تنبؤات مام جلال حول العملاق الصيني ... بقلم : شيرزاد شيخاني





تاريخ النشر: 2020-03-28 12:21:54


أتذكر في أواخر تسعينيات القرن الماضي أن مام جلال رحمه الله كتب مقالا في جريدة ( كوردستانى نوى ) لسان حال حزبه الاتحاد الوطني الكردستاني حول خروج  " المارد الصيني " من قمقمه مع حلول الألفية الثالثة للميلاد . وتحدث في هذا المقال عن تنامي القدرة الإقتصادية للصين التي كانت في بدايات نموها ، متنبأ بأن هذه الدولة التي كانت تعد من الدول النامية ، ستتحول الى قوى عظمى هائلة تقلب موازين القوى في العالم في ظرف عشرين عاما القادمة .

وصادف أن كنا ضيوفا على مائدته نحن أعضاء المكتب الإعلامي للحزب بعد نشر ذلك المقال ، فإستفاض بالحديث شارحا العوامل التي ستساعد الصين على تحقيق هذا التقدم الهائل خلال الأعوام القادمة ، منها القدرات البشرية المتنامية وحاجة البلد الى فتح أسواق العالم ، وكذلك ظهور بوادر التغيير لدى القائد والمنظر الصيني آنذاك دينغ شياو بينغ وتبنيه لسياسة إقتصاد السوق .

ولم تمر عشرين عاما حتى تحولت نبوءة مام جلال الى حقيقة مؤكدة ، وأصبحت الصين القوة الإقتصادية العظمى في العالم وأصبحت تنافس إقتصاديات أكبر البلدان الرأسمالية بما فيها الإقتصاد الأمريكي . فلم تعد الصين تلك الدولة التي تصنع فقط أقلام الرصاص والدبابيس واللوازم المدرسية وألعاب الأطفال التي تتلف بفترة قصيرة ، بل تفوقت على جميع دول العالم في مجال الإقتصاد والعلوم والتكنولوجيا بما فيها اليابان التي تزعمت لعقود طويلة ريادة المجال التكنولوجي ، مما دعا بأمريكا الى محاربة نمو الصين كقوة إقتصادية جديدة تغزو أسواق العالم .

واليوم ، وفي حين تنشغل معظم الدول الصناعية الكبرى بما فيها أمريكا بوباء الكورونا وتقف عاجزة تماما عن مواجهة هذا الفايروس المجهري ، نرى الصين التي كان يتوقع أن يتفشى الوباء بين عشرات الملايين من أبنائها ، تخرج من هذا الوباء بأقل الخسائر البشرية وتنتصر بشجاعة فائقة على الفايروس وتهزمه .

 ولم تكتف الصين بهذا الإنتصار المجيد بل مدت يدها بسخاء لمساعدة الكثير من الدول التي أبتليت بهذا الوباء ، آخرها سعي الصين لفتح "خط طبي" بينها وبين أوروبا ، لإرسال المساعدات الطبية ، لتصبح بذلك  " الأمل الأخير " لأوروبا للخروج من أزمة كورونا ، التي أنهكت القارة العجوز .

بالعودة الى تنبؤات مام جلال ، وأنا أترجم مذكراته التي صدرت بعنوان " حوار العمر " للكاتب صلاح رشيد من اللغة الكردية الى العربية ، إستوقفتني عدة أحداث تحدث عنها مام جلال والتي تدل دلالة واضحة على ثاقب بصيرته وصدق تحليلاته العميقة لبعض الأحداث التي رافقت حياته .

ففي حديثه عن علاقته بفصائل المقاومة الفلسطينية والتي كانت علاقة متينة ، أشار طالباني الى أنه كان إجتمع مع الدكتور جورج حبش بحضور غسان كنفاني . وخلال اللقاء حذر كنفاني بأنه سيتعرض الى القتل على يد المخابرات الاسرائيلية . ويقول في مذكراته "  أبلغت غسان بأنه سوف يقتل ، لأنه مهمل ولم يتعلم بعد أساليب النضال السري . وحذرته فيما يتعلق بفتح الرسائل التي تردهم ، وقلت له " كيف تفتحون تلك الرسائل بأنفسكم"!. وإقترحت على قادة الجبهة الشعبية أن يضعوا جهاز لكشف المتفجرات في الطابق السفلي من بناية الجبهة لفحص الرسائل ، وبعد أن يتم الفحص يفتح مسؤول الإستعلامات تلك الرسائل قبل أن يأتي بها إليكم ، لأن العدو حين يبلغه بأن رسائله تفتح قبل وصولها إليكم لن يقدم على مثل هذه المغامرة ، ولكن حين يعلم بأن غسان أو بسام أبو شريف سوف يفتحون الرسالة مباشرة فإنه لن يتردد من تفخيخها ". وقلت لغسان" حتى موقع منزلك أيضا غير ملائم لطبيعة عملك ، ناهيك عن قيادتك للسيارة بنفسك ، فهذا خطأ أمني كبير ، فليس بعيدا أن يلغموا سيارتك ويفجروها وأنت بداخلها . ثم قلت له " يجب عليك أن تعلم بأن إسرائيل يدها مطلقة في لبنان ، فإحترس كثيرا أرجوك ". واقترحت عليهم أن يعينوا سائقا لغسان كي لا تبقى السيارة معه في مرآب بناية الحزب التي يقيم فيها ، فقد يأتون ويلغمونها ، وقلت يجب أن تكون السيارة بحوزة السائق يأتيك صباحا ويبقى معك الى حين عودتك في المساء الى البيت " . ويستطرد " للأسف إعتبر بعضهم أن هذه الإجراءات سمة من سمات البرجوازية خاصة وأنهم كانوا يعيشون في منطقة شعبية . وبالمناسبة قلت لبسام أبو شريف " لقد جاء دورك الان فإحترس أرجوك ، لقد خسرنا غسان ولا نريد أن نخسرك أنت أيضا ، فإحذر من فتح الرسائل بنفسك ". قال "حسنا سأفعل ". لكنه لم يفعل حتى إنفجرت به رسالة ملغومة ، وحين شفي قال لجورج حبش " لو سمعت كلام جلال وتحذيراته لما جرى لي هذا!.

وفي موقع آخر من الحوار يتحدث المرحوم جلال طالباني أيضا عن بدايات علاقة حزبه بالإدارة الأمريكية ، ويقول "  قبل أزمة الكويت كانت الإدارة الأمريكية تتحاشى اللقاء المباشر بقوى المعارضة العراقية بشكل علني . وبالنسبة لنا كشعب كردي ، كانت العلاقة لا تتعدى إطار بعض المسائل المتعلقة بحقوق الانسان . ولذلك عينوا مسؤول ملف حقوق الإنسان بسفارتهم في باريس ليكون صلة الوصل بيننا وبينهم . وقبل فترة قليلة من إحتلال الكويت سافرت الى باريس وإلتقيت بهذا المسؤول الأمريكي ، وطلبت منه تأشيرة دخول الى الولايات المتحدة لألبي دعوة وجهت لي من المؤتمر الوطني الكردي بأمريكا . وأخذ مني جواز السفر وكلف موظفا لديه بإتمام الإجراءات. ثم جلسنا نتجاذب أطراف الحديث ، وكانت الأنباء تشير في ذلك الحين الى إستعدادات الجيش العراقي للحركة ، وكان الأمريكان يعتقدون انها تحضيرات للهجوم على إسرائيل . فقلت لهذا المسؤول الأمريكي " لا أعتقد بأن هذه التحركات تستهدف إسرائيل ، بل هي لإحتلال الكويت ، وحين يحتلها صدام سيشكل حكومة مصطنعة ثم سيعلن إلحاق الكويت بالعراق"!. فضحك الدبلوماسي الأمريكي ثم قال " هذا أمر صعب جدا تحقيقه ". قلت " لا أعرف إن كان صعبا أم لا ، ولكني أعتقد بأن ماسيحصل لاحقا سيغير خارطة المنطقة برمتها ، بضمنها خارطة العراق ، وهذا أمر لاعلاقة له بإسرائيل . لكنه لم يقتنع بما قلت فتركته ".

هذه الأحداث التي تنبأ بها الراحل مام جلال تدل دلالة واضحة على أنه كان زعيما ثاقب البصيرة ودارسا للأحداث بعمق ، وكيف لا وهو الذي أصبح عضوا عاملا في الحزب الديمقراطي الكردستاني وهو بعمر الرابعة عشر ، وأصبح عضوا قياديا في أوائل عشرينياته ، وأصبح عضوا في الوفد الرسمي للقاء الزعيم العربي الكبير جمال عبدالناصر وهو في الثلاثين من عمره .

 كل هذه الخصائص والسمات القيادية التي برزت فيه تجعلني أقول وبأسف بالغ ، أن مام جلال لو لم يكن كرديا بلا دولة ، لكان شأنه عظيما ، شأن أولئك الزعماء التاريخيين الذين غيروا وجه العالم ...







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق