شبكة الجزيرة القطرية تحاول "تنظيف" سجل قاسم سليماني الإرهابي





تاريخ النشر: 2020-05-14 14:06:33


قاسم سليماني الذي قتل مئات السوريين والعراقيين وشرد اليمنيين بميليشيات دموية وسلح حزب الله وجعله دولة موازية في لبنان، أصبح اليوم أحد الرموز الذي تستشهد به قطر وتكرمه بعد مقتله! نعم هذا آخر فصول التطبيع القطري مع الإرهاب الذي تمرره قناة الجزيرة في خطوة تظهر بشكل جلي وعلني عمق التقارب الذي أصبح عليه الإخوان وإيران.

قطر دولة خليجية عربية لكنها اختارت أن تكون الورقة التي يستخدمها النظام الإيراني لتهديد جيرانها واستفزازهم في المنطقة، فكلما شعر النظام في الدوحة بالخطر تقرب من أعداء من يخافهم ويهاب قدرتهم على خنقه.

النظام القطري كرس كل طاقات الدولة على مر السنوات الماضية لدعم الجماعات الإسلامية المتشددة والإخوان وطالبان ومساعدة الإرهابيين والفصائل والميليشيات في كل مكان بالسلاح لنشر الفوضى طمعا في وصول جماعات الإسلام السياسي للسلطة.

الجزء الأول من هذه الفوضى انطلق من قناة الجزيرة منصة الإسلاميين التي دعمت الإسلام السياسي وروجت لحكم الإخوان خلال ما يسمى بثورات الربيع العربي. وبعد أقل من 5 أشهر على مقتله في غارة أميركية في بغداد خصصت منصة "الجزيرة بودكاست"، التابعة لشبكة الجزيرة القطرية جزءا من برنامجها "رموز" لتمجيد قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني تحت عنوان "سليماني رأس حربة إيران".

تطبيع مع الإرهاب

الشبكة القطرية حاولت "تنظيف" سجل سليماني الإرهابي الذي بث الفوضى والدمار في سوريا والعراق واليمن وغيرها من الدول العربية فوصفته بـ"الشهيد" و"المجاهد في سبيل الله" الذي كان "جندي كرس حياته لخدمة الإسلام" واختارت بعناية أن يكون بثه في شهر رمضان.

المقطع الذي ظهر يشبه إلى حد كبير تلك الفيديوهات التي تنشرها التنظيمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة ويظهر فيها زعمائها للدعوة إلى الجهاد وسفك الدماء، يقول فيه قائد فيلق القدس الإيراني تحت مؤثرات صوتية تصلح لقرع طبول الحرب "أنا قاسم سليماني، الجندي الذي كرّس حياته لخدمة الإسلام والثورة الإسلامية وعزتها وكرامتها (…) الاسم الذي يهابه الشيطان الأكبر والعدو الصهيوني".

تأثير الصدمة على كل من شاهد مقطع الفيديو الذي يدوم 26 دقيقة، أجبر الشبكة القطرية على حذفه بعد ساعات من تويتر، لكنها أبقته على منصتها ودعت المشاهدين لإبداء رأيهم في "القائد الإسلامي" الذي قال أنه "أشرف بنفسه على أكبر عملية عسكرية للدفاع عن سوريا وشعبها وكان لإيران الدور الرئيسي في إعادة للاستقرار لها، بعد أن قام الحرس الثوري وميليشياته بالتصدي للحرب الطائفية من خلال الدين وليس من خلال القوة العسكرية".
وأرفقت المنصة القطرية الفيديو بتمجيد لسليماني يقول “لمع نجمه في الحرب الإيرانية- العراقية، ثم انطلق بعدها مهندسًا لمعظم معارك إيران الخارجية تاركًا بصماته في أكثر بقاع المنطقة التهابًا: سوريا، اليمن، العراق وغيرها، وكاد اغتياله أن يشعل حربًا عالمية ثالثة".

الجزيرة مجدت على لسان سليماني الثورة الإيرانية وإزاحة الشاه من الحكم وجعلت منه مؤيدا لثورات المستضعفين كأن قائد فيلق القدس لم يكن يشرف بنفسه على قوات الباسيج لقتل المحتجين والثائرين على النظام في إيران نفسها وقمع الأصوات المعارضة التي خرجت للتظاهر في الشوارع بحملات دامية قبل أسابيع من مقتله.

تودد مفضوح للمرشد

تبرئة سليماني من دم المسلمين في سوريا والعراق واليمن والإرهاب الذي مارسه خلال قيادته للميليشيات في المنطقة التي أغرقتها إيران في الفوضى، يعكس حجم انحدار النظام القطري من العداء للعرب والمسلمين حتى ينحني لقاتل أبنائهم خدمة للتحالف التركي الإيراني الذي يستنجد مساعدته طمعا في فك عزلته بعد المقاطعة الخليجية للدوحة.

برنامج الجزيرة يأتي متناغما تماما مع ما اختاره النظام القطري عندما سارع بإرسال وزير الخارجية محمد بن عبدالرحمن آل ثاني إلى طهران في اليوم التالي لمقتل سليماني، قبل أن يتبعه أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني بزيارة إلى طهران بعدها بأسبوع، التقى خلالها مرشد إيران علي خامنئي.

باستعراض "مسيرته الجهادية" بررت القناة القطرية الجرائم التي ارتكبها سليماني بحق الأبرياء في سوريا والعراق وأخرجته في ثوب "المدافع عن الإسلام" وهو يشرح ما قام به من إرهاب في سبيل "إنقاد المسلمين" قائلا إن "التحدي الأول الذي عاشه بعد الثورة في إيران هو المشاركة في الحرب ضد العراق" واصفا نظام صدام حسين بـ"النظام الكافر" و"الملحد" واعتبر إن الحرب ضد العراق كانت "كنزا يفوق طواف الحجيج" الذي يعتز به.

بعد الحديث عن العمل على الملف الأفغاني وعلاقته التي توطدت مع طالبان، يظهر قائد فيلق القدس وهو يصر على اعتماد كلمة "شركاء" عند الحديث عن حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي بدل وكلاء باعتبارهم جزء في "مشروع المقاومة" ضد إسرائيل.

تكلمت الجزيرة بلسان سليماني لكنها في الواقع تحدثت بنفَس إيراني يمجد الخميني وعماد مغنية وحسن نصر الله والثورة باسم "الإسلام"، لتكشف حجم المقابل الذي تنتظره قطر من خامنئي حتى تقوم الشبكة القطرية بما عجزت قنوات حزب الله اللبناني وحتى وسائل الإعلام الإيرانية على فعله.

وتكشف إحدى الصور التي يظهر فيها سليماني في الفيديو وهو في مدينة حلب السورية بعد تدميرها في 2017 الدور الذي لعبته قطر في دعم الجماعات الإسلامية المتطرفة والإرهابيين خلال الحرب في سوريا جنبا إلى جنب مع إيران وميليشياتها. ورغم أن إيران كانت دائما ما تروج لوجود الحرس الثوري والميليشيات الموالية لها في سوريا بهدف الدفاع عن الأضرحة الشيعية مثل مرقد السيدة زينب وغيرها في دمشق، إلا أن قطر على لسان سليماني أكدت بكل تفاخر دورها في الحرب السورية وتغيير موازين القوى على مر السنوات الماضية.

قناة الجزيرة التي كانت بوقا إعلاميا لتنظيم الإخوان ولمعت الإرهاب وكرست برامجها لإيصال صوت الجهاديين لسنوات لا بل فحت لهم كاتب على أراضيها، لن تجد إيران أفضل منها للترويج لمشروعها الصفوي المكشوف في المنطقة فحولتها لأحد فروع الإعلام الحربي التابع لميليشيات الحرس الثوري المصنف على القوائم الإرهابية.

كان سليماني الذي تولى عام 1998 قيادة فيلق القدس الذي نفذ حيزا كبيرا من السياسة الإيرانية سواء بالداخل أو الخارج، المهندس والمنفذ المشروع الطائفي لإيران في المنطقة فقدم الدعم والتدريب للكتائب والميليشيات ذات الولاء المطلق للمرشد، لكن مقتله أجل استكمال التمدد الإيراني.

قطر تسلمت هذه المهمة اليوم فإعلامها مستعد لخدمة المشروع الإيراني الذي أربكه مقتل سليماني ظننا منها أن ذلك يمكن أن يفك عزلتها ويدفع الدول الخليجية ومصر التي تقاطعها منذ 2017 بسبب دعمها للإرهاب، تماما مثلما فعلت عندما تحالفت مع تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان قائد مشروع الإسلام السياسي في المنطقة والداعم الآخر للإخوان والجماعات المسلحة.

تاريخ من التقارب بين الإخوان وإيران

في الواقع ما قامت به الجزيرة لا بدو مثيرا للاستغراب كثيرا فالعلاقة الإيرانية- الإخوانية ليست ظاهرة جديدة فتنظيم الإخوان أول من أشاد وهلل بوصول نظام ولاية الفقيه إلى الحكم بعد الإطاحة بالشاه رضا بهلوي عام 1979. والإخوان أول من هنئ المرشد الإيراني آية الله الخميني بوصوله إلى الحكم.

الثورة التي قادها خامنئي ضد الشاه وإقامة الجمهورية الإسلامية في إيران كانت بمثابة الحلم الإصلاحي والأيديولوجي المثالي عن النهضة وبناء الدولة الإسلامية الذي أراد التنظيم إرساؤه وروج له في منهاجه، لكن الإخوان فشلوا في تحقيقه عندما وصلوا إلى الحكم خلال ثورات الربيع العربي في مصر وتونس وغيرها.

كان الإخوان المسلمون يرون في منهج المرشد الخميني في إدارة الثورة والوصول إلى الحكم نموذجا يمكن السير عليه رغم أن المرشد الإيراني نفسه استسخ نجاحه السياسي من ترجمة كتب حسن البنا وتلميذه سيد قطب للقيام بالثورة على الشاه، والتوغل في بنية الدولة ثم تأسيس الحرس الثوري الذي يعد الفكرة الأساسية لمؤسس جماعة الإخوان.

إن احتفاء قطر بسليماني وتمجيد سيرته يذكر تمجيد الإخوان واحتفائهم بالخميني الذي وضعوا صورته على غلاف مجلة التنظيم بعد سقوط عهد الشاه، مهللين بصعود نجم "سماحة الإسلام" الذي كان يدفعهم نحو التمسك بحلمهم لتنصيب مماثل قد يحصل عليه مرشد الإخوان رغم أن  دلالة استخدام كلمة "مرشد" مرت لدى الطرفين بتغييرات مختلفة.

وفي إطار رد الجميل وجه المرشد الأعلى علي خامنئي خطابا، وللمرة الأولى باللغة العربية، إلى المتظاهرين المصريين أثناء ثورتهم على نظام حسني مبارك في 2011 حاثا إياهم على الاقتداء بشخصيات مصرية مثل البنا وقطب الذي أصّلت كتبه لفكر الجهاد والإرهاب والانقلابات على الحكم.

أتي التقارب العلني بين إيران والإخوان بعد سنوات من التواصل السري، حيث اضطر تنظيم لسنوات للنأي بالنفس "ظاهريا" عن نھج رجال الدين الثوريین في إيران وذلك لإدراكه جيدا أن تولي مقاليد السلطة من دون قبول الدول الغربية ليس ممكنا، لكن بعد وصول الإخوان إلى الحكم في مصر (2012-2013) خرجت العلاقة الودية مع النظام الإيراني للعلن، حيث أصبح محمد مرسي أول رئيس مصري يزور إيران منذ عام 1979.

وكشف أمير عبد اللهيان المساعد الخاص لرئيس البرلمان الإيراني للشؤون الدولية مؤخرا أن مرسي التقى خلال تلك الزيارة بقاسم سليماني.

وقال عبداللهيان أن وفد مرسي عندما وصل طهران طلب لقاء سليماني "ولو لخمس دقائق"، لكن بعد اللقاء لم يعمل الإخوان بالملاحظات التي طرحها عليهم قائد فيلق القدس الإيراني، وهو ما دفعهم للاعتراف بعد سقوط مرسي بأنهم لو عملوا بنصائح سليماني لما عزل نظامهم.

هذه النصائح التي قدمها سليماني لمرسي والوفد المرافق له كانت تتعلق بتشكيل جهازي أمن ومخابرات مستقليْن عن أجهزة الأمن الوطني التي يسيطر عليها الجيش المصري، على غرار الحرس الثوري الذي أنشأه الخميني لحماية النظام الديني عقب وصوله الحكم وأصبح الفصيل الثاني للقوات المسلحة الإيرانية إضافة للجيش.

استنجاد بالحلف الإيراني التركي

الجدير بالذكر هنا إن رجب طيب أردوغان الذي كان رئيسا للوزراء آنذاك كان له الدور البارز في إقناع مرسي بزيارة إيران. وكشفت وثائق أميركية أن اجتماعات سرية بين مسؤولين إيرانيين وقيادات من الإخوان تمت في أبريل/نيسان 2014 في تركيا بهدف التنسيق بين الطرفين اللذين يقومان على أساس فكر التنظيم المستند على مبادئ دينية إسلامية تتعدى في جوهرها الحقيقي فكرة الدولة المبنية على السياسة المدنية حتى وإن كانا على اختلاف أصلي في الفكر والعقيدة والمنهج.

لقد كان الإخوان المسلمون أكثر من يتهم دول الخليج بمحاباة إيران في السابق ليس حرصا على مصالحها بل في إطار التحريض للاستفادة من الطرفين وهو ما تفعله قطر الآن ففي الدول التي تستخدم فيها إيران وكلائها لبسط نفوذها مثل سوريا اليمن والعراق دائما ما يكون للإخوان دور فيها ويكون بدعم من الحلف القطري التركي.

تاريخ التلاقي والتعاطف والتقارب الذي جمع التنظيمين على مدى عقود مضت يعود اليوم إلى الواجهة لتحكمه الضرورة مع تضييق العالم الخناق عليهما. فالإخوان لفضتهم الشعوب العربية بعد أن فشل مشروع الإسلام السياسي وتصنفهم بعض الدول كمنظمة إرهابية استخدمت السلاح والتخريب للوصول إلى السلطة، أما النظام الإيراني فقد أصبح يتخوف من انتفاضة داخلية ومحاصرة خارجية تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل بعد أن انكشف دور وكلائه في المنطقة.

تمجيد قناة الجزيرة هدفه واضح في هذا التوقيت فالإخوان الذين يدعمهم النظام القطري يغيرون المذهب وحتى الدين لتحقيق غرض الوصول للسلطة وهي الطريقة التي انتهجتها الجماعة منذ بدئها إلى اليوم، لكن صعوبة عودتها للحكم في أكثر من بلد عربي يجعلها تتمسك بالقشة الإيرانية بعد أن سوقت لأردوغان الذي يجند المرتزقة ويسلح الميليشيات لقتل السوريين والليبيين في بلدانهم كنموذج ناجح للإسلام السياسي و"خليفة للمسلمين".

دراسات وبحوث







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق