لكش .. إمبراطوريّة سومريّة تلوذ بالرّمال





تاريخ النشر: 2016-07-26 09:33:56


 : ما زالت الريح تنحت منذ مئات السنين في التلال الأثريّة لمدينة لكش (2500-2000 ق.م.) الواقعة في صحراء ناحية الدواية شماليّ الناصريّة (350 كلم شمال بغداد)، والّتي لم ينقّب عن الجزء الأكبر منها، كما يبدو واضحاً في المكان المليء بالأطلال الّتي اندثرت تحت الرّمال، والّتي شهدت أعمال تنقيب "متقطّعة" منذ اكتشافها من قبل مجموعة من الباحثين الفرنسيّين في علم الآثار عام 1877. 

وقد باشرت بعثة فرنسيّة في التّنقيب مجدّداً في الموقع بـ5 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2015، وهي حصيلة زيارة السفير الفرنسيّ دني كاور لآثار لكش في عام 2013، حيث وعد بدعم حكومة بلاده لعمليّات التّنقيب. وما يميّز هذا الموقع، عن مواقع أثريّة كثيرة نشر عنها "المونيتور"، أنّه يتربّع على مساحة واسعة تبلغ نحو 25 كلم2 حيث كانت عاصمة لكش السياسيّة، ويطلق عليه موقع "الهباء" اليوم، ويعدّ منجماً أثريّاً ضخماً هو الأكبر في الشرق الأوسط، لكنّ هذه المساحة الشاسعة، يهدّدها سرّاق الآثار الّذين يدركون جيّداً الحراسة القليلة والبدائيّة لهذه المنطقة الشاسعة، ممّا يساعدهم على تنفيذ عمليّاتهم بصعوبة أقلّ.


وأكّد الصحافيّ والكاتب علاء كولي، الّذي يسكن في منطقة الشطرة، الّتي تبعد نحو 20 كلم عن موقع لكش، في حديث لـ"المونيتور" بالناصريّة، أنّ "بعض البدو ورعاة الغنم حين يمرّون أو يقصدون المكان يعثرون على قطع آثار من دون تنقيب، إذ أنّ انجراف التربة بفعل مياه الأمطار وعبث الريح يخرج بعضها إلى السطح". ولفت إلى الحفر الكثيرة في صحراء لكش، وقال: "كلّها ناتجة من أعمال تنقيب غير شرعيّة".


هذا الخلل في حماية المكان دعمه مجلس محافظة ذي قار، حيث تقع لكش، حين نشر على موقعه الإلكترونيّ في 20 أيّار/مايو من عام 2015 أنّ الكثير من اللّوحات الطينيّة سرقت قبل نقلها إلى المتاحف، حيث عثر في معبد المدينة الأثريّة على 30,000 لوح طينيّ كتبت نصوص عليها بالخطّ المسماريّ.


وهناك حادثة أخرى حصلت في عام 2009 أكّدت السرقة المستمرّة لآثار لكش، حين ألقي القبض على مهرّب آثار في حوزته ثماني جرّات تعود إلى عصر الأمير السومريّ كوديا أحد أمراء دولة لكش، والّذي حكم من (2144 - 2124 قبل الميلاد)، كان ينوي بيعها إلى تجّار خارج العراق. وإحدى هذه الجرّات، كتب عليها باللّغة السومريّة: "أنا كوديا أمير مدينة لكش".


وأوضح باحث الآثار عامر عبد الرزاق لـ"المونيتور" في الناصريّة الأهميّة التاريخيّة للكش بالقول: "إنّ مدينة لكش هي من أهمّ المدن السومريّة بجنوب العراق في سهل "شنعار"، حيث بداية المدن السومريّة الأولى الّتي انطلقت منذ أكثر من أربعة آلاف عام قبل الميلاد، وكانت لكش من أهمّها، وأسّسها الملك أور في عام 1900 قبل الميلاد، وكانت لها معابدها وقصورها في ذلك العصر".


أضاف عامر عبد الرزاق: "كشفت عمليّات التّنقيب عن آثار قيّمة فنيّة وأدبيّة وثقافيّة ودينيّة، أبرزها مدوّنات الطين المسماريّة الّتي دوّنها المفكّر والكاتب دودو وآثار تدلّ على بداية الكتابة واختراع دولاب الفخّار والمدرسة".


وأوّل ما يطلّ على زائر المكان، مجموعة التلال البيضاء الّتي أطلق عليها هذا الاسم لكونها فاتحة اللّون، وقال عبد الرزاق عنها: "إنّها بقايا المعابد الخمسين في مدينة لكش وتعود إلى العصر الكوتيّ (2200-2100 ق.م)، ومن أشهر ملوكه الملك كوديا، الّذي أحيا الآداب السومريّة والعلوم الإنسانيّة".


أضاف عبد الرزاق: "كانت هناك صعوبة في الوصول الى موقع لكش، إذ كانت تحيط به مياه الهور من كلّ جوانبه، وكان يجب على المنقّبين حينما يريدون الوصول إلى لكش ركب المشحوف، وهو قارب صغير".


وأكّد أنّ "نسبة ما نقّب عنه لا يتجاوز الـ5 في المئة في هذه المدينة الكبيرة"، لافتاً إلى أنّ "البعثات انقطعت عن التّنقيب في هذا الموقع بسبب الحرب العراقيّة - الإيرانيّة (1980-1988)، والبعثة الأخيرة كانت في الثمانينيّات. وفي الوقت الحاضر، فإنّ هناك بعثة فرنسيّة تعمل في مدينة كرسو العاصمة الدينيّة للكش".


والمثير في كلام عبد الرزاق حول انعدام التّوازن بين أهميّة المكان وتوفير الحماية له، قوله: "الحمايات الأمنيّة لهذا المكان الواسع تتألّف من نحو 13 حارساً لموقع الهباء العاصمة السياسيّة للكش، ولكرسو عاصمتها الدينيّة". أضاف: "تنبّهت العشائر الساكنة في محيط لكش لأعمال السرقة والتّنقيب غير المشروع، فعملت على حماية المكان وراحت تلاحق عصابات التّهريب وتمنعها من الوصول الى الموقع".


إنّ محافظة ذي قار، الّتي تضمّ المئات من المواقع الأثريّة، وقال عنها أستاذ آثار الشرق في جامعة شيكاغو في الولايات المتّحدة الأميركيّة الدكتور هنري رايت حين زارها في تمّوز من عام 2003 إنّها "متحف آثار"، تحتاج اليوم إلى جهود محليّة مدعومة بدعم دوليّ ماليّ وفنيّ لإعادة تأهيل هذا التراث الإنسانيّ، الّذي لا ينتمي إلى العراقيّين فحسب، بل إلى كلّ الشعوب وتاريخها الطويل على الأرض، غير أنّ الدعم الدوليّ فنيّاً وماليّاً وإقناع فرق التّنقيب المهنيّة والغربيّة وشركات السياحة بالاستثمار في مدينة لكش وغيرها من المواقع الأثريّة في أنحاء العراق لن ينجح في الشكل المطلوب ما لم يتحقّق الأمن بحسب النائبة عن محافظة ذي قار حيث تقع لكش منى الغرابيّ الّتي أكّدت لـ"المونيتور" في بغداد أنّ "الكثير من بعثات التّنقيب تبدي الاستعداد للعمل في لكش والمناطق الأثريّة الأخرى، لكنّها تربط ذلك بالاستقرار الأمنيّ".


وقالت منى الغرابي: "على الدولة العراقيّة تطوير شرطة حماية الآثار وزيادتها بالمركبات وأجهزة الاستشعار ونصب كاميرات المراقبة في المناطق الأثريّة للقضاء على ظاهرة سرقة الآثار الّتي تنتشر في شكل واسع". وانتقدت الغرابي "قلّة الإهتمام المجتمعيّ بالآثار، لا سيّما في لكش، حيث لا تنظّم فعاليّات تطوعيّة ثقافيّة للتعريف بها، وأكّدت ضرورة صيانتها".


هناك حاجة إلى جهود مجتمعيّة تنظّم نفسها، بعيداً عن انتظار الدعم الحكوميّ، عبر فاعليّات إعلاميّة وثقافيّة تتواصل مع المؤسّسات العالميّة من متاحف وجامعات ومعاهد بهدف التّنسيق معها لإجراء "الممكن" لإنقاذ هذه الآثار. 
 
عدنان أبو زيد/المونيتور:







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق