هل يفرط التونسيون في فرصة استعادة وطنهم الضائع؟





تاريخ النشر: 2014-10-26 08:25:52


كأن الانتخابات التشريعية التي ستجري الأحد الـ26 من اكتوبر/تشرين الأول 2014 ستفتح بابا عريضا نحو الجنة الموعودة في تونس، أو هكذا تروج للأمر الترويكا الحاكمة السابقة بقيادة حزب النهضة، في محاولة ماكرة للتعتيم على فشل سياسي تام ومسعى يائس لإرباك الرأي العام، وخلط المفاهيم لديه بخطاب مضاد يحاجج الخطاب المعارض الذي نجح إلى حدّ كبير في فضح عجزها وتصيد سقطاتها السياسية، وتهافت مزاعم النهضة عن فك الارتباط مع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين. والترويكا في النهاية، هي مجموعة أحزاب فشل أبرز المسؤولين فيها، الذين تقلدوا في مرحلة محددة مقاليد الحكم في تونس، في إثبات قدراتهم حتى على مجرّد إدارة بلدية صغيرة، من بلديات بلد تنهشه الأوساخ في كل ركن من أركانه، فما بالك بقيادة الدولة التونسية ذات التقاليد المؤسسية الراسخة. وطيلة نحو ثلاث سنوات، تبين على أرض الواقع أن "الأيادي المرتعشة" (التوصيف الذي أطلقته المعارضة التونسية على قادة حكومتي النهضة الأولى والثانية قبل إسقاطها من الحكم) لم تكن قادرة على تشييد معلم واحد حتى ولو كان من الورق المقوى، وذهبت الوعود الانتخابية "المجنونة" التي وصلت بموجبها للسلطة أدراج الرياح. بل وأكثر من ذلك، فإن حزب النهضة الذي كان الحاكم بأمره الفعلي لتونس، ـ باعتبار ان شريكيه في الحكم (حزبي المؤتمر والتكتل) لم يتعد دورهما شهادة الزور على مافعله "إخوان" تونس في بلد تسلموه منهكا في بعض مكامنه وبشكل قابل للإصلاح بسرعة لو توفرت إرادة مخلصة فتركوه شبهة "جثة هامدة"ـ، زاد من تعميق مأساة البلاد وزرع في جسدها كل أنواع الفيروسات القاتلة للدول من فتنة اجتماعية وتعميق لحالتي الفقر والتخلف. وهو سلوك لا يمكن تفسيره إلا بالرغبة الخفية في الانتقام من المكتسبات الحضارية (حداثة وتقدمية) لتونس، وهي المكتسبات التي لفظت "المشروع الاسلامي الرجعي" منذ الاستقلال والى اليوم، بفضل ما توفر لها من نخبة مستنيرة ومتعلمة في طليعتها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، أدركت مبكرا وبنباهة معالم الطريق إلى النهضة الحقيقية، في عصر من أبرز مميزاته أنه لا يحتمل منطق الشعوذة والدجل. صحيح أن الدولة التونسية الحديثة لم تنجح في تجاوز بعض الهنات والعراقيل ما أوقعها في مرحلة من الضعف، لكن ليس معنى ذلك أنها صارت لقمة سائغة لأفواه الإسلاميين البارعين في ممارسة التقية على الطريق الطويل نحو أسلمة الدولة والمجتمع. فقد ركز حزب النهضة و"عملاؤه" الصغار (وهو التوصيف الدقيق للعلاقة بين أحزاب الترويكا الحاكمة السابقة لأنها لم تكن علاقة تستجيب لمقاييس التحالف)، في حملاتهم الانتخابية على أنهم حققوا على الاقلّ 50 في المئة من استحقاقات الثورة (تركيز أسس دولة ديمقراطية تحترم الحريات الأساسية للتونسيين وكتابة دستور يقرّ بكل هذه المفاهيم السابقة)، وأن الشعب سينتدبهم مرة أخرى لاستكمال الـ50 بالمئة الباقية منها (التطور الاقتصادي والتنمية مع ما يستتبعهما من تشغيل وتقليل من الأرقام المذهلة للفقر)، وعلى أنهم بذلك لابد وأن يمنحوا فرصة إضافية ليبرهنوا للتونسيين على مقدرتهم الخارقة في صنع المعجزات. وبالعودة إلى هذه الفكرة، يمكن الوقوف بوضوح على كم الشرور المتخفية في المستويات العميقة لخطابات قادة النهضة وحلفائهم، وفي لغتهم "الثورية" المهذبة. ومقابل هذه الخطابات، يكمن خوف شديد من انتكاسة سياسية جديدة لقوى المجتمع المدني في تونس والأحزاب السياسية المعارضة المشتتة، وهي ترنو لتجاوز حقبة لا يكفي وصفها بالسوداء للتعبير عن حجم الرزية التي ابتلي بها شعب متعلم، تنقصه ملكة قراءة النوايا في مجتمع تقليدي، ومهتم بالدرجة الاولى بالبحث عن "خبزته". وإلا ما الذي يجعل النهضة تعاود محاولتها لشراء أصوات الناخبين عبر حملة تقطر خديعة وغشا واستبلاها للناس، إن على مستوى حديثها عن الإنجازات التي حققتها للتونسيين أو على مستوى الوعود الجديدة التي قدمتها "سرا للمواطنين" وراء الابواب المغلقة، وداخل منازلهم، لو لم تكن تعرف ان التونسيين نساؤون بالطبع، وآنيون جدا في تفاعلهم مع الأحداث، وغير مسيسين بشكل جيد، وشديدو الحساسية للكلام الجميل الذي يعزف على الأحلام الفردية الدفينة للناس، ويكفي بالتالي أن "تشبعهم" وعودا بتحويل تونس إلى جنة حتى تضمن أصواتهم يوم الاقتراع. ففي تونس التي لم يتوفر لها بعد "حلم جميل مشترك لعامة الشعب" يرنو إلى الرقي والتقدم والإنجاز والمساهمة في تطور الحضارة الإنسانية، في مجالات العلم والمعرفة والتنمية البشرية والاقتصادية والثقافية، قد يكون الإسلاميون وجدوا نوعا من السهولة في أن يستفردوا بالمواطنين وبأمانيهم البسيطة لاستدراجهم الى الشراك مرة أخرى. ومن المؤكد أن قرار حركة النهضة القيام بحملتها وفقا لشعار "بورتا بورتا" (الباب الباب في اللغة الإيطالية) والذي جاب مرشحوها بموجبه كلّ الربوع التونسية، ودخلوا به ـ على حد تعبيرهم ـ إلى كل المنازل من الشمال الى الجنوب، كان عزفا شديد الخطورة على وتر الطيبة المتأصلة في هؤلاء المواطنين، والتي تصل الى حد السذاجة احيانا، إذ من المتعارف عليه أن "التونسي يكفيه أن تزوره وتسأل عن أحواله، حتى لا يهمه اي شيء آخر بعد ذلك". لكن هل حقا ستنجح النهضة التي تروج إلى أن التونسيين استقبلوها في بيوتهم أحسن استقبال، في تكرار التجربة والعودة الى الحكم؟ هل سيخطئ التونسيون بعد كل ما رأوه من ويلات، ومن صعوبات على كل الأصعدة الأمنية والاقتصادية (الاغتيالات السياسية والإرهاب واقتراب الدولة من حالة الإفلاس)، فيعيد كثير من المغرر بهم دعائيا وبالأموال الطائلة، انتخاب حزب لا مستقبل له إن لم يكن في تونس ففي العلاقة مع محيطه الإقليمي ومع العالم؟ مما لاشك فيه ان التونسيين إذا ما خاطروا في نسبة كثيرة منهم بإعادة التصويت للنهضة فإنهم يخاطرون في الاساس بإبقاء البلاد في حالة حصار غير معلن، وبإطالة أمد ازمتهم، مع عدم استعداد كثير من القوى السياسية التونسية للقبول بنتائج الانتخابات التي قد تعيد الاسلاميين مجددا للسلطة، واستعدادها للتعبير عن هذا الرفض ولو في شكل تمرد سلمي ستتحدد تمظهراته لاحقا، مما يعني استمرار حالة الركود الاقتصادي وارتفاع حدة المخاطر الامنية. وإذا "وقعت الفأس في الرأس" مرة ثانية وعادت النهضة للسلطة، فلن يكون على النخب السياسية والثقافية التي فشلت في تفكيك خطاب اسلاموي وتعريته وكشف تهاوي منطقه الداخلي، ومن ثمة كشف زيفه وبطلانه وخطورته على مستقبل أجيال قادمة، إلا أن تلوم نفسها لأنها قبلت أن تخوض شروط الصراع الفكري والسياسي مع خصم يجيد التحرك في بيئة آسنة "لا يقلقها كثيرا انعدام القيم وخيانة المثل والمبادئ أو تحريفها أو حتى توسلها مرحليا لغرض انتخابي". ويكفي أن يبدي أحد الأحزاب التي تنسب نفسها للدين الاسلامي، القليل من مظاهر الورع والتقوى مع فائض من "الفعل الخيري" بفضل الاموال الخليجية الوافدة خاصة من قطر، حتى يكون قد وفر لنفسه حظا هائلا بين الناس الذين يصعب عليهم نفسيا "نكران الجميل". فهل سينسى التونسيون حقا ما جره عليهم وصول هذا الحزب الإخواني إلى السلطة، على بلدهم من عزلة دولية حقيقية في المحيط العربي والدولي كان من أخطر نتائجها انحسار الاستثمار الاقتصادي العربي والغربي، إضافة إلى فرار مئات الشركات بحثا عن ملاذ آمن؟ وهل سينسون الاغتيالات السياسية والاعتداءات المتكررة على المثقفين؟ هل سيسمحون مرة أخرى بعودة زمن الإكراهات والحجر على حرية الرأي والتعبير؟ هل حقا أن التونسيين "سيستمتعون" مرة أخرى بتعذيب ذواتهم، وبالانصياع لحزب سامهم العذابات في سنوات قليلة من حكمهم. هل سيفقدون ذاكرتهم بمثل هذه السرعة؟ وهل سينسون أن تونس التي كانت قاطرة "ربيع" عربي يجمع العديدون على أنه مصطنع، افتقدت طيلة السنوات الثلاث الماضية للمعنى الحقيقي للربيع، بعد ان غربت شمسها وصار طقسها مستقرّا عند فصل خريفي شاحب تبدو في آفاقه نذر شؤم كثيرة؟ لا يمكن الجزم بإجابة واضحة عن اي من هذه الاسئلة وغيرها. فالتجربة بينت أن الظروف الاجتماعية التي هيأت لنتائج انتخابات 2011 ما تزال ماثلة وتكاد تكون هي نفسها مع بعض التغييرات، أهمها ظهور حركة "نداء تونس" كحزب سياسي جديد يرجح أن يكون ندا قويا ومنافسا شرسا للنهضة و"عملائها"، إذ يكفيه الفوز بأي نتيجة حتى ولو بفارق مقعد واحد، ليكون قادرا على تغيير اللعبة السياسية من اساسها، هذا إذا قرر أن يحكم ضميره عند الانتصار، ويعمل على تنفيذ وعوده باستعادة وجه تونس النظر الذي شوهته "سخرية القدر" في برهة زمنية قصيرة سرقت من تاريخ يمتد الى 3 آلاف سنة. بعد الـ26 من اكتوبر/تشرين الأول لن تكون تونس كما كانت قبله أيا كانت الوجهة التي ستأخذها اليها نتائج الانتخابات، إن إلى انتكاسة محتملة نحو مزيد من الأزمات بفوز النهضة، أو إلى التخلّص من الإسلام السياسي ومن تبعاته نهائيا. وبين الفرضيتين، ينمو أمل قوي في أن يهتدي التونسيون الى طريق ثالث لمستقبلهم، بعد أن جربوا العلمانية المستبدة، والثيوقراطية التي لا تقلّ عنها استبدادا، وتزيد عليها خطورة في العلاقة المتناقضة مع "النموذح التونسي" كمنهج للحياة وشكل للدولة. تونس ـ من حبيب بن علي







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق