في ساحة العراق المفتوحة.. هل حاولت إيران إعادة سيناريو 1979؟





تاريخ النشر: 2020-01-01 13:08:26



يبدو أن العراق يستقبل عام 2020 بدخول مرحلة جديدة من الصراع الأمريكي الإيراني عبر مليشيات مسلحة معروفة بولائها لطهران؛ حيث انتهكت في آخر أيام 2019 حرمة أكبر سفارات أمريكا بالعالم.

والثلاثاء (31 ديسمبر)، ترأس كبار قيادات مليشيات تابعة للحشد الشعبي، أبرزهم زعيم مليشيا عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، وأمين عام منظمة بدر هادي العامري، ومؤسس كتائب حزب الله أبو مهدي المهندس، وقائد مليشيا سرايا الخراساني حامد الجزائري، مظاهرات توجهت نحو السفارة الأمريكية في بغداد بنية الاعتصام.

لكن متظاهرين بينهم عناصر يرتدون الزي الرسمي لفصائل مسلحة أبرزها كتائب حزب الله هاجموا السفارة الأمريكية، وعمدوا إلى حرق إحدى بوابات السفارة، إضافة إلى نقاط أمنية حولها، وسط حضور قادة من المليشيات.

وشرع بعض المهاجمين في نصب خيم أمام السفارة التي تقع داخل المنطقة الخضراء شديدة التحصين، حيث توجد مقرات حكومية وسفارات دول.

وجاءت هذه الممارسات احتجاجاً على ضربات أمريكية جوية استهدفت فصيلاً موالياً لإيران، وأدت إلى مقتل 25 عنصراً.

الضربات الأمريكية بدورها كانت رداً على مقتل متعاقد أمريكي في هجوم صاروخي استهدف قاعدة في شمالي العراق يوجد فيها جنود أمريكيون، الأسبوع الماضي.

بدوره حمّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إيران مسؤولية تدبير الاعتداء على السفارة الأمريكية في بغداد.

وقال ترامب في تغريدة: إن "إيران قتلت مقاولاً أمريكياً وأصابت آخين. نحن رددنا بقوة، وسنقوم بذلك دائماً. الآن إيران تدبر الهجوم على السفارة الأمريكية في العراق، وسيتحملون المسؤولية الكاملة، ونحن نتوقع من العراق استخدام قواته لحماية السفارة. وقد أبلغناهم بذلك".


حكومة بغداد تبرر

رئيس الوزراء العراقي المستقيل، عادل عبد المهدي، طالب عناصر مليشيات الحشد الشعبي بالمغادرة فوراً من أمام السفارة الأمريكية.

وأضاف عبد المهدي: إن "أي اعتداء أو تحرش بالسفارات والممثليات الأجنبية هو فعل ستمنعه بصرامة القوات الأمنية، وسيعاقب عليه القانون أشد العقوبات"، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء العراقية.

وفي ذات الشأن وصل وزير الداخلية العراقي، ياسين الياسري، إلى مقر السفارة الأمريكية في بغداد، وذلك في مساعٍ للتهدئة، بحسب ما ذكر لوسائل الإعلام.

من جهته برر المتحدث باسم القوات المسلحة العراقية، اللواء الركن عبد الكريم خلف، "دخول مهاجمي السفارة الأمريكية إلى المنطقة الخضراء"، بأنه "كان مباغتاً أثناء عمليات تشييع جرت في ساحة الحرية".

وأضاف في حديث مع "قناة الحرة" مبيناً: "لم تكن هناك استعدادات كافية، ولم يتوقع أحد دخول المشيعين إلى المنطقة الخضراء"، مشيراً إلى أن "قوات من الفرقة الخاصة نزلت لإبعاد المحتجين عن محيط السفارة".


حدث تكرر بعد 40 عاماً

الاعتداء على السفارة الأمريكية جاء بعد مرور اعتداء مشابه وقع في 4 نوفمبر 1979، حيث اقتحم طلاب من أنصار "الثورة الإسلامية" مقر السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا موظفيها رهائن، وما تزال أحداث هذه الواقعة تلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين الخصمين.

ففي ذلك اليوم، وبعد أقل من تسعة أشهر على الإطاحة بالشاه المدعوم من واشنطن، اقتحم طلابٌ السفارةَ الأمريكية مطالبين واشنطن بتسليمه إثر إدخاله مستشفى في الولايات المتحدة.

واستمرت الأزمة 444 يوماً، قبل أن تنتهي بالإفراج عن 52 أمريكياً، لكن الولايات المتحدة قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران عام 1980، وفرضت عليها حظراً تجارياً، وما تزال العلاقات بين الطرفين مجمّدة منذ ذلك الوقت.

والسؤال الذي يُطرح هنا؛ هل اقتحام سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في بغداد، الذي توافق مع مرور 40 عاماً على الاعتداء الذي طال سفارة الولايات المتحدة بطهران، يحمل رسالة من حكومة إيران، أم هو مصادفة قادتها الأحداث الأخيرة؟

في هذا الخصوص لا يستبعد المحلل السياسي العراقي الناصر دريد أن تكون إيران وجهت رسالة ما، إذ يقول: إن "مرحلة الرسائل موجودة؛ لأن نظام طهران تعوّد على إرسال رسائل بهذا الخصوص في كل فترة".

ويجد الناصر دريد، الذي تحدث لـ"الخليج أونلاين"، أن إيران تدير مرحلة جديدة من الضغط على الولايات المتحدة نتيجة الظروف غير الجيدة التي تعيشها في الوقت الحالي من جراء العقوبات التي تفرضها عليها إدارة البيت الأبيض.

وأوضح أن "نظام إيران الآن يمر بمرحلة ضنك شديد اقتصادياً وسياسياً، لذلك تعتبر المهاجمة المباشرة لمصالح أمريكية، والتحرش الذي وصل إلى حد ممارسة القتل ضد أفراد أمريكيين، مرحلة تصعيد جديدة تعبر بالضبط عن المأزق الذي تعيشه إيران".

وأشار إلى أن استخدام المليشيات الموالية لإيران من قبل إدارة طهران هي "دبلوماسية الهروب إلى الأمام"، وذلك من خلال ممارسة الضغط على الولايات المتحدة أو الضرب المباشر لمصالح أمريكية.

تحويل الأنظار عن الاحتجاجات الشعبية

كما يرى الناصر دريد أن الأحداث الأخيرة التي جرت؛ بضرب القوات الأمريكية لموقع في غربي العراق تابع لكتائب حزب الله الموالية لإيران، رداً على هجمات للمليشيات على مواقع أمريكية في العراق، بأنها "حوّلت الأنظار عن المظاهرات في العراق وحتى في إيران، وهذا ما تريده طهران في هذه المرحلة".

ومنذ أكتوبر الماضي، يشهد العراق احتجاجات توسعت كثيراً وشملت عدة محافظات، ولم تنجح القوات الأمنية بقمعها، وتمكنت من فرض قراراتها بالإطاحة برئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، وتقديم الرئيس برهم صالح استقالته، لمنع تشكيل حكومة ترأسها شخصية تابعة لأحزاب السلطة.

وتطرق الخبير في الشأن العراقي إلى تصريح لوزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، الذي حذر إيران من التصعيد والعنف، مبيناً: "لكن يبدو أن الإيرانيين لم يسمعوا لهذا التصريح منذ اللحظة التي سقط فيها ضحايا".

وكان مايك بومبيو حذر في تصريحات سابقة في ديسمبر، إيران من "رد حاسم" إذا تعرضت مصالح الولايات المتحدة للأذى في العراق بعد سلسلة من الهجمات الصاروخية على قواعد عسكرية.

وقال بومبيو في بيان: "يتعين علينا  اغتنام هذه الفرصة لتذكير قادة إيران بأن أي هجمات من جانبهم أو من ينوب عنهم من أي هوية تلحق أضراراً بالأمريكيين أو بحلفائنا أو بمصالحنا فسيتم الرد عليها بشكل حاسم".

وتابع المسؤول الأمريكي: "يجب أن تحترم إيران سيادة جيرانها، وأن تكف فوراً (..) عن دعم الأطراف الثالثة في العراق وفي جميع أنحاء المنطقة".

إلا الدم الأمريكي

وبحسب الناصر دريد فإنه "كان يجب الرد على هجوم كركوك" من قبل القوات الأمريكية، مبيناً أن "الأمريكيين يسامحون بأي شيء إلا بالدم".

وأشار إلى أن "المليشيات لا تملك أن تقيّم مخاطر فهي تتلقى أوامر بالتصعيد أو بتخفيض التصعيد . اليوم تلقت أوامر بالتصعيد وعليها تلقي النتائج، وكما رأينا هذا ما حصل في الهجوم الذي شنته القوات الأمريكية في مدينة القائم".

وسقط 28 قتيلاً وعشرات الجرحى في الهجوم الذي شنته القوات الأمريكية على مواقع لكتائب حزب الله في مدينة القائم غربي العراق، مؤخراً، رداً على هجوم صاروخي للمليشيات على موقع أمريكي في كركوك (شمال) قُتل فيه متعاقد أمريكي.

وتابع المحلل السياسي العراقي أن المليشيات العراقية التابعة لإيران "ليست مستعدة عسكرياً ولا قادرة على أن تحمي أفرادها، وليس لديها قرار سوى أنها تتلقى الأوامر"، مشيراً إلى "أنها الآن تتلقى المديح والدعم الإيراني، وهذا ما تريده قيادات حزب الله والخراساني والعصائب وغيرها".

واستطرد: "هي الآن بأفضل حالاتها عندما تخسر أفرادها، وهذه مفارقة؛ فأمريكا عندما تخسر أفرادها تتلقى اللوم والتقريع، وربما حتى الملامة المباشرة".

وأوضح الدريد أنه عندما يسقط أمريكي ستواجه حكومة البيت الأبيض حملات قوية من قبل الإعلام والدوائر المختلفة حول سقوط هذا الفرد؛ "ولهذا تستشيط أمريكا غضباً وتتحرك للرد على هذه الخسارة، وتدفع أثماناً كثيرة لذلك"، بحسب قوله.

ويتفق المحلل السياسي مع الرأي القائل إن إيران تستغل دماء آخرين غير أبنائها للدفاع عن مصالحها ووجودها وأهدافها، ويرى أن الإيرانيين من خلال المليشيات في العراق "يمارسون ضغطاً على أمريكا".

وقال: إن "الدم الرخيص في كل هذه المعادلة هو الدم العراقي، سواء كانوا معارضين للنظام الإيراني مثلما رأينا في الانتفاضة (الاحتجاجات العراقية) أو المؤيدين مثلما حصل في مدينة القائم".

استمرار الضغط

ويعتقد المختص بالشأن العراقي أن "الضغط سيستمر، والمليشيات في العراق مستمرة بتلقي الأوامر رغم كل الإشارات الأمريكية بأنهم سيردون، ولن يسكتوا على الاعتداءات التي تهاجم مواقعهم".

وأكد أن تحذيرات أمريكة واضحة تقول إنها سترد في حال أصاب مواطنيها الضرر أو حتى مواقعهم.

وجدد تأكيده أن "قتل متعاقد أمريكي قُتل في مقابله 28 شخصاً".

وتابع: "أتوقع المزيد من التصعيد"، مشيراً إلى أن قواعد اللعبة الأمريكية تغيرت على عهد دونالد ترامب، وهذا توضح منذ أسقطت القوات الإيرانية طائرة الدرونز الأمريكية، في يونيو الماضي، بمياه الخليج العربي، وفق قوله.

وأوضح: "وضع ترامب قواعد جديدة. قال إن الدم الأمريكي خط أحمر، وبخلاف ذلك سوف نتحمل وسنوقع عقوبات وغيرها"، مبيناً: "لا ضربات أمريكية إلا بسقوط دم أمريكي، بسقوط قتلى أو حتى جرحى سوف ترد أمريكا".

تقارير  وبحوث / وكالات







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق