التكفيريون وحقيقة الجهاد المزعوم .. بقلم : د. بليغ حمدي إسماعيل





تاريخ النشر: 2020-05-04 10:59:26



تعرض مصر الدائم لمحاولات إرهابية تستهدف عناصر الجيش المصري الباسل تحديدا في منطقة سيناء الغالية ، يجعل المواطن يدرك أن موجات التطرف والإرهاب لا يدرك انتماءه لوطنه وجيشه ، فهو الآن لا يحارب مفكرا ولا يغتال كاتبا أو يقتل مطربا أو رساما أو حتى شيخا ، بل هو يمارس حربه الخبيثة الدنيئة صوب القوة الحقيقية التي تحمي هذا الوطن الغالي ، وهم بالضرورة يفطنون قوة هذا الجيش وأن ثمة محاولات رخيصة ترتكب بحق جيشنا الباسل من شأنه يضعف الروح الوطنية لدى عموم المصريين ، وهذا الظن بالقطعية خائب وفقير بل وبليد أيضا .
فكونك تتحدث عن عظمة الجيش المصري الباسل ، فإنك تختزل بصورة سريعة خاطفة كنه المصري الأصيل جيشا وشعبا وقيادة سياسية ، لأن هذا الجيش الأكثر قوة وصلابة وبأسا هو الملمح الأبرز في ذاكرة الجيل الذي أنتمي إليه وينتمي إليه أيضا الملايين في مصر والوطن العربي ، إنه جيش قوي يحمل طابع الدهشة لقوته ، ويحمل سمة التعجب لسرعته ، ويحمل سمت العبقرية المؤيد دوما  بنصر الله وعزته وقوته ، هو جيش بلادي الذي لا يزال يفجر الطاقات الإبداعية الخلاقة للشعراء والسياسيين والموسيقيين والفنانين التشكيليين ، لأنه ملمح بشري بطعم الإبداع ولم يكن يوما ما مجرد عناصر مرتزقة كجيوش كثيرة ضاربة في الانتشار بالمنطقة العربية ، بل هو جيش خالص المصرية ، ولذلك تكمن التحية لجيش يعد الأقوى والأعظم منذ نهايات القرن العشرين وحتى لحظتنا الراهنة .
هذا الجيش الذي دائما يفجر بذاكرتي رائعة الشاعر المصري الاستثنائي صلاح عبد الصبور والموسومة بـ " إلى أول جندي رفع العلم في سيناء " وبعيدا عن تلك المحاولات البائسة الظلامية التي يمارسها ويرتكبها التكفيريون أتباع أمراء وشيوخ الفتنة والنساء الذين يبدون أكثر عشوائية ويسيرون بخطى مرتعشة فقيرة التدبير كفقر فكر أمرائهم وشيوخهم  فهذا امر لا يعنينا ونحن نحتفي بشهدائنا الأبرار الذين يستشهدون كل يوم حفاظا على الأرض والعرض والوطن ، فإن القصيدة بحق تمثل صورة بليغة في توصيف هذا الجيش العظيم وهذه العسكرية الاستثنائية لاسيما وأنها نظمت في التاسع من أكتوبر 1973 ، أي تفجرت وقت اشتعال نصر أكتوبر ، والتي يقول فيها صلاح عبد الصبور :
" تملـّيناك ، حين أهلَّ فوق الشاشة البيضاء ،
وجهك يلثم العلما
وترفعه يداك ،
لكي يحلق في مدار الشمس ،
حر الوجه مقتحما
ولكن كان هذا الوجه يظهر، ثم يستخفي .
ولم ألمح سوي بسمتك الزهراء والعينين
ولم تعلن لنا الشاشة نعتا لك أو إسما
ولكن، كيف كان اسم هنالك يحتويك ؟
وأنت في لحظتك العظمي
تحولت إلي معني
كمعني الحب ، معني الخير ، معني النور ، معني القدرة الأسمي."
مصر تمرّ، كما ذكرت منذ فترة وجيزة، بعملية قلب مفتوح وخصوصا في منطقة سيناء العزيزة على القلب والمحفورة بعمق التاريخ في وجداننا ، لكن العملية تفشل وتعاد فتفشل وتعاد فتفشل مرة جديدة ، والمريض أقصد هذا التكفيري الذي انساق بعير روية ولا هدى وراء موتور أحمق بات يدغدغ مشاعره عن خلافة واهية مزعومة ، هذا المريض التكفيري سواء انتمى إلى جماعة الإخوان الظلامية أو بقايا التكفير والهجرة أو السلفية الجهادية أو حتى تنظيم الدولة ( داعش )  أصبح مهدداً بالموت في كل لحظة وحين، وأنا أرفض بعض الأوقات الحاسمة الحلول الثقافية وجلسات الحوار مع هؤلاء المغيبين الذين يعيثون في الأرض فسادا وإرهابا بل بات الحل العسكري الشرس القوي هو أفضل الحلول في مواجهة حفنة الظلاميين وأتباعهم ، وأقصد باتباعهم بأن في الداخل عشرات بل مئات شيوخ الظلام إن جاز تسميتهم بالشيوخ وهؤلاء هم الذين يوجهون الشباب الضائع وطنيا وفكريا لتقويض أمن الوطن.
إنهم يريدون بمصر أن تحترق مثلما احترقت من قبل سورية وليبيا واليمن والعراق، والمارقون يمرون وسطها بوجوه غير معلنة وهذا مربط الفرس ، أن التكفيريين بشيوخهم وأمرائهم أمراء النساء واللذة والفتوى بغير علم يعرفون تفاصيل الشارع المصري وفئاته وطوائفه ، ولو ألقى الآن صاروخ صينى الصنع مما يلعب به أطفالنا ستجد هؤلاء يفزعون ويهربون بأحذيتهم البالية .
ولم يصدقني أحد منذ فترة ليست بالبعيدة عندما كتبت مقالاً بعنوان إنهم يحرقون مصر الجميلة وكنت أعني هؤلاء التكفيريين بشبه جزيرة سيناء ومحاولاتهم بقتل جنودنا البواسل ، وكنت قد تنبأت بأن هناك محاولات سوف تتفجر لارتكاب عمليات مسلحة ضد جيشنا الباسل القوي وأن الرد لابد وأن يكون أكثر قوة وبطشا وليس مجرد حلول أمنية عادية بل هي حرب باتت معلنة للرائي بغير هوادة ضد شيوخ اعتادوا التمويل منذ سبعينيات القرن الماضي تحت مسميات متعددة ، هذا الوطن الوديع الذي بدا بفعل أيادٍ شيطانية وقت حكم الجماعة ومن والاهم وحشاً مخيفاً وكابوساً مفزعاً أقلق مضجع الطفل الرضيع الساكن بجوار أمه الثكلى لفقد أخ أو زوج أو ابن راحوا جميعاً ضحية انفلات عام شاع فترة حكمهم البلاد والعباد واستهتار خبيث بمقدرات الوطن تم على أيديهم وكأنهم في حرب ضد الوطن والمواطن ، ولعلها كراهية مزمنة تجاه مصر رغم أنهم من نبت هذه الأرض .
وكنت أظن أن مصر ستنصهر طوعاً وكرهاً في صراعات لا طاقة لها بها بين النفوذ الإخواني داخل مصر وبين حفنة الدول المريضة المعادية لمصر ، وأنا وغيري وضعنا بالفعل عدداً من السيناريوهات السياسية منذ اعتلاء جماعة حسن البنا سدة الحكم في مصر ، وجاؤا فرصة سانحة للقنص لبعض التيارات والدول والطوائف الأكثر راديكالية والأعلى كراهية لوطن جاء ليبقى وهم زائلون.
 إن مشكلة شيوخ الفتنة والنساء ، وهذا رأيي في أمراء التكفير والهجرة والجهاديين المزعومين أنهم على وعي ودراية كافية  بأن الجيش المصري هو أميز علامة فارقة في حياة وأيام وتاريخ الشرق الأوسط المعاصر وليس داخل مصر ، وأن هذا الجيش الوطني خالص المصرية يحمل أعلى ملامح اليقظة العسكرية رغم استشهاد بعض عناصر القوات المسلحة ،ولا يمكننا أن نغفل الحقيقة العسكرية التاريخية والدامغة في التاريخ الحديث أن هذا الجيش العظيم الذي حارب وانتصر ، وبادر بالمفاجأة العسكرية الذكية والماكرة التي أدهشت العدو الغاشم الصهيوني فأفقدت توازنه بحسب نص الزعيم الخالد البطل المصري محمد أنور السادات ، قادر على تدمير أية محاولات تسعى لنشر الفوضى وشيوع الانفلات في سيناء، بل وفي كل بقعة بمصر.
لكن يبدو أن بعض الطوائف المتشددة دينياً والبعيدة عن سماحة الإسلام عقيدة وهوية قد تغافلوا عما يميز هذا الدين الحنيف من سمات وخصائص فريدة يمكن جمعها واختزالها في ملامح ثلاثة هي الإنسانية والتوازن والواقعية . حيث الإنسانية تتمثل في اهتمام الإسلام الصحيح بالإنسان وقضاياه ومشكلاته العامة والخاصة، والشريعة الإسلامية في ضوء هذه المزية تقدم تربية ترتقي بأخلاق الإنسان المؤمن ،وتهدف إلى إسعاده في الحياة الدنيا والآخرة، والمصدر الأول لهذه التربية هو القرآن الكريم وهو كتاب الله للإنسان، وأولى آيات القرآن الكريم اهتمت بتعليم الإنسان ، يقول تعالى:  اقرأ باسم ربك الذي خلق  ، وأوامر القرآن ونواهيه هدفها صالح الإنسان، كما أن الرسول(صلى الله عليه وسلم) أكد ذلك في أحاديثه وسلوكه ومعاملاته.
والقرآن الكريم الذي يحتاج منا بحق عناية في التلاوة والفهم والتأويل ومن ثم التطبيق حريص في شتى آياته على تأكيد إنسانية الإنسان، يقول تعالى: ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ) . وتتسم الشريعة الإسلامية أيضاً بالتوازن، ويتضح ذلك في تناسق العلاقات بين الإنسان وخالقه، وبين الإنسان ومجتمعه وأسرته، وبين الجانب المادي والروحي، وذلك في العبادات والسلوك والمعاملات، فلا يطغى جانب على آخر، بل تتناسق العلاقات بقدر يتيح للإنسان أن يحيا حياة متوازنة مستقيمة.
ولابد أن تتكاتف كل الوسائل الإعلامية الوطنية وكذلك المؤسسات الدينية الرسمية من أجل ثمة أمور تبدو ملحة ، في تزامن مع المواجهة العسكرية ضد الغلاة والخوارج والتكفيريين ، هذا التكاتف من أجل توضيح الرؤية للمواطن وتبصيره بدوافع هؤلاء في تقويض الأمن المصري ، وكذلك توعية المواطن بالفتنة التي يمارسها بعض شيوخ الغلاة والمتطرفين الذين لا يفطنون لحرمة الدم والأرض ، ناهيكم عن السيرة الذاتية لأمرائهم المولعون بالنساء والزواج بصورة استثنائية وسجلات التاريخ كفيلة بتحقيق هذه السيرة .
وبإطلالة سريعة تجدر الإشارة إلى التقرير الذي أعده موقع اليوم السابع القاهري الإلكتروني نهاية الأسبوع الماضي عن موجز العلاقات المشبوهة لقيادات جماعات التكفير في مصر ، وهي حقائق ثابتة لا يمكن إنكارها ، ولست أعرف حتى الآن هوس أمراء وشيوخ الفتنة باستقطاب النساء والتأثير عليهن وتقويض عقائدهن الطبيعية الفطرية بأفكار مسمومة خبيثة . وتجدهم بانتشار جائح عبر وسائل التواصل الاجتماعي بدروسهم وفتاويهم وأقوالهم الخالية من العقل والفكر بل والبركة أيضا والتي تكفر المجتمع وطوائفه وتحض النساء على تكفير السلطة وعدم الإيمان بالجيش الذي يحميه ، وتكفي رحلة إلكترونية سريعة لتعرف آراء هؤلاء ومدى انتشارهم بين جموع النساء والفتيات الصغيرات الأقل مقاومة لشيوخ هربوا من وسطية الدين وسماحته نحو الغلو والتكفير .وكم هو مؤسف حقا حينما نعلم أن بعض هؤلاء الأمراء من خدم في العسكرية المصرية ، ومنهم من تم فصله لأنه بحق غير جدير بشرف الانتماء للمؤسسة العسكرية العظيمة التي تحمي وتبني على السواء.
وهنا تبدو مهمة الأزهر الشريف الذي يعتلي مقعده العالم الجليل فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب من أجل التنوير للعقول والتبصير بحقائق الدين ورصد الوقائع التاريخية التي تعظم مكانة الجيش في نفوس المصريين. 
عاشت مصر التي تلفظ كل خبيث ، عاشت مصر التي تأبى أن يُذبح تاريخها ومستقبلها ، عاشت مصر الجميلة التي ترفض الاستقطاب والاستبعاد والمغالبة ، مصر التي باستطاعتها أن تأكل وتبلع وتهضم كل شئ إلا ( الأونطة ) لذلك كان من الطبيعي أن ترفض مصر كل الأفعال الخبيثة التي يرتكبها التكفيريون ومن صاحبهم من أمراء وشيوخ الفتنة والقتل وفتاوى النساء بل الزواج من الصغيرات بحجج واهية كاذبة .
وإن كان يظن هؤلاء التكفيريون أن مقتل ضابط أو عسكري سيضعف من عزيمة المصريين في مواجهتهم ، فهذا عبث لا يقين له ، بل إن مصر كلها جيش ، والذي لا يدركه ولن يدركه هؤلاء الذين لم يفطنوا العلاقة بين الجيش والشعب أن ما يجمعنا معا .. الأرض الطيبة التي نحيا عليها.

 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق