مجلة "بوليتكو" الأمريكية: لماذا كفرت الطبقة العاملة في إيران بنظام "الولي الفقيه"؟





تاريخ النشر: 2019-12-02 20:21:58



سلطت مجلة "بوليتكو" الأمريكية، الضوء على الاحتجاجات الإيرانية وأسبابها، فمنذ يوم الجمعة 15 نوفمبر 2019، اشتعلت إيران بالتظاهرات الغاضبة التي وصلت إلى أكثر من 100 منطقة في عموم البلاد، إثر قرار رفع أسعار المحروقات المفاجئ والذي تزامن مع حلول الشتاء.

اعتقلت قوات الأمن أكثر من 1000 شخص، كما تشير منظمة العفو الدولية إلى مقتل 106 أشخاص، وقطعت الحكومة الإنترنت، لمنع المتظاهرين من تنظيم حراكهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

وبحسب ما ترجمه "الخليج أونلاين"، نقلاً عن المجلة الأمريكية، فإن التفسير المعتاد من الحكومة لمثل هذا الغضب الشعبي، هو إلقاء اللوم على العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد انسحابه من الاتفاق النووي، لكن واقع الأمر يبدو أكثر تعقيداً.

خلال السنوات القليلة الماضية، كان هناك جدل كبير داخل أروقة النظام الإسلامي الإيراني حول الرؤى الاقتصادية الواجب العمل بها لتحسين الأحوال المعيشية، فقد أكد الرئيس حسن روحاني، الحاجة إلى الاندماج بالاقتصاد العالمي، في حين يرى المرشد الأعلى للنظام، آية الله علي خامنئي، أن من الضروري تطبيق نظريته "اقتصاد المقاومة"، التي تعني الاعتماد على الموارد الاقتصادية الداخلية وتجنُّب التجارة الخارجية مع الدول الغربية الإمبريالية.

ويبدو حتى الآن أن جناح المتشددين، الذي يدعمه خامنئي، قد نجح وينفذ رؤيته كجزء من "اقتصاد المقاومة"؛ وهو ما دفع المرشد الأعلى إلى خفض النفقات الحكومية، كما خفض مجلس الأمن الاقتصادي والسلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، الأسبوع الماضي، دعم المحروقات ورفع أسعارها، لتشتعل الاحتجاجات بعدها.

يحكم نظام "ولاية الفقيه" منذ الثورة الإسلامية عام 1979، وهو مصطلح فقهي في المذهب الشيعي الإثني عشري منذ بدايات ما يسمونه "الغيبة الكبرى" للإمام الثاني عشر عند الشيعة الإثني عشرية "المهدي المنتظر"، حيث ينوب الولي الفقيه عن "الإمام الغائب" في قيادة الأمة وإدارة شؤونها والقيام بمهام الحكومة الإسلامية.

أنصاره أقلية

قد تنجح الحكومة الإيرانية في قمع الاحتجاجات مرة أخرى كما فعلت في الماضي، لكن المظاهرات الأخيرة تكشف حقيقة مرعبة لنظام ولي الفقيه، هي أن أنصار النظام باتوا أقلية، فإذا كانت "الثورة الخضراء" التي انتفض فيها الإيرانيون من الطبقة الوسطى عام 2009 احتجاجاً على فوز أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية حينها، فإن الحراك الحالي يمثل انتفاضة كبيرة من قبل الطبقة العاملة التي هي عصب النظام الحاكم شعبياً.

في السنوات الأخيرة، كان الحديث الأكثر أهمية في إيران يدور حول أسباب انهيار الاقتصاد في البلاد، إذ لا تزال معدلات التضخم والبطالة مرتفعة، كما يقدر صندوق النقد الدولي تراجع نمو الاقتصاد بـ 9.5٪ العام المقبل.

في العام 2013 فاز روحاني بالانتخابات، على أمل أن ينجح في تحقيق انتعاش اقتصادي من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية، إذ كان يعتقد أن الحاجز أمام النمو الموعود هو العقوبات المفروضة رداً على برنامج إيران النووي.

نجحت حكومة روحاني في إبرام اتفاق نووي مع الغرب عام 2015 وعاد بعض المستثمرين الأجانب إلى إيران، لكن التأثير كان ضئيلاً حتى قبل أن يتخلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الاتفاق مع إيران ويعيد فرض العقوبات عليها، الأمر الذي جعل كثيراً من الإيرانيين يتخلون عن فكرة أن التجارة الخارجية هي مفتاح الخلاص لواقعهم المعيشي المزري وأن الخلل يكمن في الداخل.

إيران

عكس روحاني، لم يعتقد خامنئي وجناحه المتشدد قط أن الانفتاح الاقتصادي سيكون حلاً سحرياً للأزمات المعيشية، إذ لطالما دافع المرشد الأعلى عن مشروعه "اقتصاد المقاومة"، الذي يعتمد على القدرات المحلية من خلال تطوير الأسواق الداخلية، وتقليل الاعتماد على النفط، وتوسيع العلاقات التجارية مع دول الجوار، والأهم من ذلك إصلاح برنامج الإعانات الحكومية الشاقة التي تستنزف ميزانية إيران.

أوهام المقاومة

أصبح الحديث اليوم عن أزمة الاقتصاد الإيراني صادقاً وفجاً على نحو غير عادي، فوزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي، قال: إن "من 20 إلى 30٪ فقط من أسباب مشاكلنا الاقتصادية هي العقوبات"، في حين كان مصطفى تاج زاده، أحد السياسيين الإصلاحيين، أكثر شجاعة وذهب إلى أبعد من ذلك، حيث قال صراحة: "نواجه انهياراً اقتصادياً".

إن رؤية خامنئي تعاني أوهامها وانعدام واقعيتها، فإيران تعتمد بشدة على عائدات النفط، ومن الصعب أن نرى كيف يمكنها تقديم منتجات بديلة وتنافسية، هي نفسها تستوردها بلدان أخرى بكميات كبيرة. كما أن فكرة تطوير الأسواق الإقليمية في الشرق الأوسط والتي تحرقها الحروب الأهلية، التي تغذيها إيران نفسها ليست فكرة واقعية أيضاً.

ومؤخراً أثارت حملة القضاء على الفساد سخرية واسعة، إذ إن "الحرس الثوري"، ذراع نظام الملالي الضاربة في الخارج، يغرق في الفساد، فميزانيته مفتوحة، كما أنه لا يخضع للرقابة.

ويبدو في ظل هذه السياسات، وفق ما ترجمه "الخليج أونلاين" عن المجلة الأمريكية، أنَّ نهج جناح خامنئي المتشدد في الاقتصاد لا يتعلق بالنمو وتحسين الوضع المعيشي، أكثر مما يتعلق بالحفاظ على الطابع الأيديولوجي للدولة، فمهمة خامنئي وأتباعه الرئيسة هي الحفاظ على "قيم الجمهورية الإسلامية".

إيران

إن خامنئي وجناحه المتشدد يخشون من الاندماج في الاقتصاد العالمي، لأنهم يعلمون أن ذلك سيجبر إيران على الاعتماد على النظام المالي الغربي؛ ومن ثم جعل المجتمع يعي الواقع الذي يعيش فيه، وهو ما قد تكون له ارتدادات لا تحمد عقباها، على النظام.

لذا يحتاج النظام، الذي يكرس جهوده لتصدير "ثورته" إلى دول المنطقة، اقتصاداً غير قابل للضغوط المالية الغربية، حتى إن المرشد الأعلى نفسه قال: "يجب أن نفعل شيئاً ما، لنجعل البلاد محصَّنة من العقوبات".

تخلي الطبقة الوسطى

يواجه خامنئي حالياً ردَّ فعل شعبي خطيراً، بعد أن تخلت الطبقة الوسطى منذ زمن طويل عن النظام الإسلامي الذي يكرس ولاية الفقيه، تبعتها اليوم الطبقة العاملة التي كانت ركن النظام الذي يرعاها، إذ بات هؤلاء الفقراء العاملون لا يهتمون كثيراً بـ"المهمة الإلهية لنظام ولي الفقيه"، ويرغبون في العمل والحياة برفاهية.

تشبه هذه الأيام كثيراً الأيام الأخيرة في عهد الشاه، الذي سبقت الثورة عليه أواخر سبعينيات القرن الماضي، فالنخبة الإسلامية الحاكمة اليوم تبدو منفصلة عن الواقع، وهمُّها فقط تغذية النزاعات والحروب الأهلية في البلدان العربية، لتحقيق مشروعها السياسي والمضي في البرنامج النووي العدائي، الذي مغارمه أكثر من مغانمه على الإيرانيين.

ستبقى إيران دائماً معتمدة على تصدير النفط، وستؤثر تقلبات الاقتصاد العالمي حتماً في اقتصادها المنهار، ولن تؤدي نظرية خامنئي المبتكرة "اقتصاد المقاومة" إلا إلى مزيد من الفقر، سينتهي بانفجار شعبي.

ترجمات/ وكالات







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق