ملف الاغتيالات في العراق.. من سيفتحه؟ .... بقلم: محمد عاكف جمال





تاريخ النشر: 2020-01-19 10:33:55


 

"حتى أنت يا بروتس"، أربع كلمات صنعت جملة بليغة في دلالاتها تساعد على صياغة تعريف مبسط جداً لمعنى «الاغتيال»، أربع كلمات وضعها الأديب الإنجليزي الأشهر عالمياً، وليام شكسبير، على لسان الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر وهو يتلقى طعنة بروتس المقرب إليه شخصياً في المسرحية الشهيرة التي حملت اسم هذا الإمبراطور.

الاغتيال تصفية جسدية مفاجئة لشخصية لها قدر كبير من الأهمية على مسارات أحداث بلده، عملية تنفذ خارج أطر القوانين، وهي ظاهرة شائعة في معظم البلدان قد تكون دوافعها مختلفة، ولكن أغلبها ذو طابع سياسي محض يُستهدف فيها رؤساء دول أو قادة سياسيون أو مصلحون اجتماعيون أو رواد مدارس فكرية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر «الاغتيالات» التي طالت أسماء كبيرة غنية عن ذكر ألقابها الرفيعة: إبراهام لنكولن، المهاتما غاندي، جون كينيدي، مارتن لوثر كنغ، أنور السادات، محمد بوضياف وغيرهم.

ملف الاغتيالات في العراق ليس جنائياً يختص به الجهاز الأمني فحسب، بل ملفاً سياسياً بكل ما تعنيه هذه التسمية من معنى، فالاغتيالات التي نشهدها ليست حوادث متفرقة أو فردية بل أنشطة سياسية منظمة، هدفها الأبرز تقويض الانتفاضة الشعبية القائمة عن طريق التصفيات الجسدية للقيادات الشابة النشطة فيها، وبث الرعب في نفوس الآخرين وسط صمت الجهات الرسمية وتقاعسها.

تجاوز عدد القتلى في ساحات التظاهر والذين سقطوا صرعى خارجها الستمائة قتيل وتجاوز عدد المختطفين المجهولي المصير المائتين وتجاوز عدد المصابين المشاركين في الانتفاضة الشعبية العشرين ألفاً، ولم يصل لعلمنا أن هناك قاتلاً قد اعتقل أو خاطفاً سيق للقضاء أو إجراءات أمنية استثنائية قد اتخذت ترقى إلى مستوى ما يحدث، على الرغم من أن لدينا أجهزة أمن متخمة بعدد المنتسبين إليها، لا تشعر بالخجل من عدم قدرتها على الدفاع عن «سيادة وشرف مهنتها» كونها أجهزة تتقاضى رواتبها الشهرية مقابل أداء بائس لا يرقى إلى مستوى حفظ الأمن وصيانة دم العراقيين.

ملف الاغتيالات آخذ في التضخم، إذ من النادر أن يمر يوم خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وبالتحديد منذ الأول من أكتوبر 2019 دون أن نشهد حادثة اغتيال أو اختطاف أو محاولة للقيام بذلك.

مع كل انتفاضة شعبية في العراق الجديد وعلى مدى السنوات العشرة الأخيرة تبرز ظاهرة الاغتيالات، لتصبح علامة مميزة لها إلا أن ما نشهده في هذه الانتفاضة التي قرر فيها العراقيون تولي أمر بلدهم بأنفسهم هو الأشد سعة وعنفاً. هذه الاغتيالات تستهدف الناشطين في الانتفاضة، وتستهدف الإعلاميين الذين ينقلون الصور الحية عنها. المنتمون لهذين العنوانين أوجعوا ويوجعون الطبقة السياسية التي تحتفظ بمواقعها بكتائب الاغتيال المزودة بالكواتم وبالسكاكين، والتي نجحت في تلصص الدولة واختراق أجهزتها الأمنية، وأصبحت تتحكم بمداخلها ومخارجها.

لا أحد يجرؤ على فتح ملف الاغتيالات الثقيل وكشف القتلة ومن يقف وراءهم، لأن فتحه يعني مواجهة مباشرة مع الدولة العميقة، التي تتحكم بالشأن العراقي، وهي مهمة ليس بقدرة حكومة عادل عبد المهدي أو غيره ممن قد يأتي لسدة الحكم بتوافقات الكتل السياسية داخل المجلس النيابي، لأنها ستكون على دراية بمواقع الخطوط الحمراء التي عليها تجنب الاقتراب منها.

ملف الاغتيالات مرتبط بشكل مباشر أو يكمن بالقرب من ملفات أخرى كملف الفساد وملف الانتخابات النيابية وملف الرئاسات الثلاث، وبشكل خاص ملف الأجهزة الأمنية، وهذا الملف هو في الحقيقة ملف الحفاظ على ثوابت العملية السياسية القائمة، فميليشيات القتل تمارس عملها حين تهتز هذه الثوابت، فتتحرك ضد من يسعى بشكل جاد لكشف قضايا الفساد، وتتحرك لإسناد العملية الانتخابية التي تهدد حظوظ رموز العملية السياسية، وتتحرك حين يتهدد الوجود الإيراني بالخطر ويجري تحديه.

أنهار من الدماء قد سالت ولا تزال تسيل، والانتفاضة الشعبية تستعيد عافيتها بعد كل استهداف، فمن؟ وكيف؟ ومتى؟ يُفتح ملف «الاغتيالات» ويحال إلى القضاء سياسياً وجنائياً منتسبوه أفراداً ومنظمات، فذلك المدخل الوحيد أمام العراق لاستعادة عافيته.







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق