قانون الانتخابات الجديد بالعراق يكرس سيطرة الأحزاب الطائفية الكبرى





تاريخ النشر: 2017-08-12 12:29:49


 بعد ثلاثة أيام على تظاهرة شعبية واسعة طالبت البرلمان بإقرار قانون انتخابات عادل، تجاهل النواب ذلك، واتفقت الكتل الكبيرة على قانون يضمن فوزها ويبتلع الأحزاب الصغيرة.

الاثنين الماضي أقر البرلمان العراقي قانونا جديدا للانتخابات المحلية التي كان من المفترض أن تجري في نيسان (ابريل) الماضي، إلا أن الحرب على الدولة الإسلامية ونزوح ملايين السكان السنة من مناطقهم حال دون إجرائها في موعدها المحدد، أما الموعد الجديد للانتخابات لم يتم تحديده أيضا.

اعتراضات سياسية وشعبية واسعة برزت بعد إقرار القانون الجديد الذي جاء متناغما مع مصلحة الأحزاب العراقية الكبرى ويضر بالأحزاب السياسية الصغيرة التي تسعى إلى المشاركة السياسية وتصحيح الأخطاء التي وقعت فيها الأحزاب القابضة على السلطة منذ (14) عاما، ولكن هذه المهمة ليست سهلة مع سيطرة الأحزاب الكبرى على مفاصل الحكومة والبرلمان.

وصوت البرلمان في الأول من آب أغسطس على (25) فقرة من القانون تضمنت نسبة احتساب أصوات الناخبين (1.9) وفق نظام "سانت ليغو" وهو ما أثار استياء شعبيا واسعا دفع التيار الصدري إلى تنظيم تظاهرة شعبية واسعة في ساحة التحرير وسط بغداد للضغط على البرلمان لتعديل القانون.

ولكن البرلمان أجرى الاثنين الماضي تعديلا طفيفا على المادة (12) المثيرة للجدل باحتساب أصوات الناخبين وفق نظام "سانت ليغو" وفق قسمة أصوات كل حزب على الرقم (1.7) بدلا عن (1.9)، وهو أيضا سيكون في مصلحة الأحزاب الكبيرة التي تحصل على أكثر الأصوات بينما سيتم منح الأصوات التي تنالها الأحزاب الصغيرة إلى الأحزاب الكبيرة أيضا.

الكتل السياسية المعترضة كانت تطالب بتخفيض الرقم الذي تقسم عليه أصوات الناخبين إلى (1.4) لأنه سيسمح للأحزاب الصغيرة بالحصول على مقاعد، وكانت كتلة "الأحرار" التابعة إلى التيار الصدري بزعامة رجل الدين مقتدى الصدر، وحزب "الفضيلة" وائتلاف "الوطنية" بزعامة نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي ابرز المعترضين، إذ حاول نواب التيار الصدري إفشال النصاب القانوني الخاص بالجلسة بعد خروجهم من قاعة البرلمان، إلا أن المحاولة فشلت.

القيادي في التيار الصدري ضياء الاسدي قال إن "الكتل الكبيرة أصرت على موقفها لتحقيق مصالحها دون اكتراث بمطالب الشعب في تظاهرات الجمعة، نسبة (1.7) ستكون لمصلحة الأحزاب الكبيرة لكنها صعبة للأحزاب والكتل الصغيرة".

حزب "الفضيلة" الذي يمتلك ستة مقاعد في البرلمان أيضاً اعترض على القانون، وقال في بيان رسمي إن الصيغة الحالية ستؤدي إلى هدر كبير في أصوات الناخبين العراقيين وسيتم منحها إلى الكتل الكبيرة، كما أن ائتلاف "الوطنية" اعترضت أيضاً على القانون.

البرلمان قرر أيضاً إجراء الانتخابات المحلية في اليوم الذي ستجري فيه الانتخابات التشريعية نفسه، وهي المرة الأولى التي يتم دمج كلا الاقتراعين في موعد واحد، في السابق كانت تجرى بفارق عامين، ولهذا فالانتخابات المقبلة ستكون تحديا كبيرا للكتل السياسية العراقية.

الانتخابات المحلية تعتبر مقياسا لشعبية الكتل السياسية ومعرفة وزنها في الانتخابات وعلى ضوئها تبدأ الكتل السياسية معالجة أخطائها والتحضير للانتخابات التشريعية، ولكن دمج الانتخابات معا سيجعلها مغامرة للجميع.

آخر انتخابات شهدها العراق كانت في 2014 الخاصة بالبرلمان، وخلال السنوات الثلاثة الماضية شهدت البلاد تطورات سياسية وأمنية عديدة، فالحرب الطويلة ضد تنظيم "داعش" أوجدت قوى سياسية جديدة بينها الفصائل المسلحة في"الحشد الشعبي"، وقوات العشائر، وأيضا تطور الأداء السياسي للتيار المدني في البلاد الذي يقود تظاهرات مناهضة للحكومة منذ عامين.

في المقابل تراجعت شعبية كتل سياسية تقليدية شيعية وسنية وكردية، وبدون وجود اختبار لقياس توجهات الرأي العام العراقي الحالية عبر الانتخابات المحلية، فالانتخابات المقبلة ستكون الأكثر أهمية وخطورة في البلاد بعد 2003.

المحلل السياسي زياد احمد يقول أن "المشكلة المتوقعة أن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، ومجالس المحافظات ستكون معقدة، في السابق كانت الفترة بين الانتخابات المحلية والتشريعية عامين، والكتل السياسية تستغرق وقتا طويلا لتشكيل الحكومة ومجالس المحافظات، الانتخابات المقبلة ستكون أكثر تعقيدا وربما تأخذ وقتا أطول لان الوصول إلى توافقات لتوزيع المناصب الحكومية ومجالس المحافظات في القوت نفسه تتطلب مفاوضات طويلة.

دوائر انتخابية محدودة

احد أهم الانتقادات التي توجه إلى العملية الديمقراطية في العراق بعد 2003 هي عدد الدوائر الانتخابية، ففي أول عملية انتخابية جرت عام 2005 اتفقت الأحزاب العراقية على جعل العراق دائرة انتخابية واحدة وقائمة مغلقة لا يستطيع الناخب اختيار مرشح وإنما قائمة كاملة.

وتطور القانون بشكل محدود في انتخابات 2010 بعد انتقادات محلية ودولية، واتفقت الأحزاب على جعل العراق (18) دائرة انتخابية بدلا عن دائرة واحدة، أما نظام قوائم المرشحين فأصبحت نصف مفتوحة، ويستطيع الناخب انتخاب مرشح واحد ولكن في النهاية قد تذهب أصوات هذا المرشح إلى مرشحين آخرين، بينما يطالب أكاديميون وسياسيون مستقلون بان تكون الدوائر الانتخابية على مستوى البلدات الصغيرة في كل محافظة بدلا من أن تكون المحافظة دائرة واحدة.

ومن جديد تبقى المشكلة الأكبر هي محافظة كركوك، فالمدينة على عكس باقي المحافظات العراقية الأخرى لم تشهد اي انتخابات منذ عام 2005 بسبب الصراعات السياسية بين مكوناتها الثلاثة الكرد والعرب والتركمان، وللمرة الثالثة خلال السنوات الماضية فشل السياسيون العراقيون في حسمها.

أثناء جلسة البرلمان الاثنين الماضي عندما وصل النواب لمناقشة المادة (37) من القانون الخاصة بانتخابات كركوك، قرر المشرعون تأجيل مناقشتها والموافقة على مقترح الحكومة الذي يدعو مجددا لتأجيل الانتخابات أربع سنوات أخرى بعد استكمال الإحصاء السكاني وتحديث سجل الناخبين في المحافظة.

العراق بلا مفوضية انتخابات

مفوضية الانتخابات هي الجهاز التنفيذي المسؤول عن إجراء العمليات الانتخابية في العراق، ولكن المشكلة هي مطالبات القوى السياسية في تغيير أعضاء مفوضية الانتخابات الحالية إذ يشترط الدستور وفقا للمادة المرقمة (102) أن تكون المفوضية هيئة مستقلة تخضع لرقابة البرلمان، ولكن أعضاءها ينتمون إلى الأحزاب الكبيرة الشيعية والسنية والكردية بالتساوي.

وفي نيسان (ابريل) الماضي شكل البرلمان لجنة خاصة باختيار مجلس مفوضية جديد، وأعلنت اللجنة فتح باب الترشيح لكل العراقيين، وقدم نحو خمسة آلاف مرشح وعلى اللجنة اختيار تسعة بينهم، وبعد مضي أربعة أشهر لم تنجح اللجنة في اختيار الأعضاء الجدد لان الكتل السياسية تريد أن يكون مرشحوها ضمن أعضاء المفوضية الجديدة كما جرت العادة وفق نظام التحاصص في تقاسم المناصب.

هذا التأخير أثار قلق السياسيين العراقيين، ودفع كل من رئيس الجمهورية فؤاد معصوم ورئيس الوزراء حيدر العبادي ورئيس البرلمان سليم الجبوري إلى المطالبة بالإسراع في اختيار مفوضية انتخابات جديدة خلال اجتماع مشترك عقده الثلاثة في الثالث من آب أغسطس الحالي.

إضافة لكل ما سبق فان موعد إجراء الانتخابات ما زال غير محدد، ووفقا للدستور ينبغي إجراؤها في نيسان ابريل من العام المقبل، ولكن الحكومة لم تحدد حتى الآن الموعد النهائي، وهناك مخاوف من تأجيلها، ولكن الشيء المؤكد أن الانتخابات المحلية والبرلمانية المقبلة ستكون الأهم والأصعب في البلاد لكونها أول عملية انتخابية تجري بعد مرحلة تنظيم الدولة الإسلامية.

الاقتراع المقبل سيرسم مستقبل البلاد بعد الانتهاء من التحديات العسكرية والتوجه نحو تحديات تحقيق الاستقرار السياسي والبناء والاعمار وهي ملفات لا تقل صعوبة عن الحرب.(نقاش)
 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق