الغزو الأمريكي للعراق كم خدم السلفيات الجهادية!





تاريخ النشر: 2017-07-15 10:51:19


خلاصة بحث بو زيدي يحيى 'من القاعدة إلى تنظيم الدولة'، ضمن الكتاب 123 (مارس/آذار2017) 'داعش وأخواتها.. الفكر والتكفير والنصوص' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

أدى الاحتلال الأمريكي للعراق إلى توفير بيئة ملائمة لنمو الحركات الجهادية؛ إذ اجتمع فيه بعدان يعتبران المغذي الأساسي لها، يتمثل أولهما في وجود قوة أجنبية "كافرة" تحتل أراضي المسلمين، والثاني في سقوط الدولة هناك وغياب سلطة سياسية؛ مما ترك فراغا زاحم الجهاديون غيرهم في ملئه.

وأهم مخرجات الاحتلال الأمريكي تمثلت في سيطرة التنظيم على مساحات جغرافية ومدن بأكملها وفرض سلطته عليها، ناهيك عن تجنيد أعداد كبيرة من العراقيين والعرب في صفوفه، وتطوره في فترة وجيزة من جماعة قليلة جدا تنضوي تحت قيادة الأردني أبي مصعب الزرقاوي في كردستان العراق، إلى تنظيم يضم عدداً من الفصائل، فتأسيس دولة العراق الإسلامية بعيد مقتل الزرقاوي؛ الذي تعود بوادر فكرة تأسيس الدولة له. فقد بدأ يفكر قبل مقتله بتأسيس إمارة في العراق، الأمر الذي تحقق على يد أتباعه بإعلان "الدولة الإسلامية في العراق" في 2006.
كما أعطى الاحتلال الأمريكي للعراق نفسا جديدا للقاعدة المركزية التي تراجعت كثيرا بعد الحرب على أفغانستان قبل سنتين وفقدانها ملاذها الآمن، حيث عاد الجدل حول أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) وحقيقة الأهداف الأمريكية، وبذلك قدمت خدمات كبيرة للرواية القاعدية، وتضاعف عدد الجهاديين خصوصاً مع التطور في الوسائل التكنولوجية الذي كان يحصل بالموازاة مع ذلك، واستغلاله من طرف الجهاديين بمهارة، ولم يفوت تنظيم القاعدة كل هذه الفرص حيث سارع لتبني تنظيم الزرقاوي على الرغم من الخلافات بينهما، ليتأسس بذلك فرعها في بلاد الرافدين في أكتوبر (تشرين الأول) 2004. وتتلاحق الفروع في شبه الجزيرة العربية، والمغرب الإسلامي، وفشلت المحاولات الحثيثة لتأسيس فرع في مصر، كإعلان تأسيس "القاعدة في أرض الكنانة" في 2006 بزعامة محمد الحكايمة الذي قتل بعد عامين في باكستان.

عاد سجال العدو القريب والعدو البعيد مرة أخرى إلى الأوساط الجهادية، وما رجّح كفة قتال "العدو القريب" في استراتيجية الزرقاوي وتجاوزه لطرح القيادة المركزية للقاعدة؛ أن "العدو البعيد" كان يقاتل على "جغرافية قريبة" جنبا إلى جنب مع الحكومة التي جاءت بعد الاحتلال وسيطر عليها الشيعة، وبالتالي فإن التعاون بين العدوين كان جليا، إذ كانا يقاتلانه في معركة واحدة، وهو الأمر نفسه الذي حصل مع فروع القاعدة الأخرى، خاصة في الجزيرة العربية؛ فبالرغم من أنها رفعت شعار مقاتلة العدو البعيد من خلال استهداف الأمريكيين وغيرهم من المصالح الغربية في السعودية، فإن مواجهاتهم مع المؤسسة الأمنية هناك، سرعان ما غيرت في أهدافهم وأصبحت مقاتلة العدو القريب أولويتهم.

عودة الجدل مرة أخرى حول أولويات العدو القريب والعدو البعيد، لم تكن بالأهمية الكبيرة، ولم يسفر الخلاف حول هذا الموضوع عن صراع بين القاعدة وفرعها العراقي؛ لأن واقع الحرب في المحصلة الأخيرة كان يفرض على فروع القاعدة القتال على كل الجبهات، فالقوات الأمريكية لم تعد تستهدف أنظمة أو جيوشا، وإنما التنظيمات نفسها، والزرقاوي كان يقاتل حيث يمكنه الوصول، فالقدرة هي المحرك الأساسي لسلوكه، حيث كان من السهل استهداف الشيعة والأمريكيين، كما أنه قام بعمليات في موطنه الأصلي، فقد أشرف على العديد من الهجمات الناجحة والفاشلة في الأردن. لكن في الموجة العراقية برز معطى آخر أكثر أهمية، ومعه بدأت إرهاصات تشظي تنظيم القاعدة والصراع داخل البيت الجهادي، فالمستجد الأهم تمثل في "الدولة الجهادية" الأولى، وجدل العلاقة السلطوية التي طرحتها، وإن تمت تغطيته بنقاش فقهي.

فعقب الإعلان عن تأسيس دولة العراق الإسلامية، بات موضوع إعلان الدولة نفسه مناطا للخلاف داخل أوساط التيار الجهادي عموما، وبين تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة خصوصا. ولكن استياء تنظيم القاعدة المركزي حينها بزعامة أسامة بن لادن من ذلك الإعلان، ومن الخط الذي أخذ يسير عليه تنظيم العراق، لم يصل إلى حد القطيعة والصدام، وبقيت العلاقة مستمرة على الرغم من الفتور وضعف التنسيق. ومع أنّ الطرفين حاولا تجاوز الاختلاف الكبير، فإنه كان بالفعل نقطة تحول مهمة في مسار الفرع العراقي للقاعدة. فقد أخذ، لاحقا، مسارات أكثر استقلالية عن تنظيم القاعدة المركزي بعد الإعلان عن قيام الدولة، وذلك بعد أن تبدلت موازين القوى داخل الفرع العراقي، وأصبح تحت سيطرة العراقيين بصورة لافتة، وتراجع نفوذ وهيمنة المقاتلين العرب والأجانب.

ومن منظور جغرافي، فإن أهم تطور حصل داخل التنظيمات الجهادية يتمثل في الانتقال من شغل حيز جغرافي ضيق يتسم بحرب العصابات، واستيطان المناطق الجبلية والأرياف أو حتى المدن، ولكن على شكل خلايا سرية، إلى السيطرة على نطاقات جغرافية واسعة، وبسط سلطتها من خلال فرض النموذج الإسلامي الذي تعتقد به، حتى باتت توصف بدولة الأمر الواقع. ثم العمل الحثيث والاستماتة في محاولة التمسك بتلك الأقاليم الجغرافية، ومن ثم محاولة التمدد نحو الأقاليم المحاذية.

الملمح الآخر في هذه الموجة أنها رسخت الأسس الجهادية أكثر؛ فإذا كانت الظروف السابقة مثل الحالة الأفغانية على بعدها جغرافيًا نظر للجهاد فيها على أنه فرض عين، فتزايد حدة الصراعات وانتقالها ثم انتشارها في الجغرافية العربية كاملة يرسخ هذه الفكرة، خاصة مع أنه في هذه الحالة "جهاد دفع" وهو الذي لا يختلفون فيه حتى مع غيرهم من الإسلاميين. كما أن ردة الحكام العرب تزداد في "يقينهم" بعدما أصبحت القواعد الأجنبية (الكافرة) منتشرة ووصلت إلى الاحتلال المباشر. وتزايد حجم التنسيق والتعاون في "مكافحة الإرهاب" الذي هو من أخطر مظاهر موالاة الكفار، إلى جانب الضغوطات الدولية من أجل الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان وحرية التعبير والمعتقد، وما تفرضه من مسايرة القوانين الدولية، والتي تثبت من وجهة نظرهم، ليس عدم تطبيق الشريعة، وإنما العمل الدؤوب على محاربتها.


 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق