مجزرة النجف وسقوط الأقنعة .. بقلم : د. باهرة الشيخلي





تاريخ النشر: 2020-02-17 22:39:35


انشغل الشارع العراقي في الأيام الأخيرة، بقضيتين أخذتا جزءا كبيرا من اهتمامه، ترتبط الواحدة بالأخرى. وهما رفض رئيس الحكومة محمد توفيق علاوي، الذي تريد الكتل السياسية فرضه لتنجو من عواقب فسادها، والثانية هي الغضب الشعبي غير المسبوق على زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، بسبب جرائم ميليشياته المسماة سرايا السلام، التي اكتسبت تسمية جديدة، خلال الحراك الشعبي الأخير، هي “أصحاب القبعات الزرق”.

تلك الميليشيات، التي يسميها العراقيون “ذوي الأنياب الزرق” ارتكبت اعتداءات دموية على المتظاهرين السلميين في عدة مدن، أهمها النجف وكربلاء، اللتين ينظر الشيعة حول العالم إليهما نظرة تقديس لوجود مراقد الإمام علي بن أبي طالب وولديه الحسين والعباس وأصحابهم فيهما.

ينبغي أن نذكر أنّ المعتدين على المتظاهرين في المدن العراقية هم الميليشيات كلها بفصائلها جميعا، وليس سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر وحدها. وهناك إجماع على أنّ ميليشيات الصدر هي التي ارتكبت وحدها تلك الاعتداءات، لكن ربما كان هناك من خطّط لتلك المجازر وأراد أن يظهر مقتدى بصفة قائدها.

اعترف صالح محمد العراقي، وهو اسم مستعار لعدد من منصات مواقع التواصل الاجتماعي، التي تعبر عن زعيم التيار مقتدى الصدر، بمسؤولية تياره عن أحداث مدينة النجف.

وقال، في تعليق نشره على صفحته في موقع تليغرام “لا بد أن يكون لطلبة العلم الكرام وللعشائر النجفية العزيزة موقف لإنقاذ النجف الأشرف من المندسّين والمخرّبين بصورة سلمية، ولإنهاء الأيادي الخفية الخبيثة التي تريد النيل من قدسيتها”.

ومنذ يوم الجمعة الماضي، ازدادت هجمات الميليشيات، الموالية لإيران والمحسوبة على مقتدى الصدر، على مخيّمات المعتصمين بالسكاكين والهراوات، بل إن مسلحين مجهولين هددوا الذين لا يرضون بالصدر قائدا بحملهم بـ”البطة”، وهي تسمية تطلق على نوع من السيارات، استخدمت في السنوات الأولى من الاحتلال في اغتيال مواطنين عراقيين، وخصوصا في البصرة، ونُسبت تلك الجرائم إلى مجهولين، مما جعل الناس هذه الأيام، تربط بين تلك الاغتيالات وبين ميليشيا مقتدى، الذي سارع وتبرّأ ممن أطلق هتافات التهديد ضد المتظاهرين، في تغريدة له على تويتر، من مقرّه في إيران.

إن الهجوم الدموي للميليشيات الموالية لإيران على مدينتيْ النجف وكربلاء وبهذا الحجم من الإيذاء يعكس حجم الصدمة الكبرى، التي أحدثتها المدينتان المقدستان لنظام ولاية الفقيه وأحزابه وميليشياته.

كانت الثورة بمثابة الزلزال الذي أسقط الأقنعة الدينية الزائفة عن أتباع الولاية، فكان الهجوم الدموي محاولة لإيقاف الثورة العراقية السلمية أولا، وثانيا لإظهار القوة الاستعراضية المتوهمة للتيار الصدري، الذي برهن على أنه ليس ذيلا إيرانيّا فقط، بل هو ذيل الذيول.

ولاية الفقيه وأحزابها تعتبر المدينتين تابعتين لها وضمن قطاعها المذهبي، ناسية أن المواطنة هي جوهر الإيمان والحرية وهي هوية العراق الراسخة.

وبانتصار المواطنة أُغلق آخر الحصون، التي راهنت عليها أحزاب الولاية الإيرانية الطائفية، وآخر الأبواب في وجهها، وهي لاشك بداية النهاية للقتلة.

كلّ التسميات ستزول وتُنسى إلا العراق والشهداء وشباب الرافدين الثوار، الذين أخذوا بأيدي آبائهم إلى الغد والحلم والجمال.

وعدا عن الرمزية التي تمتلكها النجف، فهي مثل غيرها من المدن فيها تنوّع الآراء وتعدّد الأفكار، وهي في طليعة التحرّكات التحررية وفي مقدمتها.

ومن يعرف طبيعة المجتمع النجفي يدرك أنّ هذا المجتمع يتقبّل الخلاف بأشكاله، ولا يملّ من الحوار، شرط ألّا يصل الخلاف إلى إزهاق الأرواح.

من غير المستبعد أن يمنع النجفيون مقتدى الصدر من دخول مدينتهم والسكن فيها، بعد أن ارتكبت ميليشياته جرائم قتل ضدّ المتظاهرين من أبناء المدينة.

إن جبهة الفساد باتت تدرك دور المشاركة النجفية وتأثيرها الاستثنائي في انتفاضة التحرير وجميع المدن والميادين. وكان هجوم الميليشيات يستهدف هذا الدور، بقدر ما يستهدف المنتفضين السلميين في مجزرة سيظل الإثم والعار يلاحقان كل من شارك فيها وأعدّ لها ودعا إلى اقترافها.

وكان صمود الشجعان الذين نشأوا على العطاء والتضحية ووعي مجتمع النجف، وعودتهم إلى ساحاتهم بعد طرد الميليشيات، درسا وطنيّا وتاريخيّا مُلهما. وقد أفشل المخطط الإجرامي وفرض العزلة على القتلة والمخرّبين والفاسدين، وسيمدّ تاريخ النجف أبطال الانتفاضة بمزيد من العزيمة، ويزداد، هو الآخر، ألقا بها وبهم وبتضحياتهم.







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق