العراقيون في مواجهة 3 أصوليات ... بقلم : الحسين الزاوي





تاريخ النشر: 2020-01-11 17:18:35


تتفاعل الأحداث في عاصمة الرشيد، وتتطور الوقائع في الميدان بشكل سريع، ويتمسك بموازاة ذلك الشعب العراقي بحراكه السلمي من أجل تأسيس دولة مدنية جديدة تسهم في استرجاع السيادة المستباحة، وفي إبعاد وطنه عن سياسة المحاور الإقليمية، وتجعله في منأى عن التدخلات الأجنبية، وتعيده إلى أحضان أمته العربية. لقد عرف العراق في مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي وضعاً، سياسياً، واجتماعياً، متأزماً، غلب عليه انتشار مظاهر هدر المال العام بشكل غير مسبوق، وتميّزت فيه مؤسسات الدولة بالهشاشة نتيجة الصراعات الطائفية، واصطفاف الكثير من المكونات السياسية إلى جانب القوى الإقليمية، والدولية.
ويسعى الحراك الشعبي السلمي الذي انطلق خلال الشهور الأخيرة من السنة الماضية إلى التخلص من النظام السياسي القائم على المحاصصة، وبالتالي، فإن ما يلفت الأنظار في هذا الحراك هو أن أغلبية كبيرة من المواطنين العراقيين عبّروا بقوة وإصرار كبيرين عن تمسكهم بوحدة العراق، وبالطابع الجمهوري للدولة، وجدّدوا رفضهم للتدخلات الخارجية في شؤونهم الداخلية، وقدّم المتظاهرون العزل دروساً في البسالة، وفي السلوك الحضاري والسلم.
كما أكّد المتظاهرون في مطالبهم في بغداد، وفي العديد من المحافظات، لاسيما في جنوب البلاد، على ضرورة إقامة نظام حكم ديمقراطي يحترم الحقوق والحريات، لأنه وبالرغم من تقديم رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي استقالته، إلا أن أجنحة السلطة في بغداد لا يبدو أنها تريد تقديم تنازلات جوهرية للحراك الشعبي بشأن لائحة مطالبه.
ويمكن القول إنه وفي سياق هذا المشهد السياسي القاتم الذي يُنبئ بإمكانية حدوث تحولات كبرى في المشهد العراقي، فإن الشعب العراقي، وفي طليعته المحتجون في ساحة التحرير ببغداد، يجد نفسه في مواجهة 3 أصوليات، اثنتان منها محلية ناجمة عن انهيار مؤسسات الدولة بعد الاحتلال، وواحدة أجنبية دخلت مع الغزاة الأمريكيين، وهي عبارة أصولية مسيحية تشكلت مع المحافظين الجدد في عهد الرئيس جورج بوش الابن الذي قسّم العالم إلى محورين، واحد للشر بزعامة عراق صدام حسين وإيران وكوريا الشمالية، والثاني للخير بقيادة أمريكا صاحبة نظرية الفوضى الخلاقة في «الشرق الأوسط الجديد»، وهي الأصولية التي انتعشت في نسختها الثانية مع دونالد ترامب الذي يتعامل مع العراق كأنه ولاية أمريكية، يصفي فيها حساباته مع خصومه الإقليميين، ويسعى إلى ابتزاز شعبه قبل أن يسحب قواته العسكرية.
وتتجلى الأصولية الثانية ذات الامتدادات الإقليمية في أصحاب المرجعيات الدينية،، لا يفرِّق أفرادها في الأغلب بين الولاء للوطن، والولاء للطائفة.
أما الأصولية الثالثة والأخيرة، فهي تلك التي تبلورت خلال السنوات الأولى من الاحتلال وانخرط في سياقها قسم من المجتمع العراقي إلى جانب مسلحي «القاعدة»، وانتشرت خلاياها لاحقاً في مناطق واسعة من التراب العراقي، بسبب ضعف مؤسسات الدولة المركزية، وهي الأصولية التي تحوّلت إلى وحش مدمِّر أصبح يُعرف بتنظيم «داعش» الإرهابي، الذي وجد بيئة حاضنة لدى بعض المواطنين العراقيين.
ويصبو الشعب العراقي في المرحلة الراهنة، عبر نضاله السلمي، إلى تجاوز هذه الأصوليات الثلاث التي فككت النسيج المجتمعي، وتعمل الآن على القضاء على ما بقي من أركان الدولة العراقية الموحّدة؛ ويطمح في السياق نفسه، إلى تأسيس دولة المواطنة القائمة على المساواة أمام القانون بين كل مكونات المجتمع، الذي كانت اختلافاته في السابق تمثل عنصر تنوّع ثقافي وحضاري، وتحّولت مع الاحتلال الأنجلو-أمريكي إلى عنوان للفرقة والتشرذم والعنف؛ ونستطيع أن نخلص في الأخير إلى أن العراقيين يطالبون هذه الأصوليات المميتة بخوض حروبها بعيداً عنهم لتظل انتفاضتهم مدنية، وسلمية.








إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق