التصويت في البرلمان العراقي: انتفاء الرغبة بالشراكة ... بقلم : رند رحيم





تاريخ النشر: 2020-01-17 09:44:06


توحي جلسة التصويت في البرلمان العراقي الأخيرة الى أن الجماعات الدينية الشيعية تتصرف وكأنها قادرة على تحديد مصالح العراق وتحديد مستقبله، مع إقصاء الطوائف الأخرى عن القرار...

عقد البرلمان العراقي جلسة في 5 كانون الثاني/ يناير للتصويت على بقاء القوات الأميركية على الأراضي العراقية، وذلك بناءً على طلب رئيس حكومة تصريف الأعمال العراقية، عادل عبد المهدي. كانت هناك تكهنات بأن البرلمان لن يصل إلى النصاب القانوني اللازم لطرح هذه المسألة الخلافية بالغة الأهمية، لكن النصاب اكتمل، مع حضور أكثر من 175 نائباً من أصل 329 نائباً، معظمهم من الأحزاب الدينية الشيعية. في المقابل، قاطعت الأحزاب الكردية الجلسة، ولم يحضر سوى عدد قليل من النواب السنة، من ضمنهم محمد الحلبوسي، رئيس البرلمان.

طلب رئيس الوزراء، على نحو استثنائي، إلقاء كلمة افتتاحية. وقرأ عبد المهدي بياناً معداً سابقاً، لخص خلاله الأحداث التي أدت إلى القصف الذي أودى بحياة قاسم سليماني، قائد “فيلق القدس الإيراني”، وأبي مهدي المهندس، نائب رئيس قوات الحشد الشعبي العراقية (الحشد). ثم شرح العلاقة التي تجمع العراق بالولايات المتحدة، قائلاً إن هناك تعارضاً متزايداً بين أولويات العراق وأولويات الولايات المتحدة. وطلب من البرلمان الاختيار بين أمرين: إما إقرار انسحاب جميع القوات الأجنبية من العراق فوراً، أو العودة إلى مسودة القرار الذي ينص على تحجيم وجودها وحصر مهماتها وعملياتها. وطلب من البرلمان التمعن في عواقب كلا الخيارين، لكنه أوصى باعتماد الخيار الأول، المتمثل في سحب جميع القوات.

كانت هذه الجلسة مقتصرة تقريباً على النواب الشيعة، وكان واضحاً أنه تم التخطيط لها مسبقاً بدقة، مع نتيجة مقررة سلفاً. وخلافاً للتيار السائد، قال أحمد الجربا، وهو نائب سني من الموصل، إن مثل هذا القرار المصيري يجب أن يتخذه ممثلون عن جميع طوائف الشعب العراقي، وسأل رئيس الوزراء إذا ما كان بإمكان الحكومة حماية العراق في حال انسحاب قوات التحالف الدولي، وإن كان العراق سيصبح بلداً تابعاً لدول الجوار، وسأل أيضاً عن قدرة الحكومة على التصدي لوجود المجموعات المسلحة في المناطق السنية. لكن رئيس الوزراء لم يجب على أي من هذه الأسئلة.

ولقطع الشك باليقين، ألقى محمد الغبان عضو “تحالف الفتح” (عن فيلق بدر) خطاباً حماسياً يدعو إلى التصويت على طرد القوات الأجنبية. وحتى لا يُزايد عليه أحد في حب الوطن، تلا نبيل الطرفي من تحالف “سائرون” (كتلة الصدر) كلمة مشحونة بالحماس نيابة عن مقتدى الصدر، طالب فيها بقطع جميع الروابط مع الولايات المتحدة. كان واضحاً أن هذه الخطابات تهدف إلى إثارة مشاعر النواب الشيعة، وإنهاء النقاش والحيلولة دون عقد مداولات. كان التصويت من أجل إنهاء وجود القوات الأجنبية بمثابة اختبار لـ”الوطنية” والكرامة، وهو ما يعني ضمناً، أن التردد سيكون سلوكاً غير وطني بل وربما يعد خيانة.

وقف النواب متحمسين بفعل هذه الخطابات، وهتفوا “نعم نعم للعراق”، “كلا كلا أميركا”، “نعم نعم سليماني”، “نعم نعم المهندس”. كانت هذه لحظة مخجلة ومحرجة للبرلمان، بخاصة للأحزاب الإسلامية الشيعية، التي بدا أنها لا تكترث على الإطلاق بمقاطعة شركائهاالمزعومين في البلاد.

بُثت هذه الجلسة عبر التلفزِيون الرسمي، باستثناء جزء قصير سُرب في وقت لاحق (ربما بصورة مقصودة). وفي هذا الجزء، تحدث رئيس مجلس النواب العراقي، الحلبوسي، بأسلوب لبق وحماسي. وأشار إلى أن معظم الحضور في الجلسة كانوا من الشيعة، وناشدهم باعتبارهم “الأخ الأكبر”، الذي يتحمل مسؤولية الجميع، ويقع على عاتقهم مصير مجتمعاتهم وأبنائهم، فضلاً عن أبناء السُنّة والأكراد والأقليات. وشدد على ضرورة أن تُعبر مثل هذه القرارات عن العراق بأسره، وطلب فترة 24 أو 48 ساعة لتقييم العواقب الاقتصادية المحتملة لاتخاذ القرار.

في تجاهل صارخ لضرورة التفكير في التداعيات الأمنية والاقتصادية، وتجاهل للحاجة الماسة إلى التوصل إلى إجماع وطني على مثل هذا القرار المصيري، سارعت الأحزاب الدينية الشيعية إلى التصويت لمصلحة قرار يتألف من خمس نقاط، يُلزم الحكومة، من بين مطالب أخرى، “بالعمل على إنهاء تواجد أي قوات أجنبية في البلاد ومنعها من استخدام الأراضي والمياه والأجواء العراقية لأي سبب كان”. يبدو من الطريقة التي عرضت بها تلك النقاط للتصويت، فضلاً عن السرعة التي قدمت بها، أنها كانت مكتوبة سلفاً. ويظهر في الفيديو أعضاء البرلمان، وهم يقفون بحماسة دعماً لهذا القرار، وعُدت الأصوات في عرض تلفزيوني من خلال رفع الأيدي. وفي وقت لاحق، صدرت تصريحات عن الأحزاب الكردية، أعلنت فيها أن قوات التحالف مُرحب بها في المنطقة الكردية. في المقابل، أدان بعض الزعماء السُنة هذا القرار.

تأثرت جلسة التصويت في البرلمان في الخامس من كانون الثاني بفيض من الخطابات العاطفية عن السيادة والوطنية، هدفت الى التشكيك بوطنية المعترضين واتهامهم ضمناً بالاستخفاف بسيادة العراق. علاوةً على ذلك، كشف ذلك أن الحكم العراقي القائم على الأغلبية الطائفية هو في أسوأ حالاته، إذ تتلخص الفرضية الأساسية هنا في أن الجماعات الدينية الشيعية قادرة على تحديد مصالح العراق وتحديد مستقبله، مع إقصاء الطوائف الأخرى عن القرار، وأن الأكراد والسنة غير ذات أهمية، نظراً إلى أن وطنيتهم  موضع شك أصلاً.

إذا ما اتخذ رئيس الوزراء إجراءات وفقاً لهذا التصويت الذي أجري في البرلمان (وهو أمر مشكوك فيه بسبب استقالته)، فإن التضامن الذي نشأ بين مختلف الطوائف أثناء الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” سوف ينتهي، وستتفاقم الانقسامات الكامنة في البلاد بين الأحزاب الدينية الشيعية وغيرها من الأحزاب الأخرى. وكما أشار الحلبوسي في مناشدته زملاءه في البرلمان، فإن الشيعة هم المسؤولون عن هذا التصويت، وسوف يتحملون العواقب المترتبة عليه.

 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق