العراق.. عندما نزلت الملائكة لقتال المتظاهرين! ...بقلم : ميزر كمال





تاريخ النشر: 2019-12-05 18:24:15


اتهامات كثيرة كانت مثار ضحك وسخرية أكثر من كونها مبعث غضب واستنكار، لكن ما لا يمكن تجاوزه بالضحك والتندر فقط، هي تلك التصريحات التي أطلقها السيد صدر الدين القبانجي أحد قادة المجلس الأعلى الإسلامي في العراق حين قال إنَّ الملائكة نزلت تدافع عن مرقد السيد محمد باقر الحكيم في مدينة النجف.

لا يكاد يمرُّ يومٌ منذ بداية الاحتجاجات مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2019 إلا وتُختَرَع تهمة جديدة أو يُعاد تدويرٍ تهمة سابقة ألصقتها السلطة أو إعلامها بالمتظاهرين في العاصمة العراقية بغداد والمحافظات الجنوبية الخارجة بكلِّ رجالها ونسائها في الساحات والشوارع، ضد فساد الطبقة السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية والحزبية، والذي كلَّف العراق أكثر من 800 مليار دولار أميركي في 16 سنة.

 

من المنجنيق إلى نزول الملائكة

اتهامات كثيرة كانت مثار ضحك وسخرية أكثر من كونها مبعث غضب واستنكار، فالمنجنيق الذي استخدمه المتظاهرون على “جبل أحد” لقصف قوات الأمن على جسر الجمهورية، والتدريبات التي تلقاها شباب التظاهرات في صربيا، والمرأة “الداعشية” التي نزلت في شوارع مدينة الناصرية لتحريض الشعب على الثورة ومن ثم اقتحام سجن الحوت وتحرير شقيقيها القياديين في تنظيم “داعش”، مروراً بتصريحات اللواء عبد الكريم خلف الناطق العسكري باسم رئيس الوزراء عادل المهدي والتي أخذت ردحاً من الضحك، ودخلت التريند العالمي في “تويتر” من أوسع أبوابه، فعلى سبيل المثال لا الحصر اتهم خلف المتظاهرين باستخدام بناية المطعم التركي أو ما تعرف الآن بـ “جبل أحد” لصناعة العبوات المتفجرة بأحجام كبيرة، وأنَّ انفجارها سيؤدي إلى نسف البناء بكامله، كلّها –الاتهامات- كانت تطلق بالتوازي مع الرصاص الحي وقنابل الغاز مسيل الدموع على المتظاهرين في كل المدن العراقية.

لكن ما لا يمكن تجاوزه بالضحك والتندر فقط، هي تلك التصريحات التي أطلقها السيد صدر الدين القبانجي أحد قادة المجلس الأعلى الإسلامي في العراق حين قال إنَّ الملائكة نزلت تدافع عن مرقد السيد محمد باقر الحكيم في مدينة النجف لحمايته من المتظاهرين الذين يصرّون على دخوله، بعدما فتحت حماية المرقد النار على حشود المتظاهرين في ساحة ثورة العشرين وقتلت ما لا يقلُّ عن 20 متظاهراً وأصابت أكثر من 300 آخرين.

منذ مطلع الاحتجاجات العراقية في 1/10/2019 كانت مدينة النجف أكثر هدوءاً من أخواتها في الجنوب والعاصمة بغداد، لم تسجل إحصاءاتها أي ضحايا واقتصرت الاحتجاجات على اعتصام مفتوح في ساحة الصدريين وسط المدينة، من ذلك الحين حتى أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2019 عندما تمددت التظاهرات الشعبية إلى ساحة ثورة العشرين التي يقع بالقرب منها مرقد محمد باقر الحكيم مؤسس المجلس الأعلى الإسلامي.

أربعة قتلى دفعة واحدة، ومئات الجرحى، سقطوا هناك، في ساحة ثورة العشرين، ومن أطلق النار هذه المرة ليس قوات مكافحة الشغب أو تشكيلات وزارة الداخلية والدفاع، بل كانت ميليشيات سرايا عاشوراء، الجناح المسلح للمجلس الأعلى الإسلامي، الذي يتزعمه الآن عمار الحكيم نجل عبد العزيز الحكيم الذي ورث زعامة المجلس من أخيه محمد باقر الحكيم.

بعد تلك الأحداث الدامية في مدينة لها خصوصيتها الاجتماعية والدينية شديدة الحساسية في العراق والعالم الشيعي بكامله، صعَّد المتظاهرون من نبرة غضبهم، وأغلقوا الطرق الرئيسية في المدينة، وأحرقوا إطارات السيارات وامتدت جموعهم نحو ساحة ثورة العشرين حيث مرقد الحكيم. وهذه المرة كان هدف المحتجين اقتحامه رداً على عمليات القتل التي قامت بها ميليشيات سرايا عاشوراء التي تتولّى حماية المرقد.

مرةً أخرى فتحت ميليشيات سرايا عاشوراء النار على المتظاهرين وأوقعت عشرات القتلى والجرحى، لكنَّ المحتجين استطاعوا الوصول إلى بوابة المرقد الرئيسية وأضرموا فيها النار، وحاصروا عناصر تلك الميليشيات هناك. ثمَّ دخلت العشائر بكامل ثقلها على خط الأزمة، ونادت بدم أبنائها، وهددت بالنزول إلى الشارع بكامل عدتها وعتادها لحماية المتظاهرين السلميين.

الملائكة تقتل المتظاهرين دفاعاً عن مرقد الحكيم!

في مداخلة هاتفية له على قناة “دجلة”، وجّه محافظ النجف لؤي الياسري اتهامات مباشرة لميليشيات سرايا عاشوراء بفتح النار على المتظاهرين وقتل وإصابة العشرات منهم. ودعا الياسري السلطة القضائية إلى تشكيل لجان تحقيق وكشف العناصر الذين نفذوا عمليات القتل بالقرب من ساحة ثورة العشرين ومرقد محمد باقر الحكيم.

ميليشيات سرايا عاشوراء أغضبها اتهام محافظ النجف، ولم تتردد بنفي تهمة قتل المتظاهرين عنها، وذهبت إلى أكثر من ذلك عندما أعلنت في بيانٍ أنَّها ستقاضي محافظ النجف لؤي الياسري والنائب في البرلمان العراقي عدنان الزرفي، إذا لم يكشفا عن الجهات التي تقف وراء مهاجمة ضريح مؤسس المجلس الإسلامي الأعلى في العراق محمد باقر الحكيم.

ورأت الميليشيات أنّ “ما صدر من تصريحات غير مسؤولة وعارية عن الصحة من محافظ النجف لؤي الياسري والنائب عدنان الزرفي تضعنا أمام تساؤلات عدة، أهمها هل هو تنصل من المسؤولية أم أنها أجندة خارجية تريد تشويه صورة الحشد الشعبي؟”. وذكرت أنَّ “قيادة لواء عاشوراء الثامن تحتفظ بحقها في الرد على هذه الادعاءات العارية عن الصحة وقد وكلنا محامياً لرفع دعوى قضائية ضد من اتهمنا دون أن يقدم الدليل”.

قبل نزول الملائكة لحماية مرقد الحكيم، أشاع إعلام السلطة في العراق أنَّ المتظاهرين تدفعهم جهات خارجية يحاولون الوصول إلى بيت المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في المدينة القديمة بالنجف، ومن ثم قتله.

الجدل بين محافظ النجف وميليشيات سرايا عاشوراء حول هوية من قتل المتظاهرين، حسمه القيادي في المجلس الأعلى الإسلامي السيد صدر الدين القبانجي الذي نُسبت إليه تصريحات قال فيها إنَّ الملائكة نزلت تدافع مرقد محمد باقر الحكيم وتحميه. والقبانجي هو واحد من مؤسسي المجلس الأعلى الإسلامي في إيران التي غادر إليها عام 1980، وبعد عودته إلى العراق عام 2003 واصل نشاطه السياسي في المجلس الأعلى الإسلامي، باعتباره مسؤول المكتب وشورى المجلس الأعلى في النجف، إضافة إلى كونه عضو الهيئة القيادية في المجلس الأعلى الإسلامي.

الترويج للفتنة

قبل نزول الملائكة لحماية مرقد الحكيم، أشاع إعلام السلطة في العراق أنَّ المتظاهرين تدفعهم جهات خارجية يحاولون الوصول إلى بيت المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في المدينة القديمة بالنجف، ومن ثم قتله. وعلى إثر هذا “التهديد” رفعت ميليشيات متهمة بقتل المتظاهرين بنادقها وأصواتها للدفاع عن السيستاني والمرجعية، ومن أولئك قيس الخزعلي زعيم ميليشيات “عصائب أهل الحق”، الذي قال: “كل من يعتقد أنه يمكن أن يمس شيئاً من سماحة السيد السيستاني فهو واهم أشد الوهم. أبناء المرجعية من انتصر على أكبر قوة ظلامية، موجودون في الميدان وجاهزون (وإلي يجي هله بيه)”.

أما أحمد الأسدي النائب في البرلمان العراقي والمتحدث الرسمي باسم الحشد الشعبي سابقاً ورئيس تجمع السند الوطني في البرلمان حالياً، فقال: “نعلن أنَّ أرواحنا وأجسادنا فداء لمرجعيتنا الدينية، ونعلن أننا على استعداد للذهاب فوراً لنكون سوراً يدافع عن حصننا وقائدنا ومرجعنا المفدى السيد علي السيستاني وجميع مراجعنا العظام خوفاً من استغلال الأحداث من قبل المندسين… المرجعية خط أحمر”.

كذلك فإنَّ مستشارة رئيس الوزراء العراقي لشؤون المرأة حنان الفتلاوي والتي تُعرف في العراق بأنَّها صاحبة نظرية مقابل كل 7 شيعة يُقتلون يجب أن يُقتل 7 سُنَّة، فكتبت على حسابها في “تويتر”: “الجميع جنود لحماية السيد السيستاني ولن تتحقق أحلامكم المريضة”.

هذا كله يحدث في العراق الآن، العراق الذي دخل شهراً ثالثاً من التظاهرات السلمية، حاملاً نعش أكثر من 460 قتيلاً وفي قوائمه أكثر من 17 ألف جريح، خرجوا للمطالبة بإعادة الوطن إلى أهله، لكن، الوطن لم يعد حتى هذه اللحظة، وهم ما زالوا في ساحات الحرية بانتظاره.

صحافي عراقي







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق