بغداد: القوى الدينية وتجريدات هجمة الكرادة ... بقلم : سهيل سامي ناجي





تاريخ النشر: 0000-00-00 00:00:00


السلطة غضت النظر عن ذبح الأيزيدية التي كانت قد اجازتهم في بيع الخمور. لماذا لم تفعل شيئا؟ لأنها مع هذا التوجه الظلامي. فيسّرت بنفسها أعمال التدخل بشؤون المواطنين. بقلم : سهيل سامي ناجي تعليقا على نتائج انتخابات المجالس المحلية قلت من هذا الموقع: "إن من رحب بخسارة المالكي النسبية لا يعرف في الحقيقة ماذا ربح هو، ولا يدرك الافق السياسي الذي ذهبت اليه الاصوات التي خسرها المالكي. لم يحن الاوان لتتكشف القيمة السياسية والثقافية لهذه الانتخابات على ارض الواقع، ولسوف تظهر حقيقة أن المقاعد التي خسرتها دولة القانون، لم تستفد منها الحياة المدنية بالمعنى العام للكلمة، بل ربما العكس، فمن ربحها ليس أفضل من دولة القانون في الموقف من الحريات المدنية، بل ربما أسوأ". ليس هذا دفاعا مواربا عن المالكي، بل فهم لطبيعة المباراة الجارية على ارض العراق. في نفس المقالة قلت ان الخاسر الحقيقي ليس المالكي بل القوى المدنية، فالمالكي سيعوض خسارته إما بتحالفات جديدة (الاكراد مثلا) أو بانتصار افتراضي مرتب! بعد حدث الكرادة الاخير، وهجوم رجال الفضيلة والأخلاق على المقاهي، تأكد هذا الاستنتاج بجلاء، وتأكد معه ما جاء فيه من وصف مبدأي. فالتنافس الانتخابي حتى وهو يستخدم برامج سياسية واجتماعية من حيث التعريف، كمفهوم الخدمة العامة والكفاءة المهنية والاخلاقية، الا ان صدقيته لا تتقرر في بيئة سياسية، بل في بيئة دينية طائفية. من هنا فهو دائما يخلط القضايا الواقعية بقضايا لا يمكن اختبارها وقياسها. إن جدارة المتنافسين المهنية والاخلاقية لا تقررها التجربة الا بعد فوات الاوان بل رضا المراجع الدينية. تلك المراجع لا تختبر رجالها مهنيا بل ربما لا يتسنى لها أن تختبر غير الفاظهم وجدارتهم التعبيرية، وفي النهاية تكتفي بانتماءاتهم السياسي للطائفة وحماسهم اللفظي. يهيج التنافس القضايا الاخلاقية والدينية للمتصارعين ولا ينتج عنه غير مباراة جديدة ذات طابع اخلاقي يقف خلفها المتبارون المتماثلون في الثقافة والتوجه، ما يجعل موضوع تطوير الخدمات والتنمية واصلاح البيئة السياسية موضوعا ثانويا. إن التنافس الانتخابي في بيئة تسقيطية سيتحول الى مباراة داخل الطوائف لتأكيد المثاليات والاخلاقيات ولاسيما بوجود سلطة فاسدة. الفائزون سيؤكدون فوزهم في عروض قوة اخلاقية متعالية تسعى الى رضا يأتيها من خارج الحقل الواقعي، وغير مبالين إذا ما تجاوزوا الدستور والقوانين والسلطة، فهم يعتقدون انهم يمثلون قيما دينية أعلى منها. لقد تقرر في هذا الوطيس خسارة المرشحين المدنيين واليساريين، فهم بلا حراسة وتفويض من مراجع دينية، معتمدين برامج خدمية ليس الا. وبالرغم من ذلك نجد أن الصوت الاخلاقي ظل قويا عندهم بسبب ارتفاع رصيد العامل الخلقي نظرا للفساد العام. إن الاستخدام اللفظي للمثاليات سيعاد انتاجه في بيئة اجتماعية تستيقظ وتنام على رصيد اخلاقي يتناقص، وأزمة سياسية لا تحل. الآن، وقد شاهدنا ما فعله محافظ بغداد الجديد، قد نترحم على محافظ بغداد السابق الذي اتم دورته الخدمية وبات – ربما – من متقاعدي "دولة القانون" الكثيري العدد الذين يستنزفون الدولة. لعله الان يسبح بحمده في دولة اللجوء السابقة التي لم يتعلم منها شيئا، أو يصيّف في لبنان، وقد يلقي محاضرة هناك عن تجربته (الرسالية) امام مستمعين منافقين. نحن دائما نترحم على الماضي. الفروق قليلة لكن محسوسة، فنحن دائما ننزل الى ثقب اسود حيث لا يلتمع ضو دعونا نسمي الاشياء بأسمائها: ما حدث في الكرادة هجمة من هجمات جماعات الامر بالمعروف على الطريقة الوهابية. إنه الوصف الذي يليق بها اكثر من غيره. ما الطريقة الوهابية؟ إنها الطريقة التي (يُقبض) فيها على المجتمع المدني من قبل القوى الدينية بموافقة السلطة السياسية وتسهيلاتها الضمنية. نحن في دولة دستورية كما نعرف لكن لا احد ينتظر من السلطة الدفاع عن الدستور لأنها غير قادرة على حفظ دماء الناس اصلا. إن اداء السلطة هو من التدني بحيث تسمح بظهور سلطات أخرى، وبسبب الضعف، والبيئة الطائفية التي تحيطها، تسمح هي نفسها بمن ينوب عنها. لقد استمعت الى تصريح رجل دين معروف كثيرا ما دافع عن الدستور راح يدافع عن حدث الكرادة وسمّى الجماعة التي قامت به باسمها الحقيقي (الامر بالمعروف والنهي عن المنكر). لقد وصف وظيفتها بالضبط وحياهم من اجلها. لا شك في أن واحدا مثله يدرك امكانية استخدام قوة ضاربة تحاسب الناس اخلاقيا خارج اطار الدولة والدستور في مهمات اخرى يكسر فيها عظام الناس وتقطع اعناقهم. ازاء ذلك لا ادري مدى جدية تصريحات السيد رئيس الوزراء استنكارا لهذا الحادث وأمره باعتقال منفذيه. أنا اشكك بالأمر لوجود سابقة مماثلة، فالسلطة كانت قد غضت النظر عن ذبح الأيزيدية التي كانت قد اجازتهم في بيع الخمور. لماذا لم تفعل شيئا؟ لأن هذا الطاس من هذا الحمّام. من كثر ضعفها ونفاقها يسّرت السلطة بنفسها أعمال التدخل بشؤونها وبشؤون المواطنين. السلطة التي لا تحمي دماء المواطنين هل تستطيع ان تحمي حرياتهم المدنية؟ والحال في بيئة سياسية - طائفية احتاجت السلطة الضعيفة التي تدعي الدستورية الى من يقوم بأعمالها المخالفة للقانون، والى من يعينها على ترويض المجتمع المدني في الف قضية وقضية قادمة. وإذا ما دققتم الامر في حوادث غامضة قديمة ستجدون ان السلطة اعطت وكالة للاخرين في قضايا لا تريد ان تكون مكشوفة فيها. وللاسف أن البعض بسبب ضعف الوعي السياسي والاخلاقي قَبِلَ أن يكون كماشة نار. أيا كان الامر فالخشية من أن يكون موقف السيد المالكي جزءا من تنافس سياسي وارد. وإذا كان كذلك فسيدفع هو لا غيره الثمن غاليا بسبب الروح اللامبدئية التي تصرفت به ادارته السياسية وعدم يقظتها في قضايا مجتمعية خطرة تستدعي الموضوعية والفهم والخبرة. إن ظواهر (وهابية) تنمو بالرغم من المواقف السلبية المعروفة من الوهابية السلفية. ما الفرق إذا كانت الوظيفة واحدة والهدف نفسه؟ وسواء في السعودية او العراق او سوريا او تونس او الجزائر او مصر، سنجد أن جماعات الامر بالمعروف واحدة، واختلافاتها ناتجة عن طبيعة البيئة السياسية والثقافية. التماثل مؤكد على نحو لا يقبل الشك، فالهدف دائما هو ليّ ارادة المجتمع المدني، وإعادة تنظيم المجتمع وفق نموذج استبدادي ديني، ينتهي بتصفية الحريات الفردية ولن ينتهي الا بالهيمنة الكاملة، وظهور حكم ثيوقراطي طالباني. يبدأ الامر بالخمور ثم ينتهي بقطع الرؤوس لأنها تفكر. يبدأ الامر بقتل العاهرات لينتهي بالنساء الفاضلات. يبدأ الامر بأماكن اللهو وينتهي بتحريم الفنون والاداب. يبدأ الامر بمقاهي مشبوهة تأخذ منها الشرطة وبلطجيتها الخاوات لينتهي الامر بمقاهي المثقفين واصحاب القلوب الرهيفة.. ثم تتكاثر الاهداف ويجري تصنيع الغزوات لاحتلال المجتمع وتحويله الى مقبرة. قبل قيام صولة الفرسان، سيطر على البصرة فرسان الفضيلة والاخلاق الذين كتبوا ما بينهم عهدا الا يتحاربوا، لكن عهدهم لم يتضمن عدم تهجير مواطنين مسيحيين وصابئة، ولم يتضمن عدم تفجير محلات الخمور وقتل اصحابها، كما لم يتضمن عدم سرقتها وبيعها في السوق السوداء، ولم يتضمن عدم قتل الاطباء والاداريين والمحاسبين الشرفاء. كل هذا حدث لكنهم مثلوا دور أن هذا ليس من اختصاصهم ولا يعنيهم. إذا ما راجعتم أخبار تلك الفترة المظلمة من تاريخ هذه المدينة المنكوبة ستجدون زيادة على ذلك ذبح عشرات النساء وتلطيخهن بالعار، وتهريب مئات الآلاف من براميل النفط الى خارج الحدود، مع عشرات الفتاوي المحلية التي حرمت وحللت لصالح جماعات بعينها. إن طريق الهيمنة تمر عبر اشاعة الخوف، وزرع مشاعر العار، وتحفيز غرائز القطيع. إن النظام المفضل لهم قائم على تحالف سياسي مع بورجوازية ريفية كانت قد تحالفت مع الدكتاتورية، وتجار العقارات والمضاربين بها، واولغارشيا تهريب الاموال والمضاربين بالدينار والدولار، وانتهازيي السوق والسياسة، وبعض رجال الدين، بحراسة الفقراء المسلوبي الارادة. هل هناك اقوى من نظام يجري لمصلحة أسوأ الاغنياء، يؤكل فيه مال الايتام والارامل، ويحرسه الفقراء ؟ إنه نظام مثالي يتوسخ فيه الفقراء مرتين، مرة بغبائهم ورعونتهم، ومرة لأنهم قبلوا أن يكونوا خدما للحرامية والفاسقين. إن الامثلة على مثل هذه الأنظمة موجودة في بلدان عربية ودول الجوار، وتتخذ اشكالا شتى. في السودان أقام عسكري جلف نظاما اسلاميا استبداديا طبقت فيه الحدود خلال سنتين زيادة عشرين ضعفا أكثر مما طبقها الاسلام في تاريخه السياسي والحضاري كله، وعلى يديه جرى ذبح الافارقة السود المسلمين، وانتهى الامر بانفصال الجنوب عنه. في سوريا لا يخشى النظام ضرب مدنه بالصواريخ، واقترفت القاعدة فيه والجماعات السلفية اعمالا دموية ضد السوريين باسم تطبيق الحدود. إن تبادل الادوار القذرة يشد الجميع الى الهاوية. وليس بعيدا عنا امثلة مصر التي منذ ارتفاع صوت الاسلام السياسي فيها ضربت الرقم القياسي في التحرش بالنساء واغتصابهن بطريقة منظمة من اجل اشاعة العار وإرجاع المرأة الى زمن الحريم. وهل تحتاجون الى ان تسألوا الايرانيين عن النفاق الديني المستشري وخسارة رجال الدين هيبتهم السابقة؟ إن افضل مكان لشرب الخمور هي طهران السرية! من يريد ان يحاور هؤلاء على قاعدة سياسية – اجتماعية علمية عليه ان يتوقع السؤال الغبي التالي : هل تقبل لـ (رضيعتك) ان تعمل في مقهى؟ إن قاعدة النقاش كلها تتغير في ميزان قوى تتحكم فيه المسدسات. لقد انتهى الامر. لا فائدة مما ستقوله والذي انا اقوله الان. هم يريدون أن ينزل كل شيء تحت الارض فكأنه لم يكن، كأنه اشاعة مغرضة من العلمانيين الملحدين. كلما نزلت (الجرائم الاخلاقية) تحت الارض حسن اسلام جماعة الامر بالمعروف. ليس مهما ما يحدث بعد ذلك في السراديب. فبفضل عماهم ومسدساتهم ينتصر النفاق والتدليس على حقائق الفقر والاهانة والجوع وانعدام الخدمات والغلاء.. وسينتهي كل شيء بتجريد رفيع المستوى تنكسر معه اجنحة الفقراء زيادة على ما هي مكسورة، فتكبر حالات الاضطرار، ويبحث الناس عن لقمة العيش في الخراء العام الذي يلف دنياهم، وفي الاجواء الموبوءة التي تغطيها خطب المنافقين. إذا ما وضعوا انفسهم موضع (حسبة) بالمعنى الديني، فاليحسبوا إذن الظواهر الاخلاقية المتولدة في مجتمع يسوده الظلم والفروق الطبقية المخجلة وتنهب فيه الدولة من قبل النظام السياسي. إن الاخلاق التجريدية التي تمرر السفالة وتدعمها تحارب آثارها ونتائجها ليس الا. وفيما يولغ الارهاب بدماء شعبنا الصابر المسكين، يفتح التجريديون المتأسلمون معارك مع مجتمعهم بطريقة تتصف بانعدام الخبرة والعلم والمعرفة ناهيكم عن مخالفة القوانين المرعية. في كل الاحوال نرى أن الاسلام الحقيقي الذي لا تزيفه السياسة يبدأ من روح العدالة والحكمة والموعظة الحسنة لا استخدام السيف. سهيل سامي نادر أديب وكاتب عراقي







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق