احتمالات نزع سلاح قوات الحشد الشعبي في العراق





تاريخ النشر: 2019-12-01 10:12:51



مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية


مثل ظهور قوات الحشد الشعبي على الساحة العراقية نقطة حاسمة في تاريخ العراق الحديث؛ إذ تم تأسيسها في عام 2014 لمساعدة الجيش العراقي، وتعدّ أقوى فاعل في البلاد اليوم، وهي قوات شبه نظامية، تمثل رقما صعبا في عداد القوات المسلحة العراقية، إذ تأتمر بأمر القائد العام، وتتألف من حوالي 67 فصيلاً، وقد تشكلت بعد فتوى الجهاد الكفائي، التي أطلقتها المرجعية الدينية في النجف، وذلك بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على مساحات واسعة في عدد من المحافظات الواقعة شمال بغداد، لإيقاف تقدمها، ورغم تضاؤل مخاطر داعش فإن هذه القوات مازالت ناشطة؛ حيث إن دمجا جزئيا يجرى لها في الهيكل الأمني للدولة، ومع ذلك احتفظت بعض العناصر بدرجة عالية من الاستقلالية.

كان الهدف الحصري من نشأة قوات الحشد هو القضاء على داعش إلا أنها تعدت حدود المهمة التي أوجدت لأجلها، ويلقي الضوء على ذلك «فاندا براون» -من مؤسسة بروكينجز- مشيرة إلى أن مليشيا الحشد الشعبي «قامت بفرض تحدياتها على الدولة والمجتمع العراقي من خلال روابطهم السياسية، فقد تغلغلوا بعمق في الدولة ومؤسساتها السياسية التي مازالت تتطور»؛ وأحيانا يمارسون سلطة أكثر من العديد من الهيئات الحكومية، مثل قوات الحدود والشرطة، ولخصت «فاندا براون» هذه المخاطر بأنهم «يستغلون سلطاتهم، ويعرقلون تقدم الدولة العراقية من أن تكون أكثر إنصافا وشمولا في تقديم السلع العامة والأمن».

ووفقا لهذه الحيثيات المستجدة والمخاطر المتعلقة بتواجد قوات الحشد الشعبي دارت مناقشات عديدة بين الأكاديميين وصانعي السياسات محليا ودوليا، حول أفضل السبل لمواجهة ظاهرة الحشد المتنامية، وذلك لمساعدة العراق في مرحلة التعمير والتطوير، من هؤلاء الباحث حيدر الخفاجي؛ إذ طرح في تقرير له بتاريخ 14/11/2019 -صدر عن مركز الشرق الأوسط بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية- مدى إمكانية تطبيق مبادرة الأمم المتحدة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج لقوات الحشد الشعبي داخل المنظومة الأمنية العراقية، من أجل توحيد المليشيات بعد الحرب الأهلية وإنهاء الصراع الحالي.

ينطلق الباحث في تقريره من عدة فرضيات ترتقي إلى المسلمات المقبولة والتجارب الواقعية، والتي تسهم في حل المشكلات الدولية، وهي آليات يراها كفيلة بعودة العراق إلى المسار الديمقراطي الصحيح، فيطالب بمصادرة الأسلحة غير المشروعة من الجماعات المسلحة، وإلغاء هيكلها التنظيمي، وإعادة دمج أفرادها في مجتمعاتهم المحلية، وفي هذا السياق يبين: «أن عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج تضع الأساس للحماية والحفاظ على المجتمعات التي يعود إليها المقاتلون، وبناء القدرات من أجل السلام والأمن والتنمية»، ويدلل على أن عملية الدمج أثبتت نجاحها في تشتيت المليشيات، وإعادة سيادة الدولة في عدد من الدول المبتلاة بالحروب الأهلية، منها نيبال وسريلانكا، ويتحدد مدى النجاح -وفق تصوره- بقدرة الدول على تهيئة الظروف التي تجعل المليشيات وأعضاءها مقتنعين بنزع السلاح، وضمان عودتهم إلى وظائفهم، وحصولهم على خدمات الدولة بشكل جيد، وعبر توفير الأمن الكافي، من خلال خدمات الدولة الفعالة وغير التمييزية من الجيش والشرطة.

وفي عرضه التحليلي وتصوراته لحل مشكلة تواجد الحشد الشعبي، يرى أن فرض إطار شامل وناجح لعمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج أمر غير قابل للتحقيق في الوقت الراهن، مشيرا إلى أن: «العراق لا يمكن أن يمر بعملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج؛ لأن أغلبية الحشد الشعبي ليسوا على استعداد لنزع السلاح، بسبب اعتقادهم أن الحرب لم تنته بعد، أو بسبب أن بعض الحالات انتقلوا إلى جهاز الدفاع والأمن في العراق، أو أن بعضهم دخل الحياة السياسية»، ومن ثمَّ يقدم تصوره لما ينبغي أن تفعله الحكومة وما لا بد من أن تتحلى به من الإرادة والمبادرة، مضيفا أنه «لا يمكن للعراق إلا أن يقوم بتسريح جزئي وإعادة إدماج مقاتلي قوات الحشد الشعبي بسبب الافتقار إلى الإرادة والقيادة السياسية، وغياب آليات الدولة والمجتمع المدني، ولأنه تعتقد عناصر من القوات أنها بالفعل جزء من مؤسسات الدولة».

ويرصد الخفاجي بعض الصعوبات التي تحدّ من تفعيل هذا الإجراء، مبينا أن الحكومات المتعاقبة حاولت تبنيه إلا أنها لم تنجح، فقد تم تمرير قانون «هيئة الحشد الشعبي» في عام 2016 كأول محاولة رسمية تقودها الحكومة لدمج الحشد وجعله مسؤولا أمام الحكومة، كما صدر قرار رئيس الوزراء حيدر العبادي في 8 مارس 2018 من أجل هذا الأمر، ووقع مرسوم من رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي في 1 يوليو2019 بتكليف الهيئة وإخضاعها للدولة خلال مهلة محددة، إلا أن هذه الإجراءات لم يتحقق الهدف منها، وإلى الآن يُسمح لقوات الحشد الشعبي بالاحتفاظ بأسلحتها وتركيبتها التنظيمية وهيكلها القيادي، بل شُجعت على ذلك من أجل خدمة الدولة أيضا.

ويلفت الخفاجي الانتباه إلى أنه تم تحفيز قوات الحشد لعدم نزع السلاح للحفاظ على نفوذها العسكري والسياسي في العراق، وهذا يقلل من فاعلية برنامج الأمم المتحدة الذي سبق تطبيقه في بعض البلدان الأخرى، ورغم شمولية التقرير فإن من المؤسف أن الخفاجي لم يلتفت إلى عنصر أساسي آخر يقف وراء صعوبة تفعيل هذا البرنامج، وهو عنصر المصالح الاقتصادية لقوات الحشد الشعبي؛ إذ تتمتع بقدر كبير من النفوذ الاقتصادي، نتيجة توليها وظائف الدولة، مثل: أداء الرسوم الجمركية، وتحصيل الضرائب، وتشغيل شبكات السوق السوداء، وهذا ساهم في زيادة نفوذها، ومن غير المرجح أن يتراجع في المستقبل القريب، وهذا ما نوه به «ريناد منصور» -من المعهد الملكي للشؤون الدولية- إذ ذكر أن «القوات شبه العسكرية تمتلك أيضا قوة اقتصادية رسمية وغير رسمية.. ففي المناطق المحررة حديثا، تقوم نقاط تفتيش قوات الحشد الشعبي بجمع الضرائب والتعريفات وتسهيل نقل التجارة الرسمية وغير الرسمية التي خلفتها داعش». ويعد هذا العامل إحدى عوائق تفكيك الحشد، لأنها «واحدة من العديد من المجموعات العراقية التي تستفيد من ضعف الدولة لتحقيق مكاسب اقتصادية، ونتيجة لذلك، يجب على أي حل لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج معالجة هذه المشكلة الهيكلية والحوافز السلبية لأولئك الذين يستفيدون من عجز الدولة عن السيطرة على التجارة».

وطبقا لهذه الحيثيات والتحديات يقدم الباحث عددا من الآليات وحزمة من الإجراءات كإطار عام لتفعيل مبادرة الأمم المتحدة تجاه قوات الحشد الشعبي، أولها: ضرورة تبني الحكومة العراقية لهذا البرنامج حيثما أمكن، وذلك بتفكيكها للوحدات الزائدة، إذ تتكون قوات الحشد الشعبي من 120.000 مقاتل، ومن المتوقع أن يتم دمج 50.000 فقط في القوات المسلحة، مما يترك الآلاف من الأفراد الذين يمكن خلعهم من قائمة الرواتب من أجل توفير الإيرادات لأغراض التنمية.

ثانيها: يرى ضرورة حل العديد من المليشيات الفردية غير المدمجة في جهاز الدولة تنظيميا، وذلك لمنع تجددها المحتمل كقوة متمردة، ثالثها: العمل على إدماج هؤلاء الأفراد الذين جرى الاستغناء عنهم في الحياة المدنية وفقا لمبادئ برنامج الأمم المتحدة، ولضمان حياة آدمية لعناصر المليشيات السابقين، رابعها: التركيز على توفير حافز مالي للمسرحين، وتوفير فرص العمل، وتلبية الاحتياجات العقلية والبدنية، وتوفير عيادات لإعادة التأهيل، والحصول الملائم على الأدوية لما يعانونه من جروح وأمراض.

وهذه الآليات يعتبرها الخفاجي مناهج مفهومة ومتعارفا عليها عالميًا، وسبق تجربتها ونجاحها في السعي لتحقيق الأمن والسلام، إلا أنه من غير المرجح أن يتم تنفيذها بالكامل في العراق لوجود بعض التحديات، منها: نقص الموارد الاقتصادية، والفساد الحكومي، وغيرها من العوائق الاجتماعية والاقتصادية.

ويمكن القول إن الباحث نجح في عرض التحديات التي تواجه هذا الإدماج، إلا أنه تطرق إلى بعضها بشكل موجز فقط ولم يلتفت إلى العوامل العميقة التي تقف وراء صعوبة تنفيذ المبادرة ونجاحها فعليا، أهمها الآتي:

أولا: تغول الحشد الشعبي داخل مفاصل الدولة العراقية ناتج عن التأثير الإيراني، ووفقا للباحث فإن: «تسريحه يتناقض مع أهداف الجماعات الموالية لإيران، الذين يرون إمكانية تنفيذ نموذج قوات الحرس الثوري الإيراني في العراق، وبالتالي تقديم قوة عسكرية موازية لتلك التي تسيطر عليها الحكومة المدنية». ومع ذلك، لم يوضح بشكل كاف مدى قدرة النظام الإيراني على وقف الجهود العراقية لحل المليشيات داخل قوات الحشد الشعبي؛ لأن نفوذ إيران على المليشيات واسع، حيث إن ما يقرب من 50%، أو 60.000 من أفراد الحشد الشعبي ينتمون إلى مليشيات شيعية، وهي قوات مجهزة ومدربة ومنضبطة في المليشيا بأكملها، ومعظمهم مرتبط بدرجات متفاوتة مع إيران، التي توفر لهم الخدمات اللوجيستية والتسليح والتمويل والتدريب.

ثانيا: تمتلك إيران القدرة على عرقلة أي جهود تؤدي إلى نزع سلاح الحشد أو تسريحه أو إعادة الإدماج، لاعتمادها على هذه المليشيات في خدمة بعض أهداف سياستها الخارجية الرئيسية، فالهدف الأسمى للسياسة الأمنية الإيرانية هو الحفاظ على استقلال البلاد بموجب دستورها الذي وُضع بعد الثورة، ولهذا -وفق نظر الباحث- تنظر إلى «الولايات المتحدة وإسرائيل كأخطر تهديد لهذا الهدف»، في ظل محاولاتها للتفوق، ومقاومة هاتين الدولتين، اللتين تناهضان ملامح وأوجه سياستها حيال الشرق الأوسط، وهذا الأمر مرتبط بالعراق، لأنها ترى أن الحفاظ على نفوذها هناك ضرورة استراتيجية.

وثمة عامل مهم يصب في مصلحة إيران واستغلالها ضعف الدولة العراقية من أجل ضمان عدم تحدي تواجدها هناك، يكمن في أن تدرج القوة أو السلطة السياسية في العراق يتخذ شكل مخطط عشوائي بدلاً من التسلسل الهرمي؛ فهو عبارة عن مجموعة مختلفة من مراكز القوى ووسطاء رئيسيين ذوي صلات بذوي القوة، وتوجد تناقضات وحالة من العداء المباشر بينهم جميعا، ومن هنا يرى «فنار حداد» -من معهد الشرق الأوسط- أن مفهوم الدولة «بات يتسم بالهشاشة والضعف، وخاصة بالنظر إلى أن مجموعة مراكز القوى المختلفة التي تشكل تلك الدولة وترتبط بدورها بمجموعة من القوى الخارجية، لها أجندات وأهداف متعارضة مع بعضها أيضًا».

ويرى المحللون طبقا لهذه القناعات أن إيران لن تسمح بإجراء عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وفق عمليات السلام، لأن رئاسة وزراء العراق ضعيفة، وذلك بالمقارنة مع وكلاء إيران الأقوياء، وهذا الضعف يحدّ من نطاق أي خطوة لنزع سلاح وتسريح وإعادة إدماج مقاتلي الحشد الشعبي بمختلف خلفياتهم الشيعية والسنية والآشورية والتركمانية والكردية.

إجمالا: يعتبر الخفاجي أول باحث يطرح برنامج عمل، محدد المعالم لنزع سلاح وتسريح وإعادة دمج قوات الحشد الشعبي، وهو برنامج واقعي، وقد انتهى إلى أن الدمج الجزئي لقوات الحشد الشعبي في الهيكل الأمني للدولة يجعل من الصعب على الحكومة العراقية استخدام خطة شاملة لتحقيق هذا البرنامج تجاه تلك القوات، وإذا استطاعت ذلك فإن قدرتها ستكون محدودة لوجود المليشيات غير الشيعية، ولأن تلك القوات تتلقى دعمًا وتشجيعًا إيرانيًا لكي تظل مسلحة ونشطة لمساعدتها في مقاومة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وربما قد تجاهل الخفاجي فاعلية هذا الواقع في تقويض أي احتمالات لتطبيق هذه المبادرة. وبغضّ النظر عن تلك النقطة، يقدم التقرير فرضية مثيرة للاهتمام يجب أن ينصاع لها صناع السياسة العراقيون والدوليون خلال جهودهم لإعادة بناء العراق بعد سنوات من الحرب والصراع.







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق