المرجعية جمدّت مباركتها لـ(عبدالمهدي) بعد طوفان الدم العراقي ! ... بقلم : هارون محمد





تاريخ النشر: 2019-12-01 11:01:34


من استمع إلى خطاب ممثل المرجعية الشيعية العليا، أحمد الصافي، الجمعة الماضية، لا بد ولاحظ أنه نأى بمسؤولية مرجعيته عن تنصيب عادل عبدالمهدي، رئيساً للحكومة الحالية، قبل عام مضى، وتنصله عن مباركتها له، التي جاءت بعد اتفاق رفيقي السلاح: مقتدى الصدر وهادي العامري عليه، فرمى المسؤولية على مجلس النواب، على طريقة (رمتني بدائها وانسلت) وهو يعرف، قبل غيره، وقد كان نائباً فيه لأربع سنوات (2006ـ 2010)، أن الكتل الشيعية هي المهيمنة على البرلمان، وهي صاحبة القرار في تعيين رئيس الوزراء، بعد أن كرست بدعة، صارت قراراً مُلزماً، أن يكون من أقطاب الأحزاب الشيعية، ويحظى بمباركة المرجعية.

ولم يكتف الصافي، بهذا الإفك فقط، وإنما حاول بلسان أعوج، وعبارات منافقة ومراوغة ومخاتلة، ان يُضفي على مرجعيته طابع (الارشاد) ويُبعد عنها، نفوذها السياسي في مفاصل البلاد، وخضوع قادة الأحزاب والكتل الشيعية إليها، حتى تلك التي تقلد الولي الفقيه الايراني على خامنئي، وما تزال فتواها المسماة بـ(الجهاد الكفائي)، التي التزمت بها فرق الموت ومليشيات الغدر، في إزهاق النفوس البريئة، والعدوان على السنة العرب، واحتلال مناطقهم، وتخريب ممتلكاتهم، وسرقة مواردهم، وتهجيرهم من ديارهم، سارية برغم استنفاد أغراضها، في انسحاب داعش وهروب مقاتليها، الذين عنتهم الفتوى المزعومة، في مواكب علنية، وأرتال طويلة، وسط تفرج قادة المليشيات والأجهزة الأمنية، والقوات الحكومية، وكأن تفاهماً سرياً حصل بين الطرفين، وفقاً لمبدأ (اخرجوا انتم ونحن نُكمل الباقي)، وهذا ما حدث في محافظات ديالى وصلاح الدين والموصل والانبار وكركوك وشمال بابل، حيث ما زالت عصابات الحشد، تتحكم فيها، وتمارس التقتيل والتنكيل والترويع والابتزاز ضد سكانها، وتنشر مفارزها المسلحة، ومكاتبها الاقتصادية لسرقة ثرواتها النفطية وايرادات منافذها الحدوية.

إن الوقائع السياسية والميدانية في العراق، تعكس حالياً، بصفة جلية، أن المرجعية، لم تقم حتى بدورها (الارشادي)، كما يقول الصافي، في تخفيف معاناة الشعب، الذي لم يعد يتحمل الموت بالتقسيط، وتخريب بلده بالتدريج، على يد طبقة سياسية حاكمة، يستقوي أفرادها بالمرجعية، ويصرخون ليلاً ونهاراً، انهم خُدام المرجعية، وطوع بنانها، في الوقت، الذي يتمترسون في مواقع فسادهم، ويتخندقون في أحضان امتيازاتهم، ويتشددون في ظلمهم، تحت بصر وكلاء المرجعية وممثليها، الذين بات الكبار منهم، أصحاب مشاريع صناعية وتجارية واستثمارات، حتى أن نجل أحدهم بلغت كلفة زواجه الميمون، مبلغاً خرافياً، لا يصرفه إلا نجوم هوليوود، وتجار السلاح والمخدرات في العالم، أما أحد الأنسباء، فقد أسس امبراطورية مالية وعقارية وتجارية عابرة للقارات، في حين يكافح أبناء البلاد الأصلاء، للحصول على لقمة عيش شريفة ولا يجدون، ويبحثون عن عمل ووظيفة، ولا يحصلون.

  لماذا لم يقل ممثل المرجعية الصافي، كلامه، الذي قاله يوم الجمعة الماضي، قبل هذا اليوم، وأعلن على الملأ، أن مجلس النواب هو الذي اختار عبدالمهدي، ولا دخل للمرجعية في تبييض وجهه، وتلميع صورته، وتأييد خطواته، عبر مباركتها له، التي تحدث عنها عادل نفسه في أكثر من مناسبة، وأشاد بها هادي العامري ومقتدى الصدر وجمع من النواب الشيعة في تصريحات موثقة بالصورة والصوت؟

ولاحظوا كيف كان رد فعل عبدالمهدي ذاته، وهو يعلن عزمه على تقديم استقالته، بناء على ما أعلنته المرجعية الجمعة الماضية، وليس احتراماً لدماء المئات من الشباب، التي ارهقت بالرصاص الحي والغازات المميتة والقنص المنظم، كما يفترض به، كمسؤول تنفيذي أول، وسياسي يدّعي أنه شجاع وصاحب قرار.

إن الصراع بين الشعب، وهو يدفع يومياً، ثمناً باهضاً، لاسترداد وطنه المنهوب، وحقوقه وحريته وخياراته، وبين قوى التخلف والفساد والطائفية، سيحتدم في المرحلة المقبلة، ولن تنفع استقالة حكومة عبدالمهدي الفاقدة للشرعية الوطنية أصلاً، ولا أنصاف الحلول، ولا الاجراءات التخديرية والترقيعية، التي تتخذها الطبقة السياسية والمرجعية الارشادية، في إلهاء المواطنين، وصرفهم عن التظاهر والاحتجاج، خصوصاً وأن تنسيقيات التظاهرات، أعلنت أن المتظاهرين لن يتركوا الساحات والميادين والجسور والشوارع، التي ينشطون فيها، إلا بعد تلبية مطاليبهم كاملة، بلا ثلم أو نقصان، والعمل جار على قدم وساق، على إعلان العصيان العام، في عموم العراق، وفرض العزلة على الفاسدين والمنتفعين، ومافيات القتل والقنص، وسراق المال العام، وكبير فيهم، كشفته وثائق رسمية خاصة باكتتاب أحد البنوك المحلية، قبل شهرين، بينت أنه، يملك حصصاً وأسهماً في رأسمال البنك المدفوع، ما يعادل أكثر من مليار دولار، وهو الذي لم يكن يملك، قبل الاحتلال في 2003، شيئاً، باعترافه هو في مقابلة تلفزيونية، عرضت في العام 2004، وهي محفوظة ومؤرشفة، تحدث فيها عن معاناته الشخصية والسياسية، بسبب معارضته للنظام السابق، الذي فصله من وظيفته، ومنع تجديد جواز سفره، كما قال، وعاش عيشة كفاف في الخارج.

إن الثورة المتفجرة في العراق، الآن، لم تندلع، إلا بعد أن بلغ الظلم مداه، وصار الاضطهاد والتخويف والتجويع، عنواناً يلتزم به قادة الأحزاب والمرجعيات والمليشيات، في قتل الروح الوطنية للشعب، وإبعاده عن ممارسة دوره، بصفته مصدر السلطات، وها قد تهاوت سلطتهم، وشلت أذرعهم، من كثر ما أجرموا ونهبوا وانتهكوا واختلسوا، وباتت إرادة الشعب، سيدة الموقف، وصاحبة الحق، في معاقبة من قنص الشباب، وأراق الدماء، وخرّب البلاد، وهي وحدها التي تقرر الخيارات الوطنية، وتُعيد إلى العراقيين، حقوقهم المسلوبة، وأموالهم المنهوبة، من الطغاة والقتلة واللصوص، الذين وصلت دونيتهم، إلى درجة استعمال أسلحة محرمة دوليا وإنسانياً، في قتل المتظاهرين السلميين، معتمدة على دعم إيراني، لم يعد سياسياً فقط، وإنما امتد إلى إنشاء غرف عمليات عسكرية، وإصدار قرارات أمنية، لإبادة الشعب وتصفية طلائعه المنتفضة على الظلم والباطل والحرام.

وصحيح أن الشارع العراقي الثائر، لا يملك مالاً، ولا قوة مسلحة، كما لدى الطبقة السياسية الحاكمة، إلا أن الصحيح، أيضاً، أن قوته تكمن في صموده الأسطوري، في مواجهة الرصاص والمدرعات والقناصة، ولن يهدأ ولن يلين الا بتحقيق النصر على الفاسدين، وهزيمتهم مندحرين.







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق