقوى الأمن الداخلي الإيراني العميد حسن كرمي عن إرسال قوة مكونة من 7500 عنصر الى العراق في مقابلة لوكالة مهر الإيرانية، بحجة حماية مراسم الزيارة الاربعينية، كما ان حملة اغتيالات واعتقالات تشنها الحكومة الان تظهر أن اعداد الضحايا في ازدياد، مما يرجح استعداد إيران لتكرار نموذج الحوثي في العراق، بما يتجاوز الدولة ويضع الشعب في مواجهة مع مليشياتها المدربة على التصفية الجسدية.

يبقى رهان الثورة على قدرتها في المطاولة والاستمرار، وبقاء الشعب متضامنا مع بعضه ملتفا حول ثورته، في مواجهة صمت عالمي للمجزرة التي تعرض لها الشعب العراقي من 1-6 اكتوبر، بما يؤكد للعراقيين أنهم أمام مرحلة صعبة من القمع والموت لعلها تشرق بشمس الحرية.

كاتبة عراقية







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق