جدلية العلاقة بين قدسية المرجعية الدينية ودولة العصابة؟... بقلم : أنمار نزار الدروبي





تاريخ النشر: 2019-10-20 12:57:12


_ يقول المرجع الأعلى السيد(السيستاني).. في إحدى مؤلفاته بعنوان (رسالة احكام للشباب)..في الفقرة السابعة تحديدا " من ولّي أمراً من أمور المجتمع فليهتم به وليكن ناصحاً لهم فيه ولا يخونهم فيما يغيب عنهم من واجباته، فإنّ الله سبحانه متولٍّ لأمورهم وأمره جميعاً و سوف يسأله يوم القيامة سؤالاً حثيثاً، فلا ينفقن أموال الناس في غير حلّها، ولا يقرّرن قراراً في غير جهة النصح لهم، ولا يستغلّن موقعه لتكوين فئة وحزب يتستّر بعضهم على بعضٍ ويتبادلون المنافع المحظورة والأموال المشبوهة، ويزيحون الآخرين عن مواضع يستحقونها أو يمنعون عنهم خدمات يستوجبونها، وليكن عمله لجميع الناس على وجه واحد فلا يجعله سبيلاً للمجازاة على حقوق خاصّة عليه لقرابة أو إحسان أو غير ذلك، فإنّ وفاء الحقوق الخاصّة بالحق العام جور وفساد، فإن ساغ لك ترجيح أحد فعليك بترجيح الضعيف الذي لا حيلة له ولا جهة وراءهُ ولا معين له على أخذ حقّه إلاّ الله سبحانه. ولا يستظهرنّ أحد في توجيه عمله بدين أو مذهب، فإنّ الدين والمذاهب الحقّة قائمة على المبادئ الحقّة من رعاية العدل والإحسان والأمانة وغيرها، وقد قال الله سبحانه: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ).. وقال الإمام (عليه السلام).. (إنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول في غير موطن.. لنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقَّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَعْتِعٍ). فمن بنى على غير ذلك فقد زيّن لنفسه الأماني الزائفة والآمال الكاذبة. إلى آخر الرسالة".

_ إذن بعد هذا الجزء اليسير من رسائل المرجع الأعلى..السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة..كيف ومتى تلاقت آيديولوجية مرجعية النجف الاشرف وقدسيتها العالمية بالنسبة للشيعة، مع فضائح الطبقة السياسية الفاسدة الحاكمة في العراق؟

_ الحقيقة الأخرى التي يجب أن نقر بها هي( واهم من يعتقد إن إنهيار الجسد العراقي وأنهار الدم التي سالت في أرض وادي الرافدين منذ ستة عشر عاما..كانت بتخطيط الولايات المتحدة الأمريكية..كلا..بل إن كل ما تعرض له العراق والعراقيين وسيتعرض له مستقبلا من دمار وخراب، كانت وما تزال بتخطيط وتنظيم(بريطانيا)..فهي المدبر والمفكر والمخطط..اما أمريكا فهي مجرد دولة تنفيذية لما يصدر عن القرار البريطاني.

وبعد.. بصرف النظر عن شهوة السلطة والسيطرة، فإن الحقيقة الثابتة هي..أن المرجعية الدينية في النجف الاشرف تمثل الرقم الصعب والعنصر الاهم  في المعادلة السياسية بالعراق. وبالعودة إلى توجيهات وفلسفة المرجع الأعلى السيد(السيستاني).. وما جاء من قيم عظمى في رسائله للشباب، سنجد بأن كل هذه المبادئ والتعاليم ليست لها علاقة مطلقا لا من قريب أو بعيد بما يقوم به أولي الأمر (الأبطال).. في العراق! لكن الكارثة الكبرى تتمثل في ان كل محنة أو مأزق تتعرض لها جماعة دولة العصابة وهي كثيرة، سرعان ماتبرز مرجعية النجف لكي تمليء فراغ السلطة. وفي ظل هذه الفوضى العارمة وانعدام القانون بعد ان سحقت نصوص العدالة..تفرض.. المرجعية نفسها لتقول كلمة الفصل، والتي لاتتعدى ان تكون(كلمة حق يراد بها باطل وتضليل)..لإنقاذ هذه السلطة الجاثمة على صدور العراقيين منذ العام 2003م، والى ساعة كتابة هذا المقال.

في الحقيقة ان كل الطبقة السياسية وتحديدا(شيعة السلطة).. يعتبر تمسكها بتوجيهات المرجعية الدينية عبارة عن وهم وسراب، فهؤلاء الساسة لا يفقهون شيء في حياتهم غير النفاق والدجل. رأيناهم بعد الاحتلال وهم يهتفون بالشكر لبوش الابن، ويمسحون اكتاف سيدهم بريمر، سمعناهم يكذبون كما يتنفسون، حين يصرحون علنا في الفضائيات وباقي وسائل الإعلام وبدون أي حياء وخجل..بأنهم..من أسقطوا النظام السابق! ولكن عندما يصل غضب الشارع العراقي إلى مرحلة تهدد بسقوطهم، نجدهم يتمترسون خلف عباءة المرجعية، كونها بالنسبة لهم الأداة والوسيلة التي تمكنهم من ترويض الأسود الهائجة ضدهم. لقد تطورت فكرة الذات المستعلية لدى اصحاب السيادة في العراق من فكرة نحن أبناء المرجعية إلى فكرة نحن المرجعية في كل شيء ، فلم يعد الأمر عند هؤلاء مجرد اقتداء كغيرهم بالمرجعيات الدينية..لا.. بل تطور الأمر إلى أنهم باتوا يشعرون بأن أفكارهم وأفعالهم غير قابلة للاجتهاد، بمعنى انهم على صواب دائما.

لكن لماذا تقبل المرجعية الدينية بهذه الأشجار السامة ان تنبت في حديقتها الخضراء؟


من المؤكد أن المرجعية الدينية لا تحتاج إلى أقمار صناعية لكشف فساد هذه الطبقة السياسية الفاشلة، ولا تحتاج إلى أجهزة رقابة لمعرفة حجم الدمار والانحطاط الذي أصاب هذا البلد وشعبه المسكين، لأن خروج ملايين الشباب معلنين رفضهم للواقع المزري دليل قاطعا وحافزا، لكي تتحمل المرجعية الدينية مسؤوليتها تجاه شعبها، وإن تمتلك الإرادة لقطع رؤوس الفساد وقطع الجسر الممتد من طهران وقم إلى المنطقة الخضراء، وإن تسطر كلمة النهاية في إنهاء معاناة الشعب العراقي على اقل تقدير تجسيدا لرسائل المرجع الأعلى.

بقلم..الكاتب والباحث السياسي

أنمار نزار الدروبي







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق