إخوان الخليج.. تحولات المشهد السياسي





تاريخ النشر: 2017-05-19 21:54:52


 خلاصة بحث سُكينة المشخص 'الإخوان وإيران القاسم المشترك في الخليج'، ضمن الكتاب 124 (مايو/أيار2017) 'إيران والإخوان الشيعة القطبيون' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي. 
 

اتسعت المظلة التنظيمية لجماعة الإخوان خارج مصر، لتجنّد عضوية في عدة دول من بينها دول الخليج، وذلك يؤسس لها اختراقاً فاعلاً في الوسط الاجتماعي، والعمل على السيطرة التالية على أنظمة الحكم فيها، وفقا لفقه الخلافة المستقر في أدبياتها وباطنها الحركي، دون اعتبار لسلامة مجتمعات هذه الدول وحمايتهم من ويلات الفتنة والطائفية والإرهاب.

استهدفت الجماعة السعودية في مرحلة مبكرة من انطلاق نشاطها التنظيمي، وكان ذلك منذ عهد الملك عبدالعزيز إذ استغلت الجماعة حفاوة الملك بالعلماء من الدول العربية والإسلامية، فبادروا إلى التوجه إلى السعودية، حيث التقى حسن البنا الملك عبدالعزيز عام 1936، ولم يتردد الضيف في استغلال الفرصة ليطلب إنشاء فرع لجماعة الإخوان المسلمين في السعودية، فكان جواب الملك عبدالعزيز ذكيا ودبلوماسيا حين رفض الطلب قائلا للبنا: "كلّنا إخوان مسلمون"، ولم يتمكن تنظيم الإخوان المسلمين من فتح فرع له في المملكة العربية السعودية. ورفضت كل الطلبات التي قدمت من قيادات الإخوان بهذا الشأن.

على الرغم من أن العلاقة استمرت بالقيادة السعودية وكانت حسنة نسبيا، فإن ذلك توقف مع غلبة مبدأ التحوّل والازدواج والمصالح الذاتية، فمع ثورة اليمن عام 1948 توترت العلاقة، إذ لم يتفق الإخوان مع توجهات الملك عبدالعزيز الذي أهالوا المديح عليه، والإعجاب بتجربته في الحكم وتوحيد بلاده، لينقلبوا عليه لأنه وقف ضد ثورة اليمن، ولم يترددوا في إعلان نياتهم الحقيقية حينما ادعوا أن "الإخوان يقيمون الدول ويسقطونها".

منذ ذلك الوقت أدركت القيادة السعودية خطر الجماعة وتقلبها بحسب ما تبطنه، وعلى الرغم من ذلك تعاملت مع الجماعة كأفراد بعيدا عن التنظيم، وأحسنت معاملتهم فاستقر كثير منهم في البلاد. ولأنها تجيد استغلال الفرص، فقد استغلت الجماعة الظروف السياسية لحرب اليمن في الستينيات الميلادية، وكان ذلك في فترة حكم الملك فيصل بن عبدالعزيز (ملك السعودية خلال الفترة بين 1964–1975)، إذ في تلك الفترة شهدت علاقة الملك فيصل والرئيس المصري جمال عبدالناصر توترا، استفادت منه الجماعة غير المتصالحة مع رئيس دولتها الذي حاولت اغتياله، فلبست ثوب المظلومية، مع مزيج من رغبة سياسية في الضغط بين قيادتي البلدين، مما جعلهم يغرسون الغرس الإخواني التنظيمي في الديار السعودية بصورة أكثر وضوحا من خلال عدد من الأتباع الذين تم تجنيدهم.

ذلك الفكر المتمدد يتوافق مع تعاليم وتوجيهات المرشد الأول حسن البنا الذي ذكر في رسائله: "الإخوان المسلمون لا يختصون بهذه الدعوة قطرا من الأقطار الإسلامية"، أي إنهم يخططون ويسعون للانتشار -بحسب مقتضيات التنظيم الدولي- سعيا وراء الخلافة، وذلك انتقل بهم إلى بقية دول الخليج، حيث بدأ ظهور جماعات الإسلام السياسي في الكويت مع بروز جماعة الإصلاح، التي أرست اللبنة الأولى لجماعة الإخوان في الكويت عام 1962، التي أصبحت تتخذ عدة مسميات لتمرر أجندتها وتتحوّل مع الأوضاع السياسية، وبعد الحرب الخليجية الثانية، انتهز الإخوان فرصة القبول السياسي الذي حظوا به، والتقارب بينهم وبين النظام الحاكم في الكويت، ليقوموا بتأسيس "الحركة الدستورية الإسلامية (حدس)" التي مثّلت الجناح السياسي للإخوان المسلمين في الكويت.

في الإمارات كان ظهورهم في أوائل السبعينيات الميلادية للقرن الماضي، وحاول أتباعهم الجدد إنشاء مؤسسة تمثلهم في الإمارات، كما في وضع جمعية الإصلاح الكويتية، وأصابوا هدفهم في دبي ورأس الخيمة والفجيرة، غير أنهم أخفقوا في أبوظبي، والشارقة. واستهدفوا مؤسسات التعليم، مع تغلغل إعلامي نشط متزامن مع اختراق المؤسسات التعليمية، ومع الوقت وبدء تمددها وبيان خطرها على استقرار الدولة، التقى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان (ولي عهد أبو ظبي) في نوفمبر (تشرين الثاني) 2003 بقيادات الإخوان، بهدف إعادة إدماج الجماعة في المجتمع، بحلّها وممارسة أنشطتها في إطار اجتماعي يسهم في البناء دون أهداف مستترة، إلا أنها اغترت بنفسها، لتعود إلى ولي عهد أبوظبي ببيان ترى فيه أنها ذات شعبية، وتملك قدرة التأثير داخليا وخارجيا بما يجعل حل الجماعة غير وارد، لتنهي بهذا الغرور التنظيمي وجودها في الإمارات من حيث رأت أنها فوق الدولة.

كان الحال في البحرين أيسر في إيجاد موطئ قدم، وذلك منذ لقاء عبدالرحمن الجودر بحسن البنا، ولأن المجتمع البحريني كان ميالا للناصرية والقومية فقد تباطأ نمو الفكر الإخواني، غير أنه استعاد حضوره في الوسط البحريني مستفيدا من تراجع التيارات اليسارية والقومية، وانتصار الثورة الخمينية الإيرانية، والغزو السوفيتي لأفغانستان 1979، إلى جانب ثراء القيادات الأولى من الإخوان في البحرين مما أسهم في عمليات الاستقطاب والتجنيد، وبقي الحال متناميا أو عند مستوى متقدم عن بعض دول الخليج الأخرى، إلى أن تم تأسيس المنبر الوطني الإسلامي في 2001، ممثلا للجماعة في العملية السياسية بالبلاد.

وفي سلطنة عمان وجدت الجماعة انفتاحاً، حيث استطاعت استقطاب منتمين للمذهب الإباضي والمذاهب السنية الأربعة، إضافة إلى آخرين من تيار حركة الإمامة، وبذلك استطاعت الجماعة تغطية دول الخليج بحثا عن وسائل للسيطرة على المجتمع وأجهزته، مما يؤهلها لاختراق السلطة السياسية، غير أنه كعادة الجماعة، من منظورها الباطني، لم يكن لها أن تنجح في اختبارات الوطنية والثقة في طروحاتها الدينية والقومية، فكان أن سقطت في أكثر من اختبار وتحد واجه دول وشعوب المنطقة، لتظهر هذه الجماعة تقلبات وتحولات وتذبذباً كثيفاً في المواقف يؤكد عدم معقولية تأسيسها وسوء تقديراتها السياسية والدينية، وقد أعلنت الحكومة العُمانية عام 1994 اعتقال مجموعة من المعارضين، من ذوي التوجه الإسلامي المتشدد، وقد أشار حينها أحد المسؤولين إلى أن أعضاء التنظيم السري المحظور، تأثروا بمنظمة عالمية لها فروع في دول عربية، وأن هذه المنظمة لها وجود في دول خليجية. وقد فُهم من تصريحاته –آنذاك- أن المقصود من قوله: بـ"المنظمة العالمية" هو جماعة الإخوان المسلمين.

أثبت الإخوان على مر تاريخ علاقاتهم بدول الخليج، أنهم غير جديرين بالثقة ولا يتمتعون بالغطاء الذي يجعلهم شركاء أو حلفاء، سواء داخل الوطن الواحد أو في الإطار الإسلامي، لأن فكرتهم عن الخلافة تجعلهم ينحازون إلى طروحات إقصائية متطرفة، وهم في هذا الإطار كشفوا عن أنفسهم في كثير من الوقائع والأحداث، فبعد حرب الخليج الثانية عام 1990 كانت لهم مواقفهم الغادرة بالسعودية ودول الخليج في وقت ساعدتهم فيه، وأحسنت إليهم، وسبق أن قال الأمير نايف بن عبدالعزيز، في لقاء له مع صحيفة "السياسة" الكويتية: "أقولها من دون تردد: إن مشكلاتنا وإفرازاتنا كلها، وسمها كما شئت، جاءت من الإخوان المسلمين. وأقول بحكم مسؤوليتي: إن الإخوان المسلمين لما اشتدت عليهم الأمور وعلقت لهم المشانق في دولهم لجؤوا إلى المملكة، وتحملتهم وصانتهم وحفظت حياتهم بعد الله، وحفظت كرامتهم ومحارمهم وجعلتهم آمنين. إخواننا في الدول العربية الأخرى قبلوا بالوضع، وقالوا: إنه لا يجب أن يتحركوا من المملكة. استضفناهم وهذا واجب وحسنة. بعد بقائهم لسنوات بين ظهرانينا وجدنا أنهم يطلبون العمل فأوجدنا لهم السبل. ففيهم مدرسون وعمداء فتحنا أمامهم أبواب المدارس، وفتحنا لهم الجامعات، ولكن للأسف لم ينسوا ارتباطاتهم السابقة، فأخذوا يجندون الناس وينشئون التيارات، وأصبحوا ضد المملكة والله يقول: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)".

لما لم يكن من بد لكبح اختراق الجماعة لأمن المجتمعات والأوطان، اتخذت عدد من دول الخليج قرارات حاسمة بالتعامل مع الجماعة كمنظمة إرهابية لا تقل خطرا عن الجماعات الإرهابية، حيث اعتمدت السعودية، في 7 مارس (آذار) 2014، قائمة للجماعات الإرهابية، تضم "داعش" والنصرة والإخوان وحزب الله السعودي والحوثيين، وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وتنظيم القاعدة في اليمن، وتنظيم القاعدة في العراق.

وقالت وزارة الداخلية في بيان لها: إن تلك القائمة وضعت بعد تشكيل لجنة من وزارة الداخلية، ووزارة الخارجية، ووزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ووزارة العدل، وديوان المظالم، وهيئة التحقيق والادعاء العام، تكون مهمتها إعداد قائمة -تحدث دوريا- بالتيارات والجماعات، وتضمن تجريم المشاركة في أعمال قتالية خارج المملكة، أو الانتماء للتيارات أو الجماعات -وما في حكمها- سواء كانت دينية أو فكرية متطرفة أو المصنفة كمنظمات إرهابية داخليا أو إقليمياً أو دوليا، أو تأييدها أو تبني فكرها أو منهجها بأي صورة كانت.
 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق