نهاية المطاف .. صور الجوع والخراب في كتاب قديم .. بقلم : د . شاكر الحاج مخلف





تاريخ النشر: 0000-00-00 00:00:00


د . شاكر الحاج مخلف رئيس تحرير جريدة المدار الأدبي أحوال الناس ومصائرهم شغلت المفكرين والفلاسفة من العرب والمسلمين الذين كان حبهم للجماهير عظيماً وتنطوي صدورهم على نفوس كبيرة وكريمة ذات خصال إنسانية ، تتألم لآلام الناس وتعاني معهم من صنوف المآسي والعذاب والمحن والكوارث، كان المفكر أو الفيلسوف وكذلك رجل الدين يوظف فكره وينفق ما يملك من مال وقوة وصحة من أجل الناس ، ويرشدهم إلى الأسباب التي أوصلتهم إلى الأوضاع المزرية، ويكشف الخلل والخراب، يتقدم الصفوف من أجل الدفاع عن الحق ومقاومة الباطل ، يتلمس بالمواجهة الباسلة الطريق الصحيح للناس لكي يتجنبوا مواقع التردي ، "المقريزي" أحد المؤرخين والمفكرين البارزين في التاريخ العربي الإسلامي الوسيط ، ومن الذين أسهموا في إغناء البحوث الاجتماعية وتطويرها ، عاش في مصر المملوكية في فترة اتسمت بسيادة قوى الإقطاع وسادت فيها الاضطرابات السياسية ووشمتها الضائقة الاقتصادية وتعددت أسباب التغيير الاجتماعي ، تلك الحقبة الغابرة اختل فيها الأمن وكثرت الفتن وطغى الجهل وعم الفقر ، وتدهورت أحوال الصناع وأهل الحرف ، كما تقلصت الرقعة الزراعية إلى أضيق الحدود ، وانتشرت أيام المجاعة القاسية صارت أحوال الناس رهيبة ، تمزقت الكرامة وتقزم الإنسان وسط ذلك الوضع المهين ...... أمسك المقريزي بالقلم ، كانت يده واثقة وقوية ، وجاهر بشجاعة لا حدود لها ، وشرع في تدوين فصول كتاب الاعتراف والإدانة ، ذاك هو كتاب "إغاثة الأمة في كشف الغمة" ، تلك الفصول والأبواب التي دونها ذكر فيها حوادث مفزعة وقعت في فترات متلاحقة كان فيها الحاكم والجوع والغلاء والأوبئة هم الأبطال الحقيقيون لتلك المحنة القاسية ، دون الكاتب الشجاع في فصول كتابه صورا مؤلمة كثيرة من ذلك الذي وقع ، ولعل أشد تلك الصور إيذاءً ، هو ذاك الوصف الذي صور به المجاعة والوباء اللذان ضربا مصر عام 596 هجرية ، يقول المقريزي : "تكاثر مجيء الناس من القرى إلى القاهرة هرباً من الجوع ، وبسبب المجاعة أكل الناس أولادهم ، كما وجدت لحوم الأطفال تباع وتشترى بالأسواق والطرقات ، بينما سلاطين الدولة الأيوبية يعيشون أيام الترف واللهو "... تلك وثيقة تقترب كثيرا من تفاصيل الذي حدث في العراق أيام الحصار الغاشم ، حيث ذكرت التقارير الدولية آنذاك حوادث بيع الأطفال في السوق السوداء ، وتكرر ذلك على خلفية الفقر المدقع في الصومال والسودان وحتى في لبنان ، ويذكر الكاتب عن الخليفة العباسي "المستنصر" كيف كان يشتري في كل سنة بمائة ألف دينار غلة من الحنطة والشعير يتاجر فيها بعد حين ويبيعها بالسعر الذي يريد غير مهتم بمصائر الناس ، كما أشار في كتابه إلى أن السلاطين والأمراء والقادة في فترات حكم الإخشيد والفاطميين والأيوبيين والمماليك كانوا يحتكرون قوت الشعب ويشتدون في استثمار الفلاحين والعمال دون رحمة ويسرقون بوقاحة متناهية ، والتشابه مع الوضع الحالي واضح وقريب ..... وفي وثيقة أخرى " للمقريزي " خلال فترة حكم المستنصر بالله وقعت كارثة كبيرة سميت بالشدة العظمى أو الغلاء الكبير ، وهي مجاعة رهيبة دامت سبع سنين ، اشتد فيها الغلاء حتى بلغ سعر الرغيف في مدينة الفسطاط خمسة عشر دينارا ، وبيعت البيضة الواحدة بعشرة دراهم ، وصحبها وباء الطاعون ، حيث فني ثلث أهل مصر ، ولم يكن بتقدير المقريزي وهو يبحث في جوهر القضية ، إلا أن يقول : "إن ارتفاع الأسعار هو السبب الرئيسي ، بل السبب هو كثرة النقد المتداول ورواج النقود النحاسية ، حيث نزل بهم سوء التدبير" وهنا يسجل للكاتب المقريزي أنه أول كاتب إسلامي انتبه إلى أثر النقد المتداول في الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، يقول في كتابه المهم : "أخذت دور ضرب العملة بالإكثار من الفلوس وأصبح كل درهم يساوي 24 فلساً ، وفي عهد السلطان "كتبغا" ووزيره "فخر الدين الخليلي" كثرت المظالم وجارت حاشية السلطان ومماليكه ، وتوالى ضرب الفلوس حتى انهارت قيمتها وصارت توزن بالميزان ، وأصبح رطلها وزنا يساوي درهما ، وفي أيام الظاهر برقوق تولى محمد بن علي القصر السلطاني المملوكي ، فقد عمد إلى جباية الفوائد وتحصيل الأموال ، واتخذ الإسكندرية دار ضرب لعمل الفلوس............ المقريزي بعد أن دون تلك الأحداث ، يرى أن الآفات الطبيعية لم تكن وحدها سبباً للمجاعات والكوارث التي حلت بالناس ، بل هناك فساد الإدارة والتلاعب بقوت الناس ، كما يعتقد أن وباء الطاعون أقل ضرراً من وجود حاكم لا يعرف كيف يسير أمور ولايته ، فيكون بذلك أشد وطأة من الطاعون ، ويذكر المقريزي حادثة الغلام الشجاع الذي وقف أمام الخليفة الأموي "عبد الملك بن مروان" وقال له: "لقد رمانا الله باثنين: أنت والطاعون "............ كتاب المقريزي "إغاثة الأمة في كشف الغمة" كتاب قديم جديد في معناه ودلالاته ، دون أحداث التاريخ بأمانة وصدق عجزت عنه الكثير من الكتب الأخرى ، وقدم لنا وثيقة دقيقة وذات مفهوم واضح عن أسباب الخلل الذي تتعرض له الأمم والشعوب ، وصور لنا حياة الأمراء والقادة ومجونهم ، لم يكن يخطر في ذهن المقريزي وهو يكتب أي هاجس للخوف أو التردد، منع كتابه من التداول ، وقرر العديد من الحكام إحراقه بحجة أنه يثير الناس ويدفعهم للثورة والعصيان ......... يا " مقريزي " أنا كاتب من هذا الزمان الذي شارف فيه العام 2014 الميلادي ، دخول ذمة التاريخ ، استلمت رسالتك وأثبت لك الآتي : الحال لم يتغير كثيرا ، الفقر في ازدياد والجوع ينهش المهج ويخترق الأعراض ، وكما تعلم هو الابن الشرعي للفقر ، ولم ينفذ فينّا القول الشريف " لو كان الفقر رجلا لقتلته " تقطعت بنّا السبل ، وظهر في " أرض السواد " جيش من المردة والشياطين عمل السيف في رقاب الفقراء كما نشر خيمة الحزن والفجيعة ، في البلاد التي يقال أنها " سوراقيا " تتعاظم المحنة ، زاد العسس وانتشرت الرشوة والظلم والموت كالنار في الهشيم وذاك الغول الذي رسمته في كتابك وحذرتنا منه يتحرك كما يريد ........! د. شاكر الحاج مخلف







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق