التأرجح الشاهيني بين التقصي و التشخيص الرمزي ... بقلم : هندة العكرمي





تاريخ النشر: 2020-04-05 19:52:20


التأرجح الشاهيني بين التقصي و التشخيص الرمزي
* قصائد عصمت دوسكي شكل من أشكال التعبير والوجود.
* شعر الواقع يفتت عصرنا الميت من أجل أن يولد عصر جديد آخر .

بقلم الأستاذة التونسية .. هندة العكرمي

تضعنا المسألة المدروسة أمام عدة قضايا لعل أولها قضية المصطلح الذي يكتسب دلالة مخصوصة بوصفه علامة على النصوص الشعرية الجديدة التي جاءت تشق دروبا مستعصية من البحث وظلت متمردة على قوانين القصيدة القديمة ومعمارها مدفوعة دفعا إلى التجريب واختبار طرق جديدة في تصريف الكلام وصناعة الرمز محملة بهواجس المرحلة التاريخية ولظى السؤال، محكومة بالبحث عن رؤية مخصوصة تحكم الوجود وتحدد الهوية في مواجهة الآخر ،وتعددا المصطلحات الدالة على هذه التجربة فبعضهم يستعمل مصطلح الشعر الحر هذا المصطلح الذي استعملته نازك الملائكة وقد سبقها إليه " أبو شادي " والشعر الحر حسب نازك ظاهرة عروضية قبل كل شيء يقوم على تكرار تفعيلة يختلف استعمالها من سطر إلى آخر ومن جملة شعرية إلى أخرى وتصل نازك البنية الإيقاعية بالدلالات الاجتماعية مبررة في الأثناء نزوع هذا اللون من الشعر إلى الواقعية والهروب من الأجواء الرومانسية بما يحمله في داخله من تمرد على سلطة النموذج وبحثا مستمرا على الاستقلالية . فالشاعر يرغب أن يستقل ويبدع لنفسه شيئا يستوجبه من حاجات العصر يريد أن يكف على أن يكون تابعا لامرئ القيس والمتنبي والمعري ( نازك الملائكة قضايا الشعر المعاصر) وهذا بالتحديد ما اكتشفناه في قصائد الشاعر عصمت شاهين دوسكي وهو ما دفعنا فعلا إلى القول علنا ما أحوج المهنة الشعرية إلى تناولها بالاهتمام والدرس وان نبحث في القوانين المنظمة لها عن أسباب وغايات التشريع والتبليغ وان نستشرف المستقبل لإحاطتها بإطار قانوني أفضل حتى يمكن تطويرها وجعلها مواكبة للعصر وحتى تحقق النفع منها لأصحابها والمتعاملين معها تلك غاية يسعى إليها كل شاعر ذاق من مرارة الواقع. ولا سيما الشاهيني والعصامي الدوسكي الذي اعتبر القصيدة الحديثة ليست مجرد شكل من أشكال التعبير إنما هي أيضا شكرا من أشكال الوجود وان أردنا أن نقرأ هذه المصطلحات بحس نقدي تمكننا أن نميز مثلا بين المعاصرة والحداثة إذ أن المعاصرة مفهوم زمني بالأساس لا يحمل تأسيسها مفهوما أو تحديدا معرفيا .
وفي الرأسمالية يمكن أن تستمر الأشكال التقليدية وفي مقابل هذا ترتبط كلمة حديث برؤية الحداثة بوصفها مفهوما ظهر بفعل المثاقفة وعكس التحولات في الفكر و السياسة و الإبداع وتنتج مجتمعا جديدا وعيا مخصوصا بالذات بل إن المفهوم كان موصولا في الغرب بالتقدم العلمي.
وفي هذا المستوى من البحث الدقيق لتحديد هوية شعر عصمت شاهين دوسكي تجدنا أمام السؤال: هل الشعر الشاهيني حديث ؟؟؟ هذا ما ستكشف عنه من خلال تناولنا لبعض قصائده بالشرح والتحليل في إطار التركيز على الرمزية في النص النثري باعتباره شعرا حرا .
وفي أول لقاء بقصائد الدوسكي نجده قبل كل شيء ومن حيث التجربة وأشكال التعبير مختلف عما سبقه لا مختلف معه وعليه بهذا المعنى أن يكون شاهد عصرنا والمعبر الحقيقي عن التجربة العربية الحديثة في فتح الهاوية في كل مكان عن طريق التقصي والاستفسار وكأن الاستفسار والاستخبار قوته الوحيدة لكشف المستور عن القديم في اتجاه الحديث في عناوين مفزعة (قصيدة أهل الكهف) تغيير ،،،تمرد ،،،،، إلى في كهف) أو قصيدة ثقافة القبور (حتى تنشر على الملأ ثقافة القبور. وغيرها من الهاويات الصالحات إن صح التعبير لان هذه الهاويات باب الرمز ففي هذا النتاج الشعري الحديث تركيز على الرمز .
((  ردد ما تقول
على الشاشات اللامعة
والمنابر الميتة
منهجك المعنى  بعيدا عن دار ودور
فهذا عدلك بلا عدل
وهذا عصرك أجمل العصور
متباهيا ، متألقا ..
تنشر على الملأ ثقافة القبور )) .

بل في استعماله كثير مما يدافع عن الرمز فهو يكاد يكون في معظم القصائد الشعرية ليس مجرد تسمية أو مجرد إشارة تاريخية أو مجرد لفظ بل ينقلها الرمز هنا بعيدا عن تخوم القصيدة ،بعيدا عن نصها المباشر فهو يتيح لنا أن نتأمل شيئا آخر وراء النص ولا أدل على ذلك من قوله في قصيدة ( قلم خروف )  .
(( قلت له : لم لا تزورني
قال : أنا قلم خروف  !!
أخاف ممن يكتبون
قلت : أبحروف تسترزقون ؟
قال : نحن ميليشيا الحروف
أقلامنا تهيم في كل واد كقطيع الخرفان
من زرع فاسد ، يأكلون )) .

وهل يمكن أن يكون الخروف قلم ؟؟ إنما هي رمزية الضعف والخوف
أو كقوله في قصيدة ( قميص حياتي )  (( اجعليني قميصا من تصاميمك ولا تنسيني - احتويني بين ألوان خيوطك ولا تعقديني- ارسمي ، صممي ، على جسدي جراحات - فمساحة جسدي تكفيك وتكفيني - لا تنغزي ابر خيوطك الناعمة - أوجاعي  تلتئم بخيوط تكويني  ..))
  وهل للحياة قميص ؟؟ وغيرها من الرموز والتشخيصات على سبيل الذكر لا الحصر هذا الرمز دليل قبل كل شيء على معنى خفي و إيحاء ،إنه اللغة التي تبدأ حين تنتهي لغة القصيدة ،أو هو القصيدة التي تتكون في وعيك بعد قراءة القصيدة .
هذا هو الرمز الشاهيني الذي عمد إليه ناطقه يتيح لوعي القارئ أن يستكشف عالما لا حدود له ،لذلك كانت كل قصائده ما هي إلا إضافة للوجود المعتم واندفاع صوب الجوهر وكأنه يقول بطريقة غير مباشرة إن تمكين التلقي أو المتلقي أو الآخر من اكتساب القدرة على التفكير بدقة لا يكفي .بل لا بد أن يقترن شرح الحقائق والنظريات بالواقع المعاش بذلك يمكن تنمية القدرات الإبداعية واستشارة اهتمامهم بأن تدعمه يبحثون بأنفسهم ما يتعين عليهم تعلمه من أفكار و كفايات علمية في واقع مرير وهو يدعو إلى تربية متصلة بالحياة و المجتمع لكي يعرف الجيل الناشئ على واقع الحياة وهموم ذلك المجتمع الفعلية .
بقصائد الدوسكي نقلة تفكير من إطار المجردات إلى إطار المشخص وهو بهذا يبعد المتلقي عن الالتجاء إلى عوالم وهمية و تجعله اقدر على قبول المجتمع وفهمه من أجل تطويره وتغييره تغييرا علميا عقلانيا وبهذا يكون الدوسكي داعية إلى الثورة ولا أدل على ذلك من قصيدته " الإمبراطورية المفقودة " ..
((  سلام إمبراطوريتي
يا حلمي الراحل من نارِ عبراتي
سلام يا وطن يبث بين البراكين آهاتي
سلام يا صمت كسحر الخريف في الخلواتِ
لا تسألني مَنْ أنا ....؟
قد أكون كائناً بين الكائناتِ
أو ريشة في مهب الريح
لا تسكن بين الأحياء والأمواتِ
سلام إمبراطوريتي .. أنتِ مفقودة
وأنا مفقود بين الحياة واللا حياةِ  )) .
أيضا قصيدة " حطين وصلاح الدين " وقصيدة « تسألني طفلة » وقصيدة  (لا تسأليني من أنا ؟؟؟) فالتقصي في هذه القصائد وغيرها يخزن الثورة في جوفه لأنها بطبيعتها في حاجة دائمة إلى إعادة النظر في خطواتها إلى التجدد لكي لا نجمد في المؤسسات والمنجزات وتصبر ماشيا لذلك نجد الشاهيني يجدد الدعوة بقوة نقدية خلاقة  فيها رمزية وتشخيص عميق تمنحها بعدا جديدا أو تدخل إليها دفعة جديدة فالثورة عند الدوسكي لا تتجدد إلا بالإحساس والجمال والحب والإبداع والحرية والتساؤل والبحث والتقصي والتخطي ...تحكي حدود المعهود ليصبح الشعر الذي يبدأ دائما محرك ، يثير، يوحي، فالشاعر هنا تحديدا إنما هو ثائر ,ولا يقدر الشاعر أن يكون إلا مع التغيير الخطير لان الثورة منذ أن تندلع وتصبح نظاما تصبح سياسة ،والسياسة قد تقبل كل شيء في كل لحظة وفي كل معنى على أنها تعنى بالعمل ،في حين وحسب عصمت شاهين الدو سكي يعنى الشعر بالكشف والتعرية .
تعرية حقائق موجعة و تهديم الأطر الجامدة والتطلع إلى الاستقلالية والحرية إلى مجال أرحب إلى الحلم والرؤيا الثاقبة في التطبيق وجودا صحيحا حرا فيما يعاني الشاعر من وجود معرقل مقيد بوجود لم يبدأ أصلا في بعض الأحيان في حلم أن يوجد الثورة بالحرية التي تحرك الواقع وتغيره والتي تتخطى عناصرها ذاتها ففي قصيدة « قصيدة أغيثيني » وقصيدة « أنا بلا عمل » ..
((  في وطني بسطاء
بلا نفاق وشقاق ومنعزل
لا أركض وراء شهادة ورقية
أنا الشهادة ، أنا الهوية ، أنا الأجمل
فهل تبحث لي عن عمل
أم أحمل وطني وأرحل ..؟  )) .
هذه هي البروليتاريا والدولة وقيم التاريخ البالية والطبقية والمثقفة. الهزلة إلى رؤيا حياة بلا طبقات ولا دولة حيث تنتهي سيطرة الإنسان على الإنسانية وتسود أخلاق الحرية والمسؤولية الشخصية بدلا من أخلاق السلطة والعقاب المفروض و يصير الشعر عند الدوسكي عمل آخر والعمل شعرا آخر ، شعر الحركة والتغيير ،شعر الواقع الشامل الذي يفتت عصرنا الميت من أجل أن يولد عصر جديد آخر .

 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق