حزام بغداد.. الجغرافيا تلوذ بالطائفة





تاريخ النشر: 2013-08-31 10:10:18


عدنان أبو زيد/المونيتور: عرب جبور المختلطة طائفياً جنوب بغداد، جزءٌ من منطقة جغرافيّة تحتضن العاصمة العراقيّة يطلق عليها اسم "حزام بغداد"، حيث الطرقات غير معبّدة تتعرّج كالثعابين وسط المزارع والبساتين. تحيط بالعاصمة العراقيّة بغداد منطقة جغرافيّة طرقاتها غير معبّدة تتعرّج كالثعابين وسط المزارع والبساتين. وتُستغَلّ هذه المنطقة كقواعد للمشاريع الطائفيّة وكملاذ آمن للجماعات المسلّحة التي تشّن هجمات على بغداد. هنا في هذا المكان، يرمّم الحاج نصر الكعبي بيته المتضرّر جرّاء المواجهات المسلحة بين جماعات القاعدة والقوّات الأمنيّة. لكن ترميم البيت ليس أمراً سهلاً قبل ترميم "النفوس"، على حدّ قول الكعبي هذا المزارع الشيعي الذي يعيش في منطقة ريفيّة مختلطة طائفياً. تعيش المنطقة منذ نحو عامَين استقراراً أمنياً، إلا أنّ ذلك ليس سوى نتاج الحملات الأمنيّة المكثّفة التي عرفتها المنطقة التي تشهد بين الفينة والأخرى مواجهات طائفيّة مسلّحة. لكن زيارة المنطقة في الوقت الحاضر تكشف عن عسكرة للحياة فيها، إذ تنتشر المفارز الأمنيّة ونقاط التفتيش التي لا تفصل ما بين الواحدة والأخرى إلا مسافة ألف متر، وذلك ابتداءً من الطريق الدولي باتجاه العاصمة بغداد حيث تنتهي حدود المكان الجغرافيّة عند نقطة تفتيش كبرى شرق منطقة الدورة. صفاء العمري مواطن يعيش في هذه المنطقة منذ ولادته. بالنسبة إليه تمثّل عرب جبور عمق منطقة الدورة بشقّها السنّي، حيث دارت أشرس المواجهات الطائفيّة ما بين العام 2005 والعام 2007. وتستمدّ المنطقة اليوم أهميّتها باعتبارها جزءاً من "حزام بغداد" الذي يشهد عمليّات أمنيّة مستمرّة في إطار حملة أطلق عليها "ثأر الشهداء" تقوم بها قيادة عمليات بغداد منذ نهاية شهر تموز/يوليو الماضي، على خلفيّة الهجمات التي نفذّتها جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة على سجنَي التاجي وأبو غريب في 21 تموز/يوليو الماضي وهروب أكثر من 500 سجين ومقتل وإصابة عشرات من عناصر القوى الأمنيّة. ويشير الشيخ ضياء محمد الكلابي في حديث إلى "المونيتور" إلى أنه "تمّ هذا الأسبوع تهجير عشيرة البوشري من مناطقها باتجاه محافظة بابل (100 كيلومتر جنوب بغداد) بعدما هُدّد أفرادها بالقتل وأدّت العبوات الناسفة التي استهدفت المزارع إلى خسارتهم عدد من الأغنام والمواشي". وهذا الحزام الجغرافي الذي يحيط بالعاصمة بغداد، يشتمل في أغلبه على مناطق ريفيّة وأغلب سكانه من العشائر المختلطة طائفياً. وهو يمتدّ من جنوب بغداد حيث مناطق المحموديّة واليوسفيّة وعرب جبور إلى مناطق الغرب حيث أطراف أبو غريب وإلى شمال شرق بغداد حيث أرياف منطقة المدائن. وتقع ضمن منطقة "الحزام" إلى الشمال، أطراف مدينة ديالى (57 كيلومتراً شمال بغداد) والوجيهيّة والراشديّة. وفي جزء من حزام بغداد جنوب العاصمة بمحاذاة منطقة عرب جبور، يتعايش خليط طائفي بسلام منذ عشرات السنين، منهم آل عامر من السنّة وآل جعاري من الشيعة وخليط آخر من آل الشبلي والكلابيّين وعشائر أخرى أقل عدداً. وقد أدّت الأحداث الطائفيّة إلى انقسام حاد في وجهات النظر في ما بين المكوّنات. فبينما اتّهمت بعض الأفخاذ والعشائر بأنها تضمّ بين صفوفها حواضن إرهابيّة مثل عرب جبور والعبيد والغرير والجنابيين من السنّة، فإن الكلابيين كانوا مع الطرف الآخر بعدما انتظموا في مجالس إسناد تتعاون مع الجيش والقوات الأمنيّة. ويقول رئيس مجلس إسناد المحموديّة (15 كيلومتراً جنوب بغداد) سعدون المحسن لـ"المونيتور"، "نتسلّح ليس ضدّ إخواننا السنّة بل ضدّ الجماعات التكفيريّة التي تجبرهم على التعاون معها". يضيف "في هذا الوقت بالذات، أُجبِرت عوائل شيعيّة في قرى العشرة والخضير والجلعة على الهجرة، ما اضطرّنا إلى الردّ واستدعاء القوات الأمنيّة ضمن قاطع الفوج الثاني الللواء 25". من جهته يقول الشيخ ضياء محمد العلوان من المحموديّة لـ"المونيتور" إن "عشيرة الكلابيّين صدّت عند الساعة العاشرة مساءً، اعتداءً بعد اشتباك عنيف وتبادل لإطلاق النار بأسلحة خفيفة ومتوسّطة". إلى ذلك، يوضح الضابط سعد الحديثي في الفرقة 17 الفوج 23 والفوج 25 التي تتولى حماية حزام بغداد في جزئه الجنوبي في حديث إلى "المونيتور"، أن "هذه المناطق بغالبيّتها شهدت منذ سبعينيات القرن الماضي تغيّرات ديموغرافيّة، حين عمل نظام الرئيس العراقي السابق صدّام حسين على خطّة منهجيّة عبر التخطيط بهدوء وسريّة لإسكان عراقيّين من طائفة معيّنة في حزام بغداد أو على أطرافه". يضيف "لم يعمل النظام السابق على التهجير القسري، بقدر عمله على إقامة مشاريع التصنيع العسكري والمعامل المدنيّة والمؤسّسات الأمنيّة والعسكريّة والاقتصاديّة الكبيرة التي تعتمد على كوادر من طوائف معيّنة. لكن الأمر انتهى بظاهرة طرد السكان من الطوائف الأخرى من حزام بغداد". وفي مناطق جنوب بغداد حيث انتشرت معامل التصنيع العسكري الضخمة والمؤسّسات الأمنيّة الحسّاسة، تغيّرت ديموغرافية هذه المناطق باتجاه بابل، ما خلق إشكالات طائفيّة ومذهبيّة تبلورت بصورة خاصة بعد العام 2003. وفي كلّ حملة أمنيّة جديدة، تنال مناطق حزام بغداد حصّة الأسد من الإجراءات المتّخذة. ويشير عبد القادر الجبوري الذي يسكن في قرى شمال مدينة اللطيفيّة، إلى أن "مداهمات البيوت والمزارع لم تنته، وهي تتجدّد مع كلّ اضطراب أمني". ويخبر الجبوري أنه وقبل نحو خمس سنوات، "كانت الجماعات المرتبطة بالقاعدة هي صاحبة المبادرة على هذه الأرض، وقد قتلت عدداً كبيراً من السكان على الهويّة". يضيف أن "عشرات العراقيّين ماتوا في أحراش هذه المنطقة المختلطة طائفياً". ولهذه الأسباب يُنظر إلى أي عمليّة عسكريّة في "الحزام" باعتبارها استهدافاً لطائفة معيّنة. فقد هاجم خطيب الجمعة في ديالى الحكومة واتهمها "بالسعي إلى إفراغ حزام بغداد من سكانه". ويذهب الأمر إلى أبعد من ذلك، إذ يعتبر النائب ظافر العاني أحد قياديّي ائتلاف "متّحدون" أن العمليات الأمنيّة في حزام بغداد هي "إبادة جماعيّة". وتجدر الإشارة إلى أن منطقة "حزام بغداد" لم تكن في أي يوم من الأيام لغزاً طائفياً مذهبياًعلى الرغم مما حدث، إذ تعايش الجميع بسلام فيها على الرغم من ضغوط دكتاتوريّة النظام السابق وانتقائيّته الطائفيّة والقوميّة التي كانت مستترة، وكذلك على الرغم من أتون الفتنة الطائفيّة التي اكتوت المنطقة بنارها بعد العام 2003. لكن هذا العالم الفسيفسائي المتجانس طيلة عقود ولو ظاهراً، يستعدّ اليوم لأسلوب جديد في الحياة والمطامح والقيم. اقرا ايضا: http://www.al-monitor.com/pulse/ar/contents/articles/opinion/2013/08/baghdad-belt-sectarian-conflict.html#ixzz2dRDw3Pmv عدنان أبو زيد/المونيتور:







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق