الإخوان المسلمون وإيران.. الحركات السرية





تاريخ النشر: 2017-05-12 09:16:01


  خلاصة بحث عباس المرشد 'التيارات العابرة للوطنية.. الإخوان المسلمون وإيران'، ضمن الكتاب 124 (مايو/أيار2017) 'إيران والإخوان الشيعة القطبيون' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي. 
 

يرجع الكثيرون علاقة الإخوان المسلمين بإيران إلى بداية خمسينيات القرن الماضي، وتحديدا من خلال زيارة مؤسس "فدائيان إسلام" نواب صفوي لمصر في 1954 ولقائه بزعماء الإخوان المسلمين، ومن ثم دعوته للإيرانيين بالانخراط في تنظيم الإخوان المسلمين. إذ ينسب لصفوي نفسه أنه قال في حفل خطابي بدمشق (1954)، بوجود مراقب «الإخوان» السُّوريين مصطفى السُّباعي: «مَن أراد أن يكون جعفرياً حقيقياً فلينضم إلى صفوف الإخوان المسلمين». وقتها كان مشروع إعادة الدولة الإسلامية وإحيائها في بداية تأسيسه، بل إن المشروع الإسلامي كان لا يزال في أحضان الدعاة وليدا، تعوزه الأدبيات وتقف عنده الرجال والمؤسسات الداعمة لنهوضه. وإذا ما كانت هناك عوامل دعت لعقد ذاك اللقاء والتصريح بعبارات فوق المجاملة، فإنها ستكون متصلة تماما بعامل الاستشارة الفكرية لمشروع الدولة الإسلامية، وتحقيقها من خلال التنظيمات السرية التي سيكون بمقدورها إسقاط الأنظمة، أو فرض المشروع الإسلامي عليها لتقبله، ولو كانت كارهة له. كان نواب صفوي يعتقد بمحو كل أثر ملكي، والإطاحة بالحكومة الملكية لإقامة حكومة إسلامية مكانها، فكان أوّل من كتب برنامجاً مفصّلاً ومتكاملاً عن الحكومة الإسلامية، وكان عمره –آنذاك- ستة وعشرين عاماً.

كانت فكرة "فدائيان إسلام" تتفق مع فكرة التنظيم السري للإخوان المسلمين، حيث وجود تنظيم سري شبيه بالتنظيمات العسكرية، توكل إليه مهمات الاغتيال وبعض المهمات الخطيرة. ففي 1953. كان أمر تنظيم نواب صفوي قد استقر، وانتشرت دعوته وعمت شهرته، وبدأ يدعو لمبادئه الإسلامية، وينشط في مختلف ميادين العمل، ويتصل بالدعوات خارج إيران ويعقد معها الصلات. وفي هذه السنة ( 1954) زار نواب صفوي البلاد العربية لحضور مؤتمر القدس في مدينة القدس، وزار سورياً كما زار مصر بدعوة من الإخوان المسلمين، وكانت الأمور قد تأزمت بين الإخوان وحكومة الثورة، وأوشك الانفجار بينهما أن يقع، وجاء يوم 12 يناير (كانون الثاني) 1954.

اعتبر راشد الغنوشي منظمة "فدائيان إسلام" امتداداً للإخوان المسلمين. وهذا ما يفسر كيف استُنفِرت جماعة الإخوان المسلمين لإنقاذ نواب صفوي من حكم الإعدام، وحضر كل من: كامل الشريف، والشيخ علي الطنطاوي لبغداد، إلى جانب خطة الإنقاذ بالاختطاف، ساعين لدى المراجع الشيعية، لما لها من تأثير بحكم المذهب على حكومة إيران، ولدى الحكومة العراقية، بما لها من علاقات ممتازة –آنذاك- مع المملكة الإيرانية، التي كانت تتهيأ للانضمام لـ«حلف بغداد» الذي ضمّ أيضاً العراق وتركيا.


حاجة التضامن

لقد أدركت كل من الحركة الإسلامية الشيعية في إيران، وجماعة الإخوان المسلمين، حاجتهما لبعضهما البعض، على الأقل، كحلفاء لتحقيق أهداف تكتيكية. وكان كلا الفصيلين مناهضين للأوضاع الراهنة، يسعيان إلى تحطيم توازن القوى الذي تم تأسيسه في الشرق الأوسط، في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وكان كلاهما يرغب في انتزاع السلطة من النخب الحاكمة التي تعتمد على المؤسسة العسكرية. والأهم من ذلك، هو أن كليهما كان حاسما في نبذ التحديث على الطريقة الغربية، على الأقل ما يتعلق منه بالرسائل السياسية والثقافية.

لذا أثمرت هذه العلاقة الطويلة نسبيا (ثلاثة عقود) نمطا خفيا من الارتباط، تمثل في إقدام رموز الحركة الإسلامية الشيعية في إيران على ترجمة ونشر آثار وأدبيات الإخوان المسلمين بالفارسية، حيث ترجم السيد علي الخامنئي كتابين لسيد قطب، ففي 1966 ترجم السيد علي خامنئي كتاب (الإسلام ومشكلات الحضارة) وكتاب سيد قطب (المستقبل لهذا الدين) للغة الفارسية، وكتب مقدمة للترجمة يصف فيها الكتاب بأنه "–على الرغم من صغر حجمه- خطوة رحبة فاعلة على هذا الطريق الرسالي. مؤلفه الكريم الكبير سعى بهذا الكتاب في فصوله المبوبة تبويبا ابتكاريا لأن يعطي أولا صورة حقيقية للدين، وبعد أن بيّن أنّ الدين منهج حياة، وأن طقوسه لا تكون مجدية إلاّ إذا كانت معبرة عن حقائقه، أثبت بأسلوب رائع ونظرة موضوعية أن العالم سيتجه نحو رسالتنا وأن المستقبل لهذا الدين"، وفي الواقع لم يقتصر التبادل المعرفي بين الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية الشيعية في إيران على هذا الحد، بل إن التشكيلات الحزبية العربية الشيعية التي نشأت بعد تلك العلاقة، تأثرت هي الأخرى بشكل أشد، حتى قيل إن تنظيم حزب الدعوة الإسلامية في العراق الذي تشكل في 1959، هو النسخة الشيعية من تنظيم الإخوان المسلمين من حيث الشكل التنظيمي، ومن حيث الأهداف والمرحلية في العمل الحركي. فكان عديد من مؤسسيه الأوائل وقياداته أعضاء في تنظيم الإخوان المسلمين.

قبل أن تنتهي هذه المرحلة في (1979-1981) حدثت تغييرات أقرب ما تكون للتغييرات البنيوية على التيارات والتنظيمات الإسلامية في إيران ومصر. فقد صدرت قرارات فرغت الأزهر من استقلاليته المالية والسياسية والاجتماعية، فتحول بفعل سياسات ضمان الولاء والعمل المشروط بالولاء إلى مؤسسة رسمية مقيدة بسياسات ورؤى النظام السياسي الحاكم، الذي ركز نفسه كضامن وحيد لوحدة المسلمين، وراعٍ منفرد لمصالحها. ومن جهة أخرى، تعرضت حركة الإخوان المسلمين لأشد محنها السياسية عام 1965، وإغلاق كل مراكزها واعتبارها جماعة مارقة، بعد الحكم بالإعدام على الكثير من قياداتها كسيد قطب وعبدالقادر عودة وغيرهما. كما شهدت الفترة (1954-1970) بروز مدرسة جديدة داخل حركة الإخوان المسلمين، هي مدرسة السيد قطب وما تفرع عنها من رؤى متغايرة مع مدرسة حسن البنا. وعلى الرغم من حالة الانفراج التي دشنها الرئيس "أنور السادات"، لكن هذا الانفراج كان انفراجا أمنيا فقط. وبقدر ما كانت تلك الإجراءات كارثية بالنسبة لحركة الإخوان المسلمين، إذ كان الغرض منها عزل الإخوان والقضاء على فكرهم ووجودهم.


تقريب مذهبي على أساس سياسي


لم تقف التحولات البنيوية عند الإخوان المسلمين فقط، فالحركة الإسلامية الشيعية في إيران بدأت في إجراء تغييرات على رؤيتها وسياساتها في وقت مبكر جدا، وربما قبل تحولات الإخوان. تأثر أقطاب الحركة الإسلامية الإيرانية بموروث الإخوان المسلمين الأول، واعتبروا تراث سيد قطب وحسن البنا وأبي الأعلى المودودي بمثابة مساحة إسلامية عامة تحتاج لبعض التشطيب المذهبي الخاص، بحكم اختلاف الرؤية المذهبية الشيعية عن نظيرتها الرؤية السنية. ومن خلال الترجمات المتعددة لذاك الموروث، أصبح بالإمكان البناء عليه لصالح ما سيطرحه الإمام الخميني من محاضرات حول الحكومة الإسلامية مطلع سبعينيات القرن الماضي في النجف. كما عملت الحركة الإسلامية الشيعية في إيران على تطوير التجربة التنظيمية لـ"فدائيان إسلام" وتحويلها من تنظيم عسكري سري إلى حزب سياسي سري تحت اسم الحزب الجمهوري الإسلامي (إيران) من قبل نخبة من رجال الدين من أمثال: السيد علي الخامنئي، ومحمد بهشتي، ومحمد جواد باهنر، وعلي أكبر هاشمي رفسنجاني، وموسوي أردبيلي، في مارس (آذار) من عام 1978.
إن انشغال كلا الحركتين بمواجهات أمنية يومية ومستمرة مع أنظمة الحكم في إيران ومصر، ما من شك أنه ساعد في غياب الأطر المدعمة للعلاقة التي تأسست في 1954، لكنها بالتأكيد لم تقو على قطعها. حيث كانت الاستفادة من المخزون العام لها (إعادة المجتمع والدولة الإسلامية) مستمرة وبشكل دائم. ونتيجة لهجرة الإخوان المسلمين لخارج مصر، وهجرة الإيرانيين أيضا لخارج إيران، كان المهجر الأوروبي (فرنسا، ألمانيا، أمريكا) هو المساحة التي تلتقي فيها كوادر كلا الحركتين على مستوى الأفراد المنتمين للتيارات الإسلامية الإيرانية والإخوانية. ففي أمريكا كان إبراهيم يزدي يتصل بجماعات وأفراد من الإخوان المسلمين من بينهم يوسف نداالذي كان صديقا مقربا له. وفي ألمانيا كان المركز الإسلامي الذي يديره حسين بهشتي بوابة الالتقاء مع الإخوان المسلمين. وعندما تم ترحيل "الإمام الخميني" من النجف لباريس زاره في مقر إقامته عديد من كوادر الإخوان هناك، من قبيل راشد الغنوشي ومبعوث لحسن الترابي وآخرين.


 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق