مفاهيم الإسلام الثوري: الإخوان وولاية الفقيه





تاريخ النشر: 2017-06-13 09:59:24


خلاصة بحث أحمد الإسماعيلي 'صناعة الإسلام الثوري.. طبيعة الخطاب والتشمل لدى الإخوان المسلمين وولاية الفقيه''، ضمن الكتاب 124 (مايو/أيار2017) 'إيران والإخوان الشيعة القطبيون' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي. 
 

لقد راج مفهوم الحاكمية -بشكل كبير- في كتابات الإسلام السياسي الإخواني، خاصة مؤلفات سيد قطب كـ" معالم في الطريق"، و"المستقبل لهذا الدين"، الذي "لا يختلف في بعده الأيديولوجي عن كتاب المودودي الحكومة الإسلامية في تأسيسهما لمقولات ثلاث؛ الحاكمية والجاهلية وتحقيق ذلك عن طريق الجهاد". لقد قامت هذه المقولات الثلاث بتوظيف النص المقدس في الحقل السياسي كطرح أيديولوجي؛ بل قامت بإسقاط السياق السياسي في النص، وجعلت النص يتحرك في فضاءات الأحداث السياسية، كما قامت باستدعاء المقولات اللاهوتية والمعاني التأريخية لتفسير مفهوم الحاكمية، ومن ثم توظيفه في واقع مختلف تماما من حيث الإشكال الحضاري الذي تعاني منه الأمة الإسلامية.

إن هذا الجهاز المفاهيمي يقوم على أطروحة الإيمان بأن كل ما يخالف التصور الإسلامي (الإسلام الحركي/ دار الإيمان) ليس له مشروعية صحيحة من الدين الخالص ولو كانوا مسلمين (الآخر/ دار الكفر)، فالحاكمية لله وحده، و"الآخر" يعيش موازين الجاهلية الأولى (جاهلية ما قبل الإسلام)، الذي يجب أن يدافع بالجهاد في سبيل الله، كما فعل رسول الله، "لتعلو كلمة الله في الأرض". وعلى هذا النهج، تأسس الإسلام الثوري مفرزا حركات جهادية وأحزابا إسلاموية نضالية. ومثل هذه المفاهيم وجدت بصورة كبيرة أيضا في نصوص إسلام ولاية الفقيه، وهي نصوص للإمام الخميني حرص على تضمينها مثل هذه المفاهيم الثورية، بل يمكننا القول بأن مصطلح ولاية الفقيه ذاته يتقارب في دلالاته الثورية والشرعية أيضا مع مصطلح الحاكمية، إذ إن الحكم والأمر لله، والفقهاء وحدهم فقط من لهم الولاية المطلقة (السلطة السياسية) للحكم باسم الله؛ لأنهم أكثر الناس إدراكا لحكم الله.

قدرة الإسلام الثوري

يمكننا القول: إن الإسلام الثوري يعتبر من أكثر الأيديولوجيات، في العقلين العربي والإسلامي، قدرة على توظيف النص المقدس في صناعة شبكة كبيرة من المقابلات اللفظية من أجل تجييش الجماهير، ولديه القدرة على استنهاضهم عبر مفاهيم تمثل صدى كبيرا في الذاكرة العربية والإسلامية، لارتباطها بالأصول التأريخية للإسلام، معتبرا -هذا الخطاب الثوري- أن دائرة الصراع في جوهرها تمثل حربا بين "الحق ضد الباطل والفقر ضد الغنى والاستضعاف ضد الاستكبار والحفاة ضد المترفين الذين لا يعرفون معنى للألم.

إنها مفاهيم تحفر بعيدا في سيكولوجية الجماهير، المتعطشة لدحر تلك الأنظمة الاستبدادية التي سلبتها حقوقها المادية، فهو خطاب يتجه نحو إحداث حراك دموي داخل طبقات البروليتاريا والطبقات الكادحة والمظلومة والمهمشة، وهي الطبقة الأخطر في اشتعال الثورات السياسية، حيث غالبا ما تبدأ هذه الطبقات بالذات بالحراك الثوري ضد الأنظمة السياسية الاستبدادية. إضافة إلى ذلك، فإن هذه المقابلات اللفظية تتجه كذلك إلى بناء منطق أيديولوجي ديني يزاحم ذلك المنطق الذي تؤسسه الحركات الاشتراكية واليسارية، وهي الحركات التي تعول كثيرا في نشاطها السياسي على حركة طبقات العمال الاجتماعية، خاصة ونحن ندرك أن السياقات الاجتماعية والسياسية التي كانت تعيشها إيران في مرحلة ما قبل الثورة، وكذلك السياقات السياسية والاجتماعية التي كان التنظيم الإخواني يعيشها في مصر، مليئة بالأفكار الاشتراكية، والحركات الثورية اليسارية.

هذا الجهاز المفاهيمي تشكل في سياقات عديدة لكلا التيارين، وهي سياقات ارتبطت بالاستعمار سواء في الوطن العربي بشكل عام، أو في إيران، التي كانت تهيمن على مركزيتها السياسية الدولتان الروسية والإنجليزية حتى منتصف القرن العشرين، ثم استمرت الولايات المتحدة تمارس الدور ذاته الإمبريالي مع الدولة الصفوية حتى قيام الثورة الإيرانية. شكلت هذه الإمبريالية مساحة كبيرة في صناعة الإسلام الثوري ونشوئه، وساعد على ذلك التعاون الكبير الذي أقامته الأنظمة السياسية العربية والشاهينشاهية مع الإمبريالية الغربية، الأمر الذي استدعى دائما حضور شبكة كبيرة من المفاهيم الدينية التي تؤسس من جديد لثنائيات المسلم/ الكافر، أو الحكومة الشرعية -الحاكمية/ حكومة الطاغوت- الجاهلية. هذا الخطاب تجاه الإمبريالية -بشكل خاص- لم يكن في حقيقته وليد الحركات الإسلامية فقط؛ بل تأسس عبر جذور تأريخية تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وبعدهما رشيد رضا، وهم من أسهم في صياغة تفكير إسلاموي عند حسن البنا. وهي سياقات لم تكن تتجه نحو تأسيس الإسلام الثوري الذي عرفه العقل العربي متأخرا، مع نشوء مثل هذه الحركات الراديكالية في منتصف القرن العشرين. لقد كانت سياقات التحول في العقلين العربي والإسلامي ممتزجة بالتيارات العلمانية أيضا، والتي ترى في الآخر (الغرب) فضاء جميلا للخروج من مأزق الدكتاتورية السياسية، وذلك عبر الإيمان بفلسفة الأنوار، فقد كان "المثقفون الإيرانيون منذ بداية القرن التاسع عشر شديدي التأثر بحركة الأفكار الوافدة من أوروبا، وبالأخص الأفكار المتحدرة من فلسفة الأنوار والثورة الفرنسية. هؤلاء المثقفون كانوا يرون في الدستورية والعلمانية والقومية الوسائل (المثلى) لتحديث البلد، إذ كانت الدستورية تسمح بالنضال ضد الحكم الملكي، والعلمانية تسمح بالنضال ضد السلطة الدينية".

 

منظرو ولاية الفقيه

لم يكن الجيل الثاني الذي أتى بعد هؤلاء المؤسسين لصناعة الإسلام الثوري أقل راديكالية من الجيل الأول، باستثناء تغير ملامح السياقات السياسية التي دفعت بعضهم إلى تبني خطابات أقل حدة مما كانت عليه، في حين ظل الجهاز المفاهيمي بصوره التقليدية الراديكالية حاضرا بقوة في نصوص الجيل الثاني، سواء في خطابات التنظيم الإخواني أو خطابات منظري ولاية الفقيه، فقد كان علي شريعتي من أبرز المنظرين للثورة الإسلامية في إيران، وهو باحث في علم اجتماع تخرج في الجامعات الفرنسية، وألهمته الحياة الاشتراكية التي عاشها في باريس صورا عديدة لمعنى الثورة، فقد بث شريعتي "معاني راديكالية في المصطلحات القرآنية، وترجم كلمة أمة لتعني مجتمعا ديناميكيا في ثورة دائمة، والتوحيد بالتضامن الاجتماعي، والإمامة بالقيادة الكاريزمية، والجهاد بالنضال من أجل التحرر، والمجتهد بالمناضل الثوري، والشهيد بالبطل الثوري، والشرك بالخضوع السياسي، والانتظار بتوقع الثورة، والمستضعفين بالجماهير المضطهدة كما في (معذبو الأرض)". وهي كلها مصطلحات تضمنت دلالات اشتراكية وثورية، تأثرت بما كان يحدث من نضال شعبوي في فيتنام وكوبا وأمريكا اللاتينية، كما تأثرت بفلسفات النهضة والتنويرالفرنسية، وبثقافة الثورة الفرنسية بشكل خاص، مستلهمة من الثورات الفرنسية مصطلحات ثورية جديدة في الثقافة الإيرانية، وتوافقت هذه المصطلحات مع القوى الاشتراكية العمالية والليبرالية، التي كانت تشكل حلقة مهمة ضمن حلقات الثورة التي أطاحت بالنظام البهلوي.

إن هذه الشبكة المفاهيمية التي استعملها علي شريعتي أسهمت في إحداث توازن فكري مع تلك المصطلحات الدينية التي يستخدمها الإمام الخميني، وهي مصطلحات تستمد شرعيتها من التأريخ البعيد، في حين كان الجهاز المفاهيمي لعلي شريعتي مستمدا من الشبكة المفاهيمية للثورات الاشتراكية الحديثة، وقد كانت خطاباته موجهة إلى الطلبة والأكاديميين والوطنيين والطبقات المتوسطة (...) إلا أننا نستطيع التأكيد بأن ثمة مصطلحات بذاتها وظفها رواد الثورة المنظرون لها كالخميني وعلي شريعتي في مخاطبة الجماهير المتشوقة لفلسفة التغيير، كمصطلحات من قبيل: (المستضعفون، الاستكبار العالمي، الفقراء، الأغنياء، الثورة، الجماهير، الطبقات، الفلاحون... وغيرها)، وهي مفاهيم كانت تؤسس لمناخ ثوري شعبوي، قادر على استيعاب جميع الحركات الثورية في تلك الفترة.
 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق