الموصل تئن تحت وطأة الصراع الأميركي الإيراني في العراق





تاريخ النشر: 2020-06-14 11:57:12


 قبل ثلاثة أعوام احتفل العالم عندما حررت القوات العراقية بدعم من الولايات المتحدة الموصل القديمة من الحكم الوحشي في ظل تنظيم الدولة الإسلامية. وثارت الآمال في نفوس سكان الموصل في إعادة بناء حياتهم بعد ما لحق بها من دمار، لكن اليوم تدور رحى معركة مختلفة، فيما تئن المدينة تحت وطأة الصراع الأميركي الإيراني على النفوذ في العراق.

وتجري وقائع هذه المعركة إلى حد كبير خلف الكواليس، من قاعات الحكومة المحلية التي تطل على شوارع خربها القصف في المدينة إلى قاعات الاجتماعات بفنادق في بغداد.

وما تلك المعركة سوى صراع على النفوذ بين أحزاب وساسة ورجال فصائل مسلحة. بعضهم تدعمهم إيران وآخرون يفضلون الولايات المتحدة.

وعلى المحك، السيطرة السياسية في محافظة نينوى التي تمثل الموصل عاصمتها وهي منطقة غنية بمواردها الطبيعية وتمثل همزة وصل في طريق إمداد يمتد من طهران إلى البحر المتوسط. ويخدم هذا الطريق فصائل تدعمها إيران وتعد ألد أعداء الولايات المتحدة هنا منذ هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية.

وسجل حلفاء إيران انتصارات في هذه المعركة. فقد عينوا محافظا تفضله إيران قبل عام. لكن النفوذ الإيراني واجه تحديات تمثلت في احتجاجات مناهضة للحكومة وعقوبات أميركية واغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني.

واستطاع المعسكر المؤيد للغرب إبدال محافظ نينوى بحليف قديم للولايات المتحدة. ويعكس هذا التنافس صراعا أوسع على مستقبل العراق نفسه.

على مدار عام حاورت رويترز حوالي 20 مسؤولا عراقيا يشاركون في هذا الصراع السياسي على نينوى، حيث روى هؤلاء كيف كونت إيران وحلفاؤها شبكات لبسط النفوذ على الحكم المحلي وكيف حاول مسؤولون مؤيدون للغرب التصدي لهم وكيف عرقل هذا الشد والجذب نهوض الموصل من كبوتها.

وقد أصبح جانب كبير من الموصل عبارة عن أطلال حيث تتعثر حركة السيارات عبر جسور مدمرة ويبيع المعاقون من ضحايا الحرب المناديل الورقية والسجائر والشاي عند التقاطعات. وتلك صورة من البؤس يخشى المسؤولون العراقيون أنها تمثل الأرض الخصبة المثالية لعودة الدولة الإسلامية للظهور.

واتهمت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميريكية إيران ببذل جهد كبير "للهيمنة على كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية في العراق". وأضافت المتحدثة مورجان أورتاجوس أن الولايات المتحدة ملتزمة بمساعدة العراق على بناء قدراته الاقتصادية وتحسين الاستقرار والأمن.

وقال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لرويترز ردا على سؤال عن الموصل إن الفساد والخلافات السياسية يعرقل النهوض بالمدينة لكنه نفى وجود صراع بالوكالة، "طموحاتنا بسيطة وكنا نريد حياة بدون عنف".


تغيير في مجلس المدينة

يمثل الصراع السياسي على نينوى جانبا من الصورة الأوسع في المحافظات الشمالية ذات الغالبية السنية وهي من المعاقل السابقة لصدام حسين وتمثل قيمة إستراتيجية لطهران وتريد واشنطن أن تحد من النفوذ الإيراني فيها.

تحد سهول نينوى الخصبة من الغرب سوريا التي حارب فيها الحرس الثوري الإيراني إلى جانب قوات الرئيس السوري بشار الأسد. وخلفها يقع لبنان حيث حزب الله المتحالف مع إيران الشيعية.

وتشكل بقية هذا القطاع من الأراضي التي يغلب عليها السنة محافظات الأنبار التي يشقها نهر الفرات وصلاح الدين التي يقع فيها ضريح شيعي مهم وديالى المتاخمة لإيران.

ويرابط عدد كبير من 5000 جندي أميركي في العراق في قواعد منتشرة عبر ثلاث من هذه المحافظات وكثيرا ما تتعرض لهجمات صاروخية يحمل المسؤولون الأميركيون مسؤوليتها لفصائل تعمل لحساب إيران وتريد إخراج القوات الأميركية. وتعمل الولايات المتحدة على تخفيض حجم قواتها في العراق.

وكانت إيران قد أكدت هيمنتها على بغداد والمحافظات الجنوبية الشيعية في العراق بعد الاجتياح الأميركي عام 2003 والإطاحة بصدام، غير أن المناطق السنية في البلاد والتي تعيش فيها أيضا أقليات من الأكراد والمسيحيين والتركمان الشيعة واليزيديين كانت تمثل تحديا.

وأصبحت هذه المناطق مراكز لتمرد سني على القوات الأميركية في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة ومعاقل لتنظيم الدولة الإسلامية الذي اتخذ من الموصل عاصمة له في 2014.

وبعد أن ساعدت الفصائل المدعومة من إيران في إخراج الدولة الإسلامية من الموصل في 2017 بقيت الفصائل في المنطقة.

وترفرف أعلام هذه الفصائل في مختلف أنحاء شمال العراق جنبا إلى جنب مع رايات ولوحات إعلانات تكرم قياداتها بمن فيهم القائد الإيراني المقتول سليماني.

رد أميركي

وفي غضون بضعة أشهر دارت الأحداث في الاتجاه المعاكس، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على قادة الفصائل المتحالفة مع إيران وعلى حلفائهم العراقيين من السنة.

وقالت الخزانة الأمريكية إنها قررت تجميد أصول بعض الموالين لإيران لأنهم حموا “مصالحهم الشخصية وتصرفوا بما يلائم وكلاء تدعمهم إيران يعملون خارج سيطرة الدولة".

وتقلص وجود الفصائل العسكري في الشوارع الداخلية بالمدينة بعد أن كانت رايات شيعية وأعلام الفصائل ترفرف في وقت من الأوقات فوق المساجد.

ويأمل المسؤولون المؤيدون للولايات المتحدة في الموصل أن تحوّل حكومة الكاظمي والانقسامات بين الفصائل المدعومة من إيران في أعقاب مقتل سليماني الدفة عن النفوذ الإيراني. والكاظمي مقبول لدى الولايات المتحدة وإيران.

وقال أربعة مسؤولين محليين إنه تم تبديل شاغلي بعض المناصب الإدارية وإن هذه المناصب لم تعد تخضع لسيطرة حلفاء الفصائل المدعومة من إيران، لكن مناصب أخرى لا يزال يشغلها مسؤولون على صلة بجماعات الفصائل.

وللفصائل أيضا مكاتب في الموصل وعقود أعمال أخرى رغم أن هذه المكاتب ألغيت بمرسوم من الحكومة المركزية العام الماضي. ولم ترد الفصائل المسلحة على أسئلة من رويترز عن أنشطتها.


مدينة مدمرة

ويقول مراقبون عراقيون إن البنية التحتية للرعاية الصحية بمحافظة نينوي هي أسوأ ما شاهدناه على الإطلاق.

وقبل أن يصل تنظيم الدولة الإسلامية كان عدد الأسرة الإجمالي بمستشفيات بالمحافظة حوالي 4000 سرير. والآن أصبح العدد أكثر قليلا من الألف.

وقال حسام خليل مدير الدفاع المدني في الموصل إن توفير عربات الطواريء مثل سيارات الإطفاء والإسعاف لم يتحقق رغم أنه كان من المتوقع أن يتم في 2019، مضيفا "أحيانا لازم نعتمد على سياراتنا الخاصة للشغل بس مو لإطفاء الحرائق أو الإنقاذ".

نفوذ باق

في بقية المحافظات السنية الواقعة بين نينوى وبغداد يقول أعضاء المجالس المحلية وقيادات عشائرية وأعضاء في البرلمان العراقي إن مساعي إيران لتدعيم وضع حلفائها السياسيين المحليين ستكون على الأرجح أكثر قدرة على الصمود من الأساليب الأميركية من ضربات جوية وعقوبات اقتصادية.

ويتحسر أصدقاء أميركا المحتملون على ما يرون أنه غياب الاهتمام أو القدرة لدى الجانب الأميريكي على تقليص النفوذ الإيراني في العراق الذي اجتاحته قوات الحلفاء قبل 17 عاما.

وسئلت مورجان أورتاجوس المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية عن الدور الأمريكي في العراق فقالت، "سنواصل الوقوف إلى جانب الشعب العراقي لدعم مطالباته بالإصلاح والتغيير ومساعدته على الوصول إلى عراق مزدهر اقتصاديا وبلد محوري في المنطقة خال من التدخل الأجنبي".

وقد قابل آخرون من مشايخ السنة في صلاح الدين مسؤولين من الفصائل الشيعية لمناشدتهم الموافقة على عودة الأسر السنية التي نزحت بسبب الحرب مع الدولة الإسلامية وتفرقت في مخيمات وبيوت مؤقتة في مختلف أنحاء شمال العراق.

ويشعر هؤلاء المشايخ بالقلق من تقلص الوجود العسكري الأميركي في العراق قائلين إنه يفتح المجال في مناطقهم أمام خطر عودة الدولة الإسلامية.

العراق / وكالات







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق