ظاهرة الذئاب المنفردة.. الأبعاد النفسية





تاريخ النشر: 2017-04-10 10:46:03


خلاصة بحث خالد عكاشة 'الذئاب المنفردة..'، ضمن الكتاب 123 (مارس/آذار 2017) 'داعش وأخواتها: الفكر- التفكير- النصوص' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي
   
 

إن الاقتراب من الإطار العام السلوكي الذي يحيط عادة بالأشخاص الذين يمكن تسميتهم بالذئاب المنفردة، أو بغيرهم ممن هم عناصر محتملة تسير على تخوم هذا التوصيف، يكشف مجموعة من السمات المشتركة، أولها: حالة الجهل لدى الذئب المنفرد بحقائق كثيرة، ومنها المفاهيم الحديثة المرتبطة بالعصر الحالي، مقترنا بفسحة من الإفراط في التدين لدى الذئب المنفرد، يساعد على سرعة تأثره بالأفكار المتطرفة التي تبثها المواقع الجهادية، وثانيها: استقبال هؤلاء لما يعتبرونه دليلا إرشاديا يرسم الطريق الذي يودون سلوكه، باعتباره من مقتضيات الدين الإسلامي الصحيح، وهذا ينقلهم بالتبعية إلى المرحلة الثالثة التي تدفعهم لتكوين القناعة الخاطئة بأنهم -أي الذئاب المنفردة- بسلوكهم هذا إنما يقدمون هدية للدين الإسلامي تضعهم على طريق الجنة بحورياتها وجناتها الوارفة.


تحول الأسوياء إلى العنف


من المفاهيم التي كان ينظر إليها بحسبها قد حققت قدرا مقبولا من الرسوخ، أن عمليات التطور والتحديث المجتمعي عادة ما تقود إلى تقليل حدة العنف بشكل عام، وهو ما أكده عالم الاجتماع مايكل كومنز، من أن تطور المجتمعات يشبه تطور الأفراد وعادة ما يقود إلى الاستقرار، وتقليل حدة العنف، على أن تحدث عملية التطوير والتحديث بشكل تدريجي، وألا يتم تخطي بعض المراحل، كما يجب أن تشمل أفراد المجتمع كافة، كما أثبتت التجربة أن ميل الإنسان إلى العنف لا ينبع من دافع واحد بل مجموعة من الدوافع.

الجماعات المتطرفة اليوم لم تعد تنظيما مركزيا كما كانت فيما قبل حربي أفغانستان والعراق، كما أن ما يمكن تسميته بـ"الجهاد العالمي" وفق مفهوم تلك التنظيمات شهد خلال السنوات الأخيرة ثورة داخلية شاملة، فقد تحولت الأيديولوجية المتطرفة إلى آلية للتكفير والقتل من دون التقيد بقالب تنظيمي، لاسيما وأن تنظيمي القاعدة و"داعش" يعدان الآن أيديولوجية فكرية متشظية يصعب السيطرة عليها بحروب وأطر تقليدية، بل يسعى كلا التنظيمين الأكبر في ساحة العمل المتطرف العنيف، أن ينقلا توصيفهما من مجرد تنظيم إرهابي يستقر وينشط في محيط بعينه (أفغانستان، العراق، سوريا)، إلى أن يتحول لمفهوم "حركة التمرد" العابرة للحدود الوطنية، القابلة والجاهزة لاستقبال واستيعاب المتعاطفين والدائرين في فلك تلك المفاهيم.

نماذج الظاهرة


عبد الحميد باعود: اتهم المحققون الفرنسيون أباعود (28عاما) المغربي الأصل، البلجيكي الجنسية، بأنه هو العقل المدبر وراء هجمات باريس التي قتل فيها (132) شخصا وجُرح قرابة (350). نشأ أباعود في بروكسل بحي "مولينبيك" المعروف بساكنيه من المهاجرين العرب الذين يعانون من البطالة وازدحام المساكن. أباعود اسمه الحركي هو "أبو عمر البلجيكي" انضم إلى تنظيم "داعش" عام 2013، وهناك غموض بشأن المكان الذي كان موجودا فيه قبل مقتله، إذ زعم التنظيم أنه كان في سوريا، وربما يكون التنظيم قد كذب في ما يتعلق بمكان أباعود لصرف الأنظار عنه، فغالبا ما ضلل الإرهابيون وكالات الاستخبارات بشأن أماكن وجود مسلحيهم من منطلق أن "الحرب خدعة"، وليس من الواضح متى أصبح أباعود متطرفا، حيث تفيد المعلومات عنه بأنه درس في أفضل مدارس بلجيكا الثانوية وهي مدرسة "سان بيير دوكل"، وتعرف بعدها على مهدي نموش، وهو المتطرف الجزائري- البلجيكي الذي قتل أربعة أشخاص في متحف يهودي في بروكسل مايو (أيار) 2014.

سيف الدين رزقي: منفذ العملية الإرهابية التي قتل فيها (38) شخصا -على الأقل- في مدينة سوسة السياحية بتونس، كان طالبا جامعيا شابا دون أي علامة مميزة تدل على انتمائه المتطرف، حيث ولد رزقي عام 1992 بمدينة "قعفور" بولاية سليانة شمال غرب تونس، وانتقل في سن (19) إلى القيروان حيث حصل على شهادة الماستر في الهندسة الكهربائية.

الأمن التونسي ذكر أنه يحمل جوازا للسفر لكنه لم يستخدمه في السفر مطلقا، لذلك كان تساؤل علي رزقي (عم سيف) منطقيا: كيف تدرب على حمل السلاح وأين تدرب؟ الله أعلم، فيما قبل الحادث بفترة قصيرة لاحظ عليه زملاؤه في جامعة القيروان نوعا من التزمت وميلا للعزلة، وكان يقضي فترات طويلة في الإبحار على شبكة الإنترنت، ويرفض إطْلاع زملائه على المواقع الإلكترونية التي يرتادها، ويحرص على ممارسة هذا النشاط وحيدا، الحكومة التونسية ذكرت أن منفذ الهجوم لم يكن مدرجا على قائمة المشبوهين بالإرهاب أو الخاضعين للمراقبة، لكنه "ربما أصبح متشددا على أيدي الدعاة قبل (6) أشهر".

   
   
 سمات مشتركة في القناعة الخاطئة 
  

نضال مالك حسن: عمل ضابطا في الفيلق الطبي بالجيش الأمريكي، وتمت إدانته في حادث إطلاق نار على زملائه في مركز "فورت هود" بولاية تكساس، في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، حيث قتل (13) شخصا، وأصاب (32) أخرين. ولد نضال في سبتمبر (أيلول) 1970 بولاية فيرجينيا، وهو ابن مهاجرين فلسطينيين، ونشأ في بيت مسلم، ووصف في طفولته بالهدوء وحسن السلوك، بعد التخرج التحق للعمل بالجيش الأمريكي على غير إرادة والديه، ثم أكمل دراسته للطب وأصبح ضابطا طبيبا، وقد تخصص في دراسة الطب بمجال "الطب النفسي الوقائي"، في أعقاب أحدث 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

بدأ نضال يشعر بأنه غير قادر على تحقيق التوازن بين عمله في الجيش والتزامه الديني، وقد تبين بالتحقيقات فيما بعد أنه كان يقوم بتحميل الفيديوهات الجهادية، بالخصوص التي كان يظهر بها زعيم تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية "أنور العولقي"، وفي 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2009 قرر نضال أن يواجه هذه التناقضات التي كان يشعر بها، فحمل سلاحه صائحا: "الله أكبر"، وأطلق النار عشوائيا وبكثافة على زملائه، وقد حكم عليه بالإعدام في أغسطس (آب) 2013، ليموت وهو يقدم نموذجا شديد الوضوح للتماهي والاستلهام للعمل المتطرف.

محمد لحويج أبو هلال: أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية أن السائق الفرنسي التونسي الأصل محمد لحويج بوهلال، هو من قام بدهس المحتشدين بشاحنته في مدينة نيس الفرنسية، فقتل منهم (84) شخصا وأصاب ما يتجاوز (100)، تم تحديد هوية لحويج عن طريق بصمات الأصابع ومتعلقاته الشخصية بعدما قتلته الشرطة داخل الشاحنة بإطلاق الرصاص عليه. وأكد وزير الداخلية الفرنسي برنار كازانيف بعد الحادث أن لحويج لم يكن عضوا ناشطا في أية جماعة جهادية، لكنه "تحول للتشدد بشكل شديد السرعة"، ومما توفر من معلومات أمنية عن الحادث، أن لحويج بوهلال عاين وراقب مكان الهجوم لمدة يومين، وتعرف على معالمه قبل أن يقدم على فعلته في اليوم التالي، الذي وافق الاحتفال بالعيد الوطني لفرنسا، لم يكن لحويج معروفا للسلطات الأمنية أو أجهزة الاستخبارات في فرنسا.

عمر مير صديقي متين: عمره (29 عاما) أمريكي مسلم ذو أصول أفغانية، يعمل حارسا أمنيا وأجمع أقاربه كافة وأسرته على أنه شاب غير ملتزم دينيا بشكل خاص، وقد ظلت الشرطة تحقق خصوصا فيما إذا كانت له ارتباطات بتنظيم "الدولة الإسلامية" أو إذا كان مغرما بذلك التنظيم، فعملية إطلاق النار التي نفذها عمر متين في ملهى ليلي يرتاده المثليون بمدينة أورلاندو بولاية فلوريدا الأمريكية، أسقطت (49) شخصا قتيلا و(53) مصابا، وذكرت الشرطة أن متين اتصل برقم الطوارئ (911) قبل تنفيذ العملية أثناء الهجوم مبلغا أنه يبايع تنظيم "الدولة الإسلامية"، وذكر والد متين لوسائل الإعلام الأمريكية "أن ابنه صدم أخيرا عندما رأى اثنين من المثليين وهما يتعانقان في مدينة ميامي، وهذا الهجوم ليس له علاقة بالدين، صدمنا كما صدمت البلاد بأسرها"، وتجيء معلومات زوجته الأولى لتكشف النقاب عن جزء آخر من شخصية متين حيث تذكر: "لم يكن إنسانا سويا، كان يضربني، كان يعود إلى الدار ويضربني لأتفه الأسباب، مثل تلكئي في إتمام غسيل ملابسه، وهو شخص منطو بصورة ملحوظة".

قتل متين برصاص الشرطة في عملية اقتحامه لمبنى الملهى الليلي مشكلا صورة متكاملة للشخص المشوش نفسيا وعصبيا، والذي ربما جنح للفعل المتطرف المفاجئ تحت ضغوط اكتئابية أشار إليها بتأكيد وتفصيل العديد ممن كانوا قريبين منه.


 







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق